نهاية "قسد" في سوريا.. كيف خسر التنظيم الأرض والمال والحاضنة؟

شدوى الصلاح | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

حقق الجيش السوري سلسلة من الانتصارات العسكرية على قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، تمكّن خلالها من بسط سيطرته على مناطق واسعة على ضفاف نهر الفرات، لا سيما غرب الفرات في ريفي حلب والرقة، قبل أن يدخل إلى ريف دير الزور الشرقي عقب سيطرة العشائر العربية على المنطقة.

كما أحكم الجيش السوري قبضته على مدينة الطبقة الإستراتيجية ومطارها العسكري الواقعين على نهر الفرات في محافظة الرقة شمال شرقي البلاد، متمكنًا من إخراج قوات "قسد" منها.

وأعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، في 17 يناير/ كانون الثاني 2026، أن وحدات الجيش تواصل بسط السيطرة في منطقة غرب الفرات، الممتدة من دير حافر في ريف حلب الشرقي وصولًا إلى ريف معدان جنوب شرقي الرقة.

وأعقبت ذلك بالإعلان عن السيطرة الكاملة على مطار الطبقة العسكري، إلى جانب عدد من القرى والبلدات في ريف الرقة، قبل أن تؤكد لاحقًا إحكام السيطرة على مدينة الطبقة الإستراتيجية بعد طرد مليشيات PKK الإرهابية منها، وكذلك السيطرة على سد الفرات.

ريف الرقة

وأشارت هيئة العمليات إلى أن قوات الجيش فرضت سيطرتها على سد المنصورة (سد البعث سابقًا)، وبلدتي رطلة والحمام في ريف الرقة، لتصبح على مسافة أقل من 5 كيلومترات من المدخل الغربي لمدينة الرقة.

كما دخلت قوات الجيش بلدات السبخة والغانم العلي وهنيدة والصفصافة، وقرى أبو عاصي والجبلي وزور شمر ورجم الغزال، وأحكمت سيطرتها على مدينة المنصورة، وذلك بعد بسط السيطرة على منطقة الرصافة وقلعتها الأثرية في ريف الرقة الجنوبي، إلى جانب سبع قرى محيطة بها.

في المقابل، أدانت الحكومة السورية بأشد العبارات إقدام تنظيم "قسد" والمجموعات التابعة لتنظيم PKK الإرهابي على إعدام السجناء والأسرى في مدينة الطبقة، قبيل انسحابها منها.

وذكرت الحكومة في بيان أن إعدام الأسرى والسجناء، لا سيما المدنيين منهم، يُعد جريمة مكتملة الأركان بموجب اتفاقيات جنيف، ويتنافى بصورة صارخة مع القانون الدولي الإنساني.

وقالت الحكومة السورية: "وإذ يعكس هذا السلوك الإجرامي الطبيعة المليشياوية لتنظيم قسد وأساليبه في اتخاذ المدنيين والأسرى رهائن، فإن الحكومة السورية تحمّل هذا التنظيم المسؤولية الكاملة، وتتعهد لذوي الشهداء بالمحاسبة القانونية العادلة، كما تدعو المجتمع الدولي إلى إدانة هذه الجريمة".

وفي السياق ذاته، أعلنت هيئة العمليات أن 64 مقاتلًا ومقاتلة من تنظيم "قسد" استسلموا بعد محاصرتهم من قبل قوات الجيش في أحد أحياء مدينة المنصورة بريف الرقة.

وغداة ذلك، أقدم تنظيم "قسد" على تفجير الجسر القديم والجسر الجديد "الرشيد" على نهر الفرات في مدينة الرقة، وذلك بعد ساعات من تفجيره الجسر القديم في المدينة نفسها.

كما فجر التنظيم الأنابيب الرئيسة المغذية بالمياه لمدينة الرقة، والممتدة على طول الجسر القديم، ما أدى إلى انقطاع المياه عن المدينة بشكل كامل، وفق مديرية إعلام الرقة.

في المقابل، زعمت "الإدارة الذاتية"، الذراع الحُكمي لقوات سوريا الديمقراطية، أن الحكومة السورية تواصل خرق الاتفاق ومهاجمة قواتها على أكثر من جبهة، وتصر على الخيار العسكري، داعية إلى النفير العام.

وقالت في بيان: "ندعو شعبنا إلى أن يكون على أهبة الاستعداد، وأن يتخذ من مبدأ الدفاع الذاتي أساسًا، وأن يقف إلى جانب قواته العسكرية لحماية مدنه، والانخراط في ما نسمّيه معركة حماية الكرامة".

كما دعت جميع فئات الشعب، لا سيما الشباب والشابات، إلى التسلح والاستعداد لمواجهة أي هجوم محتمل في منطقة الجزيرة شرق الفرات، وفي كوباني/ عين العرب.

وبررت الإدارة الذاتية دعوتها بأنها تواجه "حربًا وجودية"، إلى جانب السعي للحفاظ على ما وصفته بمكتسبات ثورتها وهويتها، معتبرة أن خيارها الوحيد هو "المقاومة الشعبية".

بالتوازي، واكب ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي تقدم الجيش السوري وتطوراته الميدانية، معربين عن سعادتهم بتقدمه المدعوم بالقبائل والعشائر العربية في عدة مناطق، وسط انهيارات واسعة في صفوف "قسد"، وبسط الجيش سيطرته على المناطق المحررة، لا سيما حقول النفط والغاز، ما يعني قطع الشريان المالي للمليشيا.

وأشاد الناشطون عبر منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومن خلال وسوم عدة أبرزها: #سوريا #حلب #الطبقة #الرقة #دير_الزور، بسيطرة الجيش السوري على الحقول النفطية الرئيسة، وفي مقدمتها العمر وكونيكو والتنك، عقب انسحاب قوات "قسد" منها.

كما عبّروا عن غضبهم من ممارسات التنظيم، مستنكرين تصفية سجناء سجن الطبقة المركزي قبيل انسحاب "قسد" وسيطرة الجيش ومجموعات العشائر العربية، وتداولوا مقاطع مصورة توثق انتشار جثامين السجناء.

واستنكر ناشطون أيضًا إعلان "قسد" النفير العام، وحثها جميع الفئات، لا سيما الشباب والشابات، على التسلح والاستعداد للمواجهة، معتبرين هذه الدعوات تصعيدًا خطيرًا، وداعين الأكراد إلى توخي الحذر وعدم الانسياق وراءها، ووصفوها بأنها بمثابة نعي سياسي وعسكري للتنظيم.

مواكبة التطورات

تفاعل واسع شهدته منصات التواصل الاجتماعي مع التطورات الميدانية المتسارعة في دير الزور وريف الرقة، بالتزامن مع تقدم الجيش السوري وسيطرة العشائر العربية على مساحات واسعة كانت خاضعة لسيطرة تنظيم "قسد".

وتحت عنوان: "دير الزور صديقة بالكامل ومحرّرة من تنظيم قسد"، أشار الصحفي محمد جوار إلى أن العشائر العربية بسطت سيطرتها على معظم مناطق الريفين الشرقي والغربي لدير الزور، بعد طرد قوات "قسد" منها.

وأوضح أن المناطق التي سيطرت عليها العشائر حتى الساعة الثامنة صباحاً شملت: حوايج البومصعة، الهرموشية، الكبر، الكسرة، محيميدة، سويدان جزيرة، مراط، غرانيج، الطيانة، الجرذي، حطلة، الحسينية، دوار الحلبية، والباغوز.

كما أشار إلى سيطرتها على بلدات وقرى أخرى من بينها: البوبدران، البحرة، الشعفة، السوسة، هجين، أبو حمام، أبو حردوب، حقل التنك، حقل العمر، الشنان، درنج، ذيبان، الشحيل، الزر، البصيرة، الصبحة، الدحلة، جديد بكارة، خشام، مظلوم، حقل الجفرة، والصعوة، في ظل انسحابات متتالية لقوات "قسد".

وفي السياق ذاته، عبّر ناشطون وإعلاميون عن ارتياحهم لما وصفوه بـ"الانهيار السريع" لقوات "قسد" في بلدات وقرى دير الزور وريف الرقة، معتبرين أن ما جرى يعكس فقدان التنظيم لحواضنه المحلية وتراجع قدرته على الصمود ميدانياً.

ووصف الكاتب علاء الصالح التطورات الجارية بأنها "مبشرة"، مشيراً إلى أن تقدم الجيش والعشائر يعكس إرادة محلية لاستعادة السيطرة على الأرض ومنع تقسيم البلاد، في ظل ظروف دولية مواتية.

 

بدوره، قال الكاتب محمد أحمد الجميلي إن ما تشهده المناطق الشرقية يعيد إلى الأذهان محطات مفصلية عاشها السوريون، مقدرا أن هذه التطورات تمثل ثمرة صبر طويل ومعاناة قاسية، وداعياً إلى اليقظة وعدم التفريط بما تحقق.

سجن الطبقة

بالتوازي مع التقدم الميداني، أثارت قضية سجن الطبقة ردود فعل واسعة، عقب تداول صور ومقاطع توثق ما قيل إنها عمليات تصفية لسجناء قبل انسحاب "قسد" من المدينة.

وأكد الباحث السياسي محمود علوش أن ما جرى في سجن الطبقة يُعد جريمة جديدة تضاف إلى سجل الانتهاكات المنسوبة للتنظيم، مقدرا أن مثل هذه الأفعال غالباً ما تسبق لحظات الانهيار.

من جانبه، أوضح الخبير في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني أن إعدام المعتقلين خارج نطاق القضاء يُصنف ضمن أخطر الجرائم وفق القانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية إذا ثبت أنه جرى بشكل منهجي أو واسع النطاق.

وأشار إلى أن اتفاقيات جنيف تحظر بشكل قاطع قتل المعتقلين أو الأسرى، سواء كانوا مدنيين أو مقاتلين ألقوا السلاح، مؤكداً أن هذه الانتهاكات قابلة للإحالة إلى المحاكم الدولية المختصة.

كما وصف مستشارون قانونيون ما جرى بأنه "جرائم مكتملة الأركان"، تشمل الإعدام خارج القضاء، استهداف المدنيين، وتدمير البنى التحتية الحيوية، بما يخالف القوانين الدولية والمبادئ الإنسانية.

تنظيم إرهابي

وفي قراءة سياسية للمشهد، رأى كتّاب ومحللون أن تنظيم "قسد" يعيش حالة من الانفصال عن الواقع، معتمداً على دعم خارجي لم يعد مضموناً، فيما تتراجع قدرته على فرض الأمر الواقع ميدانياً.

ورأى بعضهم أن دعوات النفير العام التي أطلقتها "قسد" تعكس مأزقاً وجودياً أكثر مما تعكس قوة، محذرين من جرّ المدنيين، لا سيما الشباب، إلى مواجهات خاسرة.

كما دعا ناشطون أكراد إلى عدم الانخراط في أي اقتتال داخلي، مؤكدين أن الدم السوري واحد، وأن المرحلة الراهنة تتطلب الانحياز للدولة ووحدة البلاد.

قطع الشريان

في سياق متصل، رأى مراقبون أن استعادة الجيش السوري لحقول النفط والغاز في دير الزور تمثل ضربة قاصمة لتنظيم "قسد"، إذ كانت هذه الحقول تشكل المصدر الرئيس لتمويله منذ عام 2017.

وأوضح الصحفي عثمان المختار أن خسارة حقلي العمر وكونيكو تعني انهياراً في قدرة التنظيم على دفع الرواتب، شراء السلاح، وكسب الولاءات، فضلاً عن فقدانه ورقة ضغط سياسية مهمة في أي مسار تفاوضي.

وأشار محللون إلى أن استعادة هذه الموارد تعكس تحوّلاً في موازين القوى، وتفتح الباب أمام بسط الدولة السورية سيادتها على كامل مناطق شمال وشرق البلاد، مقدرين أن عودة الثروات الوطنية إلى سلطة الدولة شرط أساسي لاستعادة التوازن والاستقرار في سوريا.

الكلمات المفتاحية