"من هودو إلى كوش".. قصة تحالف توراتي يقوده نتنياهو ضد الإخوان والشيعة

إسماعيل يوسف | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

عاد بنيامين نتنياهو إلى استدعاء المصطلحات التوراتية في خطابه السياسي، مستخدمًا تعبير "من هودو إلى كوش" للإشارة إلى محور إقليمي يسعى إلى تشكيله يمتد – بحسب طرحه – من الهند مرورًا بالشرق الأوسط وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط.

وقدم نتنياهو هذا المحور بوصفه إطارًا لموازنة ما سماه "المحور الشيعي"، في إشارة إلى إيران وحلفائها، وكذلك ما وصفه بـ"المحور السني لجماعة الإخوان المسلمين". وفق تعبيراته.

وجاء طرح هذا التصور بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل، وفي ظل تنشيط تل أبيب علاقاتها مع عدد من الدول التي يُتوقع أن تكون ضمن هذا الامتداد الجغرافي والسياسي، من بينها إثيوبيا واليونان وقبرص والإمارات العربية المتحدة.

ويعكس استخدام المصطلح التوراتي محاولة لإضفاء بعد تاريخي ورمزي على مشروع تحالف جيوسياسي يتجاوز الإطار الثنائي، ليطرح نفسه كتصور إقليمي واسع يعيد رسم خرائط الاصطفاف في شرق المتوسط والقرن الإفريقي وجنوب آسيا.

ملامح المحور وأبعاده

في 22 فبراير/شباط 2026، أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موجة واسعة من التكهنات حين أعلن أن إسرائيل تعمل على إنشاء "تحالف سداسي" يحيط بالشرق الأوسط، يضم الهند واليونان وقبرص، إلى جانب دول عربية وإفريقية وآسيوية لم يسمها.

وأوضح أنه سيعمل على تطوير هذا التصور خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى تل أبيب، والتي جرت في 24 فبراير/شباط 2026، في خطوة عدت مؤشرًا على خريطة تحالفات جديدة قيد التشكل في المنطقة.

وبعد ثلاثة أيام، وخلال مؤتمر لقيادة جهاز الأمن العام الإسرائيلي الشاباك في 25 فبراير/شباط 2026، قال نتنياهو: إن لدى إسرائيل "اهتمامًا كبيرًا بإنشاء محور خاص بنا من الدول التي تعارض محوري الإسلام المتطرف". وأضاف أنه يسعى لتشكيل حلف إقليمي لمواجهة ما سماه المحور الشيعي بقيادة إيران، والمحور السني الذي ربطه بجماعة الإخوان المسلمين، وفق ما نقلته القناة 12 العبرية.

ووصف نتنياهو المشروع بأنه "محور الدول التي تعارض كلا محوري الإسلام الراديكالي"، مشيرًا إلى أن دولًا عدة منخرطة فيه، "بعضها يزورنا هذه الأيام، وبعضها نزوره"، مضيفًا أنه يتحدث عن "دائرة سلام تضم الشرق الأوسط".

وبحسب تقارير إسرائيلية ودولية، بدأ يتضح أن هذا التحالف يضم إسرائيل والهند واليونان وقبرص وإثيوبيا، إضافة إلى الإمارات العربية المتحدة، ضمن تصور يمتد من جنوب آسيا إلى شرق المتوسط والقرن الإفريقي.

في هذا السياق، كتب جوناثان أديري، مستشار الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، مقالًا بعنوان "تحالفات من الهند حتى كوش: إسرائيل تترك السياج وتعود لتشكيل المنطقة"، قدّم فيه قراءة ذات بعد تاريخي – تلمودي – تربط بين طموح نتنياهو وحدود الإمبراطورية الفارسية القديمة.

وقارن أديري الامتداد الجغرافي لتلك الإمبراطورية – من حدود الهند شرقًا حتى بلاد النوبة المعروفة آنذاك بـ"كوش" في جنوب مصر – بالمحور الذي يسعى نتنياهو إلى بنائه تحت شعار "من الهند إلى كوش".

ورأى أن الإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة تعيد تموضع إسرائيل في قلب منظومة تحالفات ترتكز على أربعة محاور مركزية: الهند شرقًا، وإثيوبيا جنوبًا، وأذربيجان شمالًا، واليونان وقبرص غربًا.

ويرى أديري أن هذا التصور يأتي في سياق مواجهة تمدد تركيا، التي عززت حضورها العسكري والاقتصادي في ليبيا والصومال، وتسعى – بحسب القراءة الإسرائيلية – إلى استكمال مثلث نفوذ عبر سوريا.

كما رأى أن زيارة مودي إلى إثيوبيا في ديسمبر/كانون الأول 2025، ثم إلى إسرائيل لاحقًا، منحت زخمًا للعلاقات الهندية الإسرائيلية، وأسهمت في دفع فكرة محور يمتد من الهند إلى وادي النيل، بهدف كبح التمدد التركي وبناء توازن جيوسياسي جديد.

في السياق ذاته، قال السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي إن إسرائيل تخوض "حربًا على سبع جبهات" تشمل فاعلين في مصر والأردن ولبنان وسوريا واليمن وإيران وقطاع غزة.

وخلال مقابلة مع برنامج The Tucker Carlson Show، أوضح أن المقصود في بعض الحالات ليس الدول بحد ذاتها، بل فاعلين داخلها، مشيرًا تحديدًا إلى جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن، إلى جانب ساحات أخرى مثل لبنان وسوريا.

وبين الخطاب التوراتي الذي يستحضر "من هودو إلى كوش"، والتحركات الدبلوماسية المتسارعة، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى إعادة صياغة شبكة تحالفاتها على أسس جيوسياسية وأمنية جديدة، تتقاطع فيها التقديرات التاريخية مع رهانات التوازن الإقليمي.

قصة "هودو" و"كوش"

يُقصد بـ"هودو" في الأدبيات التوراتية الهند، أو المناطق الشرقية البعيدة التي كانت تُعد ضمن أطراف الإمبراطورية الفارسية القديمة. أما "كوش" فتشير إلى المملكة التي ازدهرت في النوبة شمال السودان على ضفاف وادي النيل، وبلغت ذروتها نحو عام 750 قبل الميلاد، قبل أن تسقط في حدود عام 300 ميلادي.

وبذلك، فإن الامتداد الذي يُعبّر عنه بمصطلح "من الهند إلى كوش"، والذي استحضره بنيامين نتنياهو، يرمز إلى نطاق جغرافي واسع يبدأ من أقصى الشرق (الهند) ويمتد حتى العمق الإفريقي جنوب مصر.

ووفقًا لما أورده موقع دينون لاين في 14 مارس/آذار 2025، فإن المنطقة الشرقية الممتدة من الهند الحالية إلى تخوم الصين كانت تُعرف في التوراة باسم "هودو". في المقابل، كانت "كوش" تُستخدم للإشارة إلى مساحة شاسعة من إفريقيا، باستثناء مناطقها الشمالية التي خضعت لحضارات أخرى.

ويستند هذا الطرح إلى تفسير وارد في التلمود يفيد بأن "مصر تساوي سدس مساحة كوش"، ما يعني أن مصر القديمة لم تكن سوى جزء محدود من الرقعة التي أُطلق عليها اسم "كوش"، والتي امتدت – بحسب هذا الفهم – لتشمل معظم إفريقيا.

وتذهب دراسات منشورة على الموقع ذاته إلى أن شبه الجزيرة العربية كانت تدخل أيضًا ضمن الإطار العام لمفهوم "كوش"، وأن "هودو" و"كوش" كانتا أرضين متجاورتين ضمن سيادة إمبراطور الفرس أحشويروش، الذي امتد حكمه – بحسب الرواية الدينية – "من هودو إلى كوش"، على 127 إقليمًا.

يرِد تعبير "من الهند إلى كوش" في سفر إستير، الذي يروي قصة الملك الفارسي أحشويروش وزوجته الملكة إستير. وتعرض الرواية أن إستير – التي أخفت هويتها اليهودية – تمكنت من إحباط مخطط وزير الملك هامان لإبادة اليهود، بعدما غضب الأخير من مردخاي لرفضه السجود له.

وحسب السرد الديني، كشفَت إستير المؤامرة، فغضب الملك وأمر بإعدام هامان، لينجو اليهود من الإبادة. هذه القصة تُعد في الوعي الديني اليهودي رمزًا للنجاة الجماعية من خطر وجودي، وهو ما يمنح استدعاءها في الخطاب السياسي حمولة رمزية تتجاوز الإطار التاريخي.

وخلال زيارته إلى إسرائيل، بالتزامن مع تصريحات نتنياهو، قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي: إن هناك صلة حضارية بين اليهود والهندوس تمتد عبر التلمود، مقدرا أن الجالية اليهودية في الهند تمثل تجسيدًا لهذه العلاقة التاريخية.

منذ اندلاع حرب غزة، كثّف نتنياهو وحكومته استخدام المصطلحات التوراتية في الخطاب الرسمي. ففي الأيام الأولى للحرب، استحضر ما عُرف بـ"نبوءة إشعياء"، كما أشار إلى "العماليق" – وهم عدو توراتي تقليدي لبني إسرائيل – في محاولة لشحذ همم الجنود.

كما رصد موقع ألترا فلسطين في 31 مارس/آذار 2022 نحو 250 اسمًا أطلقها الجيش الإسرائيلي على عملياته العسكرية أو على أسلحة طورها منذ تأسيسه، وتبيّن أن قرابة ثلثها مستمد من أسماء توراتية، بينما مزجت بقية التسميات بين رموز دينية وإشارات تاريخية مثل "الخروج من مصر".

وترى صحيفة هآرتس أن توظيف هذه المفردات الدينية في الخطاب العام يمنح الصراع طابعًا يتجاوز كونه نزاعًا سياسيًا أو أمنيًا، ليبدو في صورة مواجهة ذات أبعاد وجودية أو كونية، بما يعزز التماسك الداخلي ويوسّع هامش تبرير استخدام القوة.

كما يُنظر إلى هذا الخطاب بوصفه وسيلة لاستمالة حلفاء خارجيين، لا سيما الأوساط الإنجيلية في الولايات المتحدة، إضافة إلى تحصين الجبهة الداخلية عبر وصم المعارضين بالضعف أو الخروج عن "الإجماع التاريخي".

وبين الدلالة الدينية القديمة والتوظيف السياسي المعاصر، يبقى تعبير "من هودو إلى كوش" مفتاحًا لفهم البعد الرمزي الذي يسعى نتنياهو إلى إضفائه على مشروعه الإقليمي، حيث تمتزج الجغرافيا بالتاريخ، والعقيدة بالتحالفات الجيوسياسية.

ما علاقة الهند؟

جاءت زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل في 25 فبراير/شباط 2026، بعد ساعات من تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول السعي لبناء ما وصفه بـ"محور خاص" يضم دولًا تعارض ما سماه "الإسلام المتطرف"، وهو ما عد مؤشرًا على تسارع مسار التقارب الإستراتيجي بين الجانبين.

وركّزت صحيفة يديعوت أحرونوت على أهمية الزيارة في محاولة الدفع نحو تشكيل إطار إقليمي جديد يقوم – بحسب قراءة إسرائيلية – على بناء ممر اقتصادي يربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط، في مواجهة ما وصفه بعض المحللين الإسرائيليين بتنامي النفوذ التركي في المنطقة.

وفي هذا السياق، أشار الدكتور أفنير غولوف، نائب رئيس منظمة مايند إسرائيل والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، إلى أن التعاون مع الهند يعكس دعمًا متبادلًا خلال النزاعات العسكرية، مستشهدًا بمواقف سياسية متبادلة خلال الصراعات التي خاضها الجانبان في السنوات الأخيرة.

كما ربط محللون إسرائيليون التقارب مع الهند بالتغيرات الإقليمية، بما في ذلك تعزيز العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان، مقدرين أن الهدف هو ترسيخ ما وصفوه بـ"محور معتدل" في مواجهة نفوذ إقليمي متصاعد.

ويرى محلل الشؤون الإسرائيلية في قناة القناة 12 العبرية أوشريت بيرودكار أن التحالف مع الهند أصبح عنصرًا مركزيًا في الإستراتيجية الإسرائيلية بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرًا إلى أن زيارة مودي الحالية تمثل إعلانًا ضمنيًا عن ولادة محور إستراتيجي جديد.

ويذهب مستشار الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، يونتان أديري، إلى حد جعل مودي "مفتاحًا لحسم مستقبل إسرائيل في المنطقة"، مستندًا إلى تصور جيوسياسي يرى أن الفضاء الإستراتيجي الإسرائيلي يمتد – وفق رؤية هندية – من نيودلهي شرقًا إلى إسرائيل والقرن الإفريقي غربًا، وهو ما أُطلق عليه وصف "الفضاء الأمني الممتد".

وتشير بعض التحليلات الإسرائيلية إلى نموذج تحالف أُطلق عليه توصيف "الهندسة الماسية"، حيث تشكل الهند الركيزة الشرقية، وأذربيجان الركيزة الشمالية، وإثيوبيا الركيزة الجنوبية، بينما يمثل اليونان وقبرص الركيزة الغربية.

وعسكريًا، شهدت العلاقات بين البلدين توقيع صفقات دفاعية تُقدَّر بنحو 10 مليارات دولار، شملت أنظمة صواريخ وطائرات مسيّرة وتقنيات ذكاء اصطناعي، بما يعزز التعاون في مجالات الأمن المتقدم، وفق ما نقلته صحيفة جيروزاليم بوست.

في المقابل، أثارت الزيارة انتقادات داخلية في الهند، خاصة من التيارات اليسارية والمعارضة السياسية. واتهمت بعض الأصوات حكومة مودي بالانحياز إلى إسرائيل في الحرب على غزة، إذ رأى سياسيون من حزب المؤتمر الوطني الهندي أن الخطاب الرسمي برر – بشكل غير مباشر – استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع.

كما انتقدت أوساط أكاديمية ومجتمعية هندية التقارب مع إسرائيل، وترى أن زيارة دولة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد الفلسطينيين قد أضرّت بصورة الهند الدولية، رغم الاحتجاجات الطلابية والسياسية داخل البلاد.

وأصدرت مجموعة الهنود المتضامنين مع فلسطين وفرع حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) في الهند بيانًا مشتركًا اتهم حكومة مودي بالتعاون الوثيق مع إسرائيل، ويرون أن ذلك يمنح غطاءً سياسيًا للصراع ويقوض صورة الديمقراطية الهندية في المحافل الدولية.