الهند تعيد التموضع في دمشق.. مصالح باردة بعد سنوات من الرهان الخاسر

"تتشابه رهانات الهند في سوريا مع مصالحها في عموم الإقليم الأوسع"
على خلفية الذكرى السنوية الأولى لتشكيل حكومة أحمد الشرع في سوريا، أعلنت الهند عن عقد اجتماع وزاري عربي في فبراير/شباط 2026، بمشاركة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.
ويأتي هذا الانفتاح استكمالا لزيارة قام بها إلى سوريا، في يوليو/تموز 2025، سوريش كومار، وكيل وزارة مساعد لشؤون غرب آسيا وشمال إفريقيا في وزارة الشؤون الخارجية الهندية.
وقد قرأ مركز بحثي هندي هذه التطورات على أنها امتداد لسياسة هندية قائمة على المصالح، تضع الاستقرار الإقليمي في الصدارة، وتحرص على الاستمرارية في توجهاتها الإستراتيجية، وتعتمد مقاربة براغماتية في إدارة علاقاتها الجيوسياسية.
وقال مركز "أوبزيرفر ريسيرش فاونديشن": "قد يُفاجئ بعض المراقبين انخراط الهند مع أحمد الشرع، زعيم هيئة تحرير الشام الذي سبق أن صنّفته الولايات المتحدة إرهابيا، وهو تصنيف رُفع قبل زيارة الشرع للولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025".
وهذا يثير تساؤلا جوهريا، وفق التقرير: ما الذي يُفسر قرار الهند بالانخراط مع نظام الشرع الذي يتبنى نسخة من الإسلام السياسي تبدو غير متوافقة مع أيديولوجية الهند؟

حسابات جيوسياسية
حافظت الهند على علاقات ودية مع سوريا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين عام 1950. ومنذ ذلك الحين، قام وزراء ومسؤولون من الجانبين بنحو 30 زيارة ثنائية مختلفة.
وتنبع مصالح الهند من رغبتها في توسيع التبادل التجاري ودعم الاستقرار في سوريا، بالنظر إلى انعكاساته على المصالح الاقتصادية الهندية الأوسع في الشرق الأوسط.
إضافة إلى ذلك، دعمت الهند باستمرار حق سوريا في استعادة هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل خلال حرب عام 1973. وفي المقابل، دعمت سوريا موقف الهند القائل بأن قضية كشمير ينبغي معالجتها عبر محادثات ثنائية مع باكستان.
وظلّت الهند معنيّة باستقرار سوريا، لا سيما خلال العقدين الماضيين، لعدة أسباب. أولها أن نحو 10 ملايين مواطن هندي يعملون في دول الخليج وأجزاء أخرى من المنطقة.
ما يجعل أي اضطراب في سوريا أو في الشرق الأوسط الأوسع ذا تداعيات سلبية، قد تشمل عودة قسرية للعمالة، وتراجع التحويلات المالية، وتكبّد تكاليف مرتفعة على المدى القصير.
إلى جانب ذلك، فإن الموقع الجغرافي لسوريا، بالقرب من إيران وتركيا وإسرائيل ودول الخليج -وجميعهم شركاء تجاريون مهمون للهند- يُبرز أهميتها الإستراتيجية.
وأخيرا، يمكن لسوريا أن تؤدي دورا محوريا في مشروع "الممر الهندي–الشرق أوسطي"، الذي يُطرح بديلا لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية، ومن المتوقع أن يسهم في تعزيز التجارة والصادرات الهندية.
وقال المركز الهندي: "خلال موجة الانتفاضات العربية، وعندما واجه نظام الأسد ثورة داخلية، التزمت الهند موقفا محايدا، فلم تقطع علاقاتها مع النظام، ولم تنخرط في تفاعل نشط معه سوى عبر عدد محدود من الزيارات".
وقد انسجم هذا النهج مع السياسة العامة للهند القائمة على الحياد إزاء الصراعات والتنافسات المختلفة في الشرق الأوسط، كما أشار إلى ذلك عدد من الباحثين.
وكان الهدف من هذا الحياد تجنّب الارتهان إلى أي طرف. وفي الحالة السورية، تُرجم هذا الحذر في تجنّب الانخراط مع جماعات مثل "جبهة النصرة" و"هيئة تحرير الشام".

انخراط براغماتي
وانسجاما مع نهج الحياد الذي تتبعه الهند، يأتي انفتاحها على حكومة الشرع متسقا مع سياستها الأوسع القائمة على بناء علاقات مع الأنظمة الجديدة. ولا تزال مصالح الهند متمثلة في سوريا مستقرة ومسالمة إلى جانب مصالحها الاقتصادية في عموم منطقة غرب آسيا، دون تغيير.
وإلى جانب ذلك، لم تُبدِ الهند حرجا من الانخراط مع حكومات تستند إلى أي نوع من المرجعيات الدينية. وقد اتبعت نهجا مشابها في أفغانستان، حيث طوّرت علاقات مع حكومة طالبان لدوافع جيوسياسية.
كما أن تبنّي الشرع نفسه مقاربة أكثر براغماتية في العمل السياسي يمنح الهند هامشا إضافيا لتعميق العلاقات الثنائية.
واللافت أن الهند ليست الطرف الوحيد الذي انخرط دبلوماسيا مع نظام الشرع، بل إن قوى إقليمية ودولية أخرى سلكت المسار نفسه.
فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، كانت من أبرز الداعمين لسوريا، إذ استضاف الرئيس دونالد ترامب أحمد الشرع، ورُفع عنه تصنيف الإرهاب، كما رُفعت العقوبات المفروضة عليه.
كذلك أقامت إيران وروسيا -اللتان كانتا من أبرز داعمي نظام الأسد ووفرتا له دعما عسكريا في مواجهة فصائل معارضة عدة، من بينها هيئة تحرير الشام- علاقات دبلوماسية مع سوريا بعد فترة وجيزة من إطاحة الأسد، في مؤشر على أن الأهمية الجيوسياسية لسوريا تفوق بكثير تقديرات التحالفات السابقة.
وتعكس هذه المقاربات الدبلوماسية سعيا للانخراط في مسار إعادة الإعمار داخل سوريا، بصفته استثمارا إستراتيجيا للقوى الخارجية، وهو مجال تُبدي الهند بدورها اهتماما متزايدا باستكشاف فرصه.

مستقبل العلاقات
وفي المستقبل القريب، تظل العلاقات بين الهند وسوريا غير مستقرة، غير أن تبادل الزيارات الرسمية بين البلدين يوفر أساسا لتوقع مزيد من التعاون.
وقد يشمل ذلك تبادلات ثقافية وبرامج منح دراسية، أُعلن عن بعضها بالفعل. كما تُبدي الهند اهتماما بتوسيع استثماراتها في جهود إعادة الإعمار في سوريا.
ومن المرجح أيضا أن تسعى الهند إلى دفع سوريا لتبني موقف محايد من قضية كشمير في المحافل متعددة الأطراف، مثل منظمة التعاون الإسلامي. كذلك يمكن للهند الانخراط في جهود مكافحة الإرهاب بالتعاون مع سوريا، بما يسهم في تعزيز استقرار البلاد.
وفي المحصلة، يندرج انخراط الهند مع سوريا ضمن مقاربة واقعية براغماتية تتسق مع سياساتها السابقة القائمة على الحياد.
وتتشابه رهانات الهند في سوريا مع مصالحها في عموم الإقليم الأوسع، والمتمثلة في الحفاظ على العلاقات التجارية، وضمان الاستقرار لحماية مصالحها الاقتصادية ومواطنيها، وتحقيق توازن في علاقاتها الجيوسياسية مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المنطقة.













