من العزلة إلى الانفتاح.. ماذا يعني إنهاء العقوبات الأميركية على سوريا؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

مع رفع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على سوريا، في عهد النظام السابق، تدخل العلاقات الاقتصادية للبلدين مرحلة محورية قد تُعيد تشكيل الخريطة التجارية بينهما بعد أكثر من عقد من القيود الصارمة والعزلة المالية.

وقال موقع "ذا ميديا لاين": إن "القيود لم تكن مجرد إجراءات سياسية، بل حكمت فعليا جميع أشكال التبادل الاقتصادي، مما أدى إلى تقليص التجارة الثنائية إلى مستويات هامشية".

ومع رفعها رسميا، تساءل الموقع في تقرير له: هل ستفتح هذه الخطوة الباب أمام انتعاش اقتصادي حقيقي، أم أن الطريق نحو إعادة العلاقات التجارية إلى مسارها الطبيعي لا يزال طويلا وغير مؤكد؟

نقطة تحول

ومنذ عام 2011، تخضع سوريا لعقوبات أميركية واسعة النطاق تستهدف مؤسسات الدولة وقطاعات حيوية كقطاعات الطاقة والمصارف والنقل.

ومع سنّ "قانون قيصر" عام 2019، اتسع نطاق هذه العقوبات ليشمل أي كيان أو شركة تتعامل مع مؤسسات حكومة النظام السوري (البائد) أو تشارك في مشاريع إعادة الإعمار دون موافقة الولايات المتحدة.

خلال تلك الفترة، انخفض حجم التبادل التجاري بين واشنطن ودمشق إلى بضعة ملايين من الدولارات سنويا.

واقتصرت الصادرات الأميركية إلى حدّ كبير على المواد الغذائية والمستلزمات الطبية وبعض المنتجات التقنية المشمولة بالاستثناءات الإنسانية، فيما انحصر ما كانت الولايات المتحدة تستورده من سوريا في منتجات تراثية أو مواد أولية منخفضة القيمة.

هذه الأرقام وضعت سوريا في ذيل قائمة شركاء الولايات المتحدة التجاريين، ليس فقط بسبب انخفاض قدرتها الإنتاجية، بل أيضا لأن القيود المصرفية كانت قد شلّت فعليا قنوات الدفع والتحويل الرسمية.

ويمثل رفع العقوبات نقطة تحول قانونية وسياسية مهمة -وفق الموقع- إذ أصبح بالإمكان حاليا إعادة فتح الاعتمادات المستندية الرسمية، واستئناف التحويلات المالية عبر النظام المصرفي العالمي، والحد من المخاطر القانونية التي كانت تدفع الشركات الدولية إلى تجنب السوق السورية.

وقال الخبير الاقتصادي، هيثم صالح، لـ"ذا ميديا ​​لاين": إن "رفع العقوبات قد يكون مفيدا للجميع؛ حيث ستتمكن دول الجوار، مثل لبنان والأردن، من توسيع تجارتها مع سوريا، مما سيؤثر إيجابا على اقتصادات المنطقة".

وأضاف أن إعادة دمج سوريا في الاقتصاد "قد يُسهم في استقرار سلاسل التوريد الإقليمية".

من جانبه، قال العضو السابق في الاتحاد السوري للغرف التجارية، أحمد خربوطلي: إن "العودة إلى النظام المالي العالمي ورفع القيود المالية سيسهل فتح الاعتمادات المستندية ويقلل تكاليف التجارة".

وأشار إلى أن ذلك قد يدفع معدلات النمو إلى مستويات أعلى بكثير مما كانت عليه خلال سنوات العقوبات.

مع ذلك، لا يضمن رفع العقوبات بالضرورة انتعاشا اقتصاديا فوريا؛ حيث قال الخبير الاقتصادي والأستاذ بجامعة دمشق، عدنان إسماعيل: إن "إعادة تفعيل القنوات المصرفية الرسمية ستحافظ على التدفقات المالية داخل الاقتصاد الوطني وتحدّ من التكاليف الإضافية".

لكنه حذّر من ضغوط محتملة على سعر الصرف إذا ارتفع الطلب على الواردات بوتيرة أسرع من قدرة الإنتاج المحلي.

بدوره، قال المحلل الاقتصادي أحمد العسيري إن "رفع العقوبات يخفف القيود ويدعم العملة المحلية، لكنه لن يُحقق انتعاشا لحظيا؛ إذ يعتمد ذلك أيضا على الجاهزية اللوجستية والبنية التحتية وقدرة الاقتصاد على استيعاب استثمارات جديدة".

ثلاثة مسارات

في غضون ذلك، يرى المصرفي في مؤسسة مالية سورية، خالد السيد، أنه "من المتوقع أن تضطلع مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بدور في إعادة هيكلة الاقتصاد السوري وإعادة تأهيل بنيته التحتية"، عادا هذه الخطوات أساسية لجذب الاستثمارات وتعزيز التجارة المستدامة.

وأكَّدت منظمات حقوقية، مثل "هيومن رايتس ووتش"، على ضرورة أن يقترن رفع العقوبات بضمانات لتحسين الظروف المعيشية وإعادة بناء الخدمات الأساسية، إذ لا يمكن تحقيق انتعاش اقتصادي حقيقي بمجرد إزالة القيود القانونية.

وبحسب التقرير، فخلال فترة العقوبات، اتسعت الفجوة التجارية بين الولايات المتحدة وسوريا مقارنة بدول الشرق الأوسط الأخرى بشكل ملحوظ.

فقد حافظت واشنطن على علاقات تجارية بمليارات الدولارات سنويا مع اقتصادات إقليمية في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والدفاع والخدمات، بينما بقيت سوريا مهمشة إلى حد كبير.

ويرى المحللون اليوم أن رفع العقوبات يمنح سوريا فرصة للعودة تدريجيا إلى خريطة التجارة الإقليمية والدولية. إلا أن استعادة مكانتها التنافسية تتطلب إصلاحات داخلية عميقة، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الشفافية القانونية.

وعلى هذا، أشار الموقع الأميركي إلى أنه "يمكن استنتاج أن مستقبل التجارة بين الولايات المتحدة وسوريا سيظل مرتبطا بثلاثة مسارات متوازية: ضمان الاستقرار السياسي الداخلي، وإعادة بناء الإطار القانوني والمالي، وتعزيز القدرة الإنتاجية لسوريا".

وأضاف أنه "إذا سارت هذه المسارات بشكل متوازن، فقد يتبلور نمط من "الانفتاح التدريجي والمنضبط"، يبدأ بتوسيع التجارة في قطاعات الخدمات والبنية التحتية، مثل الطاقة والاتصالات وإعادة الإعمار، قبل أن يمتد إلى مجالات أوسع".

مع ذلك، سيظل أي توسع جوهري مشروطا باستعادة ثقة القطاع المصرفي الدولي وتحسين مناخ الاستثمار، بحسب تأكيد الموقع.

واستدرك: "في المقابل، إذا تعثرت الإصلاحات أو واجهت العملية السياسية انتكاسات، فمن المرجح أن يظل التبادل التجاري محدودا حتى بعد رفع العقوبات؛ حيث إن الأسواق لا تستجيب للقرارات السياسية فحسب، بل تتطلب أيضا استقرارا مؤسسيا طويل الأمد".

وأردف: "يمثل رفع العقوبات المفروضة سابقا على النظام السياسي السوري نقطة انطلاق جديدة للعلاقات الاقتصادية بين واشنطن ودمشق".

إلا أن الانتقال من مرحلة العزلة القانونية إلى التكامل الاقتصادي يتطلب أكثر من مجرد مرسوم سياسي -وفق التقرير- حيث يستلزم إصلاحات هيكلية، واستثمارات في البنية التحتية، واستعادة الثقة الدولية.

وختم بالقول: "ستختبر المرحلة المقبلة قدرة سوريا على تحويل هذا الانفتاح المحدود واستئناف التواصل الثنائي إلى علاقات تجارية أوسع وأكثر استدامة، رغم العقبات البنيوية المستمرة والتفاؤل الحذر المصاحب لها".