اتفاق نفط كركوك مع بريطانيا.. بين ضرورات الاقتصاد وهواجس التوازن العراقي

"استثمارات الطاقة في كركوك ليست مجرد أرقام بل عملية معقدة تتداخل فيها اعتبارات السيادة والهوية"
تشهد الساحة الدولية والإقليمية في السنوات الأخيرة تصاعداً في التوترات الجيوسياسية، وتقلبات حادة في أسواق الطاقة، وأزمات أمنية ممتدة، وهو ما انعكس بوضوح على الدول الريعية المعتمدة على صادرات النفط والغاز.
ويأتي العراق في مقدمة هذه الدول، إذ يقوم اقتصاده على بنية شديدة الاعتماد على العائدات النفطية، وهو ما يجعله عرضة بشكلٍ مباشرة لتذبذبات الأسعار العالمية وعدم استقرار سعر الصرف.
وفي السياق، نشر مركز "أورسام" التركي للدراسات، مقالاً للكاتب التركي "سلجوق باجالان"، سلط فيه الضوء على الانعكاسات السياسية والمجتمعية لاتفاقية شركة بريتيش بتروليوم في كركوك.
ووقعت شركة نفط الشمال، التابعة لوزارة النفط العراقية، اتفاقية مع بي بي (BP) في 25 فبراير/ شباط 2025 لتفعيل عقد تطوير أربعة حقول نفطية في محافظة كركوك وتأهيل منشآت الغاز، بهدف رفع معدلات إنتاج النفط الخام والغاز واستثمارهما بشكل أفضل لتلبية احتياجات الطاقة.
وشمل العقد حقول كركوك بقبتيه، بابا وآفانا، جمبور، باي حسن وخباز، مع خطة أولية لإنتاج نحو 328 ألف برميل يوميًا وقابلية للزيادة مع تطوير إضافي.

موازنة متقلبة
فالمعطيات المالية تشير إلى أن نحو 90 بالمئة من إيرادات الدولة العراقية تأتي من صادرات النفط الخام، وهو ما يجعل الموازنة العامة رهينة لتقلبات الأسواق الدولية.
ففي عام 2025 بلغ حجم صادرات النفط قرابة 1.2 مليار برميل، فيما تجاوزت إيرادات شهر ديسمبر من العام ذاته 6.3 مليارات دولار.
غير أن الاتجاه التنازلي في أسعار النفط يثير مخاوف متزايدة من اتساع العجز في الموازنة على المدى المتوسط والطويل، خاصة في ظل ارتفاع الإنفاق العام والضغوط الاجتماعية التي نتجت عن تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية بفعل تقلبات سعر الدولار والسياسات المالية الجديدة.
في هذا السياق، يمكن فهم توجه الحكومة العراقية نحو تعزيز التعاون مع شركات الطاقة الدولية بوصفه خيارا إستراتيجياً يهدف إلى رفع الإنتاج، وتحديث البنية التحتية، وضمان تدفقات مالية أكثر استقراراً.
ومن أبرز مظاهر هذا التوجه توقيع مذكرة تفاهم بين الحكومة العراقية وشركة بريتيش بتروليوم، وذلك خلال زيارة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى المملكة المتحدة في يناير/ كانون الثاني 2025، وذلك لإعادة تأهيل وتطوير أربعة حقول نفطية في كركوك.
ولا يقتصر هذا الاتفاق على كونه مشروعاً تقنياً لزيادة الإنتاج، بل يحمل أبعاداً اقتصادية ودبلوماسية أوسع. فقد جاء ضمن حزمة تجارية بقيمة 12.3 مليار جنيه إسترليني بين العراق والمملكة المتحدة.
وهو ما يعكس أن التعاون في مجال الطاقة بات جزءاً من شبكة علاقات إستراتيجية تتجاوز حدود القطاع النفطي.
ويُتوقع أن يسهم رفع الطاقة الإنتاجية في تعزيز إيرادات الموازنة، وتخفيف الضغوط المالية، وتحسين القدرة على تمويل الخدمات العامة.

أبعاد الاتفاق
تمثل كركوك موقعاً محورياً في الجغرافيا السياسية للطاقة في العراق. فالمحافظة تمتلك احتياطيات مؤكدة تُقدَّر بنحو 9 مليارات برميل، وتسهم بنحو 18بالمئة من إجمالي الإنتاج الوطني.
ويتم تصدير ما يقارب 208 آلاف برميل يومياً عبر خط أنابيب جيهان، ما يجعل كركوك عقدة إستراتيجية في منظومة الطاقة العراقية. ومن ثم، فإن أي استثمار في حقولها ينعكس مباشرة على الاستقرار المالي للدولة وعلى ديناميكيات الاقتصاد المحلي.
غير أن البعد الاقتصادي لا ينفصل عن التعقيدات السياسية والاجتماعية التي تميز كركوك. فالمحافظة ذات تركيبة سكانية متعددة تضم التركمان والعرب والأكراد، وقد شهد تاريخها الحديث سياسات ديمغرافية متعاقبة تركت آثاراً عميقة في توازناتها الداخلية.
فمن سياسات التعريب في عهد حزب البعث وصدام حسين، إلى سياسات التكريد بعد 2003، وصولاً إلى التوترات المرتبطة بالتعداد السكاني الذي أُجري في نوفمبر 2024 بعد انقطاع دام 37 عاماً، بذلك يبقى البعد الديمغرافي عنصراً حساساً في المعادلة المحلية.
وقد أثار التعداد الأخير جدلاً واسعاً، لا سيما في الأحياء التركمانية، حيث تحدثت جهات سياسية عن مخالفات وإجراءات مشكوك فيها، وهو ما زاد من انعدام الثقة بين المكونات.
كما أُثيرت مخاوف من تسجيل أعداد كبيرة من الوافدين في السجلات السكانية. الأمر الذي عُدَّ محاولة لإضفاء طابع رسمي على تحولات ديمغرافية سابقة.
وفي ظل هذا المناخ، يصبح أي مشروع اقتصادي كبير، مثل اتفاقية شركة بريتيش بتروليوم، جزءاً من شبكة توازنات دقيقة قد تتأثر بأبسط الإشارات المتعلقة بتوزيع المنافع.
ولفت الكاتب النظر إلى أنّ هذه الحساسية تتضاعف عند النظر إلى ملف التوظيف.
فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن عمليات التوظيف في إطار المشروع ستُدار عبر شركات مقاولات خاصة، وليس عبر توظيف مباشر من قبل شركة بريتيش بتروليوم.

شفافية غائبة
وفي بيئة يغلب عليها التنافس السياسي والعرقي، قد يثير هذا النموذج مخاوف من غياب الشفافية أو من تغليب تقديرات المحسوبية على معايير الكفاءة والعدالة.
وبالنظر إلى تمتع القوى السياسية العربية والكردية بتمثيل قوي في بغداد وكركوك، يخشى بعض الفاعلين من احتمال تهميش فئات معينة، لا سيما الشباب التركماني، إذا لم تُعتمد آليات واضحة تضمن تمثيلاً متوازناً.
من هنا، تتجاوز المخاطر المحتملة حدود الجانب الاقتصادي البحت. فإذا لم تُصمم سياسات التوظيف وتوزيع العوائد وفق معايير شفافة وقابلة للمساءلة، فقد يتحول مشروع تنموي واعد إلى مصدر توتر جديد.
والشعور بعدم العدالة في توزيع الفرص قد يكون كافياً لإشعال توترات في محافظة عانت طويلاً من هشاشة التوازنات العرقية والسياسية. وعليه، فإن نجاح الاتفاق لا يقاس فقط بزيادة عدد البراميل المنتجة، بل بمدى قدرته على تحقيق تنمية شاملة ومتوازنة.
ويتطلب ذلك تحديد معايير توظيف واضحة، وضمان نسب عادلة للسكان المحليين، وإخضاع شركات المقاولات لرقابة صارمة، وإنشاء آليات تمثيل تشاركي تعكس البنية المتعددة للمحافظة.
كما يستدعي دوراً فاعلاً من مجلس المحافظة والنواب المحليين لمتابعة التنفيذ وضمان عدم انحراف المشروع عن أهدافه التنموية.
لهذا، تمثل اتفاقية شركة بريتيش بتروليوم في كركوك اختباراً مزدوجاً للعراق؛ فمن جهة تميّل اختباراً اقتصادياً يتعلق بقدرته على تعزيز الإنتاجية واستدامة الموازنة في ظل تقلبات الأسواق.
ومن جهةٍ أخرى تمثّل اختباراً سياسياً واجتماعياً يتعلق بقدرته على إدارة مشروع استراتيجي في محافظة متعددة المكونات، دون الإخلال بتوازناتها الحساسة.
فاستثمارات الطاقة في سياق كركوك ليست مجرد أرقام إنتاج وعائدات مالية، بل هي عملية معقدة تتداخل فيها تقديرات السيادة والهوية والعدالة والحوكمة.
ومن ثم، فإن تحقيق التنمية المستدامة لن يكون مرهوناً بزيادة الإنتاج وحدها، بل بترسيخ إدارة عادلة وشفافة تضمن أن تتحول الثروة النفطية إلى عامل استقرار وتكامل، لا إلى مصدر جديد للتنافس والانقسام.














