انسحاب أم إعادة تموضع؟ هل تُسدل واشنطن الستار على وجودها العسكري في سوريا؟

“المرحلة المقبلة ستشهد جاهزية عالية للجيش السوري لاستلام مهام جديدة”
بعد أكثر من عقد على دخول القوات الأميركية إلى سوريا تحت شعار “محاربة الإرهاب”، تتكثف المؤشرات على أن واشنطن تقترب من طيّ صفحة وجودها العسكري هناك، في خطوة قد تعيد رسم موازين القوى في شمال وشرق البلاد، وتفتح الباب أمام مرحلة سياسية وأمنية مختلفة.
فالتحولات الميدانية التي شهدتها الساحة السورية خلال العامين الأخيرين، وعلى رأسها توسّع سيطرة الدولة السورية على مساحات واسعة، أضعفت المبررات التقليدية لبقاء القوات الأميركية، خاصة مع تراجع وتيرة العمليات ضد “تنظيم الدولة"، وانحسار رقعة نفوذه.
وفي موازاة ذلك، يشكّل مسار اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة تطورًا مفصليًا، إذ يبدد أحد أبرز تعقيدات المشهد في شمال شرق سوريا، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الترتيبات الأمنية التي قامت برعاية أميركية طوال سنوات.
أمام هذه المعطيات، تبدو الولايات المتحدة في طور إعادة تعريف دورها في سوريا: من فاعل عسكري مباشر إلى لاعب سياسي يسعى لحفظ نفوذه بأدوات أقل كلفة، في مشهد إقليمي يتغير سريعًا وتتنافس فيه قوى إقليمية ودولية على ملء أي فراغ محتمل.

سحب القوات
أفادت وسائل إعلام أميركية، في 19 فبراير/ شباط 2026، بأن الولايات المتحدة تخطط لسحب جميع قواتها من سوريا، والبالغ عددها نحو ألف جندي، خلال الشهرين المقبلين.
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن واشنطن تتجه إلى إنهاء وجودها العسكري بعد بسط الحكومة السورية سيطرتها على معظم أراضي البلاد، وتعهد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي كانت شريكًا رئيسا في قتال تنظيم الدولة، بالاندماج في مؤسسات الدولة.
كما نقلت شبكة سي بي إس عن مسؤولين أميركيين – لم تسمّهم – تأكيدهم بدء ترتيبات الانسحاب. وبحسب ما أوردته رويترز في 18 فبراير/ شباط 2026، فإن بعض القوات الأميركية تغادر بالفعل في إطار “انتقال مدروس ومشروط”.
وأوضح مسؤول أميركي كبير أن القوات ستبقى على أهبة الاستعداد للتصدي لأي تهديد محتمل من “تنظيم الدولة”، دعمًا للشركاء المحليين، لكنه أقرّ بأن “الوجود الأميركي المكثف لم يعد ضروريًا”، في ظل استعداد الحكومة السورية لتحمل المسؤولية الأساسية في مكافحة التهديدات داخل حدودها.
وجاءت هذه التطورات بعد انسحاب القوات الأميركية من عدد من القواعد، بينها قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري–الأردني–العراقي، وقاعدة الشدادي جنوب الحسكة، اللتان استخدمهما التحالف الدولي بقيادة واشنطن في عملياته ضد التنظيم. كما تزامنت الإعلانات مع اكتمال نقل أكثر من 5700 معتقل من عناصر تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق خلال عملية استمرت 23 يومًا.
وكان عدد القواعد والنقاط العسكرية الأميركية في سوريا قد بلغ نحو 31 قاعدة حتى منتصف 2024، قبل أن يبدأ تقليصها تدريجيًا خلال 2025. ومع التطورات الميدانية التي شهدها يناير/ كانون الثاني 2026، تقلّص الوجود العسكري الأميركي إلى ثلاث قواعد رئيسة فقط في محافظة الحسكة، بعد تسليم مواقع عدة للجيش السوري.
وتشمل القواعد المتبقية: قاعدة قسرك الواقعة بين تل تمر وتل بيدر جنوب الطريق الدولي M4، وقاعدة رميلان ضمن مطار أبو حجر الزراعي جنوب مدينة الرميلان، إضافة إلى قاعدة هيمو عند مدخل مدينة القامشلي.

خطوة مؤجلة
يعيد التحول في الوجود العسكري للولايات المتحدة في سوريا إلى الواجهة نقاشًا قديمًا طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ ولايته الأولى، بشأن جدوى الإبقاء على قوات أميركية في هذا البلد.
وترى دوائر في واشنطن أن تراجع نشاط “تنظيم الدولة”، إلى جانب تزايد الاعتماد على دمشق في ضبط الأمن وإدارة الملفات الحساسة، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة التموضع، تقوم على تقليص الحضور العسكري المباشر مقابل تعزيز الأدوار الاستخباراتية والدبلوماسية.
ويشير محللون إلى أن استعادة الحكومة السورية السيطرة على مواقع كانت تمثل عقدًا معقدة في المشهد الميداني - من السجون والمخيمات التي تضم عناصر من التنظيم، إلى حقول النفط والقواعد العسكرية - تعكس انتقالًا تدريجيًا نحو إعادة بسط النفوذ الرسمي، مع تحميل دمشق مسؤوليات أمنية أوسع.
وعليه، لم يكن قرار الانسحاب مفاجئًا بقدر ما كان مؤجلًا؛ إذ سبق لترامب أن دعا خلال ولايته الأولى إلى سحب جميع القوات الأميركية من سوريا، غير أن خطته لم تُنفّذ بالكامل آنذاك.
فقد واجه ترامب معارضة من وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون، ما أفضى في نهاية المطاف إلى استقالة وزير الدفاع حينها جيم ماتيس. ومنذ ذلك الحين، شهد عدد القوات الأميركية في سوريا تذبذبًا ملحوظًا، مع سحب نحو 600 جندي خلال عام 2025.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة ذا هيل عن مسؤولين في الإدارة الأميركية أن ترامب ملتزم بدعم “سوريا مستقرة وموحدة، تعيش في سلام مع نفسها ومع جيرانها”، ويرون أن استقرار سوريا عنصر أساسي في رؤية الرئيس لشرق أوسط ينعم بالسلام والازدهار، وأنها يجب ألا تتحول إلى قاعدة للإرهاب أو مصدر تهديد لجوارها.
في المقابل، أبدى مشرعون جمهوريون معنيون بملف السياسة الخارجية قلقهم من تقارير الانسحاب، محذرين من أن تقليص الوجود الأميركي قد يمنح “تنظيم الدولة” فرصة لإعادة تنظيم صفوفه، خاصة أن هدف الانتشار الأميركي منذ عام 2014 تمثل في محاربة التنظيم ومنع عودته، بعد إعلان القضاء عليه عسكريًا في مارس/ آذار 2019.
على صعيد الرأي العام، أظهر استطلاع أجرته منظمتا المحاربون القدامى المهتمون بأميركا ويوغوف في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 أن 61 بالمئة من الأميركيين يؤيدون إعادة جميع أفراد الخدمة العسكرية من سوريا، ما يعكس تنامي النزعة الداخلية لتقليص الانخراط العسكري الخارجي.

دور الدبلوماسية
في هذا السياق، رأى المحلل العسكري السوري العميد زياد حاج عبيد أن الولايات المتحدة “جادة في سحب قواتها من سوريا”، متوقعًا أن يكتمل الانسحاب بحلول صيف 2026.
وأضاف عبيد لـ“الاستقلال” أن الإدارة الأميركية باتت ترى أن الحكومة السورية تنفذ التزاماتها في مكافحة الإرهاب، ما يتيح تحويل دور القوات الأميركية من انخراط قتالي مباشر إلى قوة جاهزة للتدخل عند الطوارئ، مع التركيز على الدعم الاستخباراتي والتدريب.
وأوضح أن الوجود الأميركي خلال السنوات الماضية استند إلى شبكة قواعد ذات مهام استخباراتية وإلكترونية وتدريبية، مشيرًا إلى أن تراجع نشاط “تنظيم الدولة"، داخل الجغرافيا السورية قلّص الحاجة إلى هذا الانتشار الواسع، لا سيما بعد نقل آلاف المعتقلين من عناصر التنظيم إلى سجون أكثر تحصينًا في العراق لتخفيف العبء الأمني.
وأشار عبيد إلى أن المرحلة المقبلة ستتطلب جاهزية أكبر من الجيش السوري، خصوصًا في مناطق البادية، تحسبًا لأي محاولة لإعادة تنشيط خلايا التنظيم.
ورأى أن الانسحاب المحتمل يعكس تحولًا في الإستراتيجية الأميركية نحو إعادة التموضع، ومنح الدبلوماسية دورًا أوسع، مع تعزيز مسؤولية دمشق في ضبط الأمن، والإبقاء على خيار التدخل عند الضرورة دون وجود دائم على الأرض.
وختم بالقول إن الوجود العسكري الأميركي سيتركز في العراق وبعض دول الخليج ضمن إطار التحالف الدولي، بدل الانتشار المباشر داخل سوريا.
في المقابل، تشير بيانات معهد الشرق الأوسط في واشنطن إلى أن تنظيم الدولة نفذ ما لا يقل عن 44 هجومًا داخل سوريا منذ مطلع 2026، ما يعكس استمرار التهديد وإن بوتيرة أقل.
وكان هجوم قرب مدينة تدمر في ديسمبر/ كانون الأول 2025 قد أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم، وتبناه التنظيم لاحقًا.
بدوره، أكد قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر في بيان نُشر في 12 فبراير/ شباط 2026 أن القوات الأميركية “لا تزال على أهبة الاستعداد للرد على أي تهديدات قد تظهر”، مشددًا على أن مواصلة الضغط على التنظيم “أمر ضروري لحماية الأمن الأميركي وتعزيز الاستقرار الإقليمي”.














