من الخصومة إلى الشراكة.. كيف تؤسس قمة القاهرة لمرحلة جديدة بين مصر وتركيا؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

وصف معهد عبري قمة رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الرابع من فبراير/ شباط 2026 بـ"العلامة الفارقة في مسيرة التقارب التي شهدتها القاهرة وأنقرة خلال السنوات الأخيرة".

وأشار معهد "دراسات الأمن القومي" إلى أنه "بعد سنوات من الخصومة الإقليمية، تبادل الجانبان لفتات ودية، فقد استقبل السيسي أردوغان في المطار، ووصفه بأنه (ضيف مصر الكريم)".

ولفت إلى أن "الرئيس أردوغان أهدى مضيفه المصري سيارة كهربائية حمراء اللون، صُنعت في تركيا، تُقدّر قيمتها بنحو 50 ألف دولار".

عامل ربط 

ويرى المعهد أن "عملية التطبيع المتسارعة بين البلدين تستند إلى مجموعة متنوعة من المصالح المشتركة، بما في ذلك، زيادة التجارة المتبادلة من 9 إلى 15 مليار دولار، وتصدير الغاز المسال من مصر إلى تركيا، والتعاون العسكري عبر المناورات البحرية المشتركة".

وصولا إلى "توقيع صفقات أسلحة لتصدير أنظمة الدفاع الجوي التركية، وإنشاء مصنع تركي لإنتاج ذخيرة المدفعية في مصر".

وهي خطوة تسهم -بحسب المقال- في "تقليل اعتماد البلدين على الأسلحة الغربية وتنضم إلى الاتفاقيات السابقة التي أبرموها حول الإنتاج المشترك للطائرات بدون طيار والمركبات غير المأهولة".

وإلى جانب البعد الاقتصادي والعسكري، برز بعد سياسي دفع علاقات البلدين نحو مزيد من التعاون.

وقال المعهد: "ثمة ركيزة أخرى، تكتسب دورا متزايد الأهمية في علاقات البلدين، وهي موقفهما المشترك الرافض لسياسة إسرائيل في غزة والمنطقة".

ففي بيان مشترك صدر عن أردوغان والسيسي قبيل انعقاد مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى الذي أسساه، "قدما جبهة موحدة ضد إسرائيل بشأن عدة قضايا". وفق تعبيره.

وأبرز هذه القضايا، هي "مطالبة إسرائيل بالانسحاب الكامل من غزة، وعودة السلطة الفلسطينية بعد إعادة هيكلتها إلى القطاع، واستئناف العملية السياسية التي تُفضي لإقامة دولة فلسطينية، والتأكيد على ضرورة فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، وإعادة إعمار القطاع بأسرع وقت ممكن".

فضلا عن "المطالبة باحترام ولاية وكالة الأونروا، وإدانة الانتهاكات المنسوبة إلى إسرائيل لسيادة سوريا ولبنان، ودعم سيادة الصومال ووحدتها وسلامة أراضيها في مواجهة أرض الصومال".

وعقّب المعهد: "بالنسبة لمصر وتركيا، أصبحت إسرائيل بمثابة (عامل رابط) يخلق شراكة حول أهداف ذات أولوية قصوى لهما مثل: تثبيت وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في غزة، ومنع اندلاع جديد للحرب في لبنان أو إيران".

إضافة إلى "ردع إسرائيل (بسبب خطط التوسع والهيمنة) في المنطقة، وخلق توازن عربي إسلامي في واشنطن أمام إدارة دونالد ترامب".

انقلاب الموازين

وذكر المعهد: "في الواقع، يشكل المحور المصري التركي جزءا من جهد عربي إسلامي أوسع لعزل إسرائيل، تشارك فيه أحيانا السعودية وقطر والأردن والإمارات وباكستان وإندونيسيا".

ولفت إلى أن المشهد الإقليمي تغير كليا، "فإذا كانت مصر وإسرائيل في السابق ضمن معسكر إقليمي براغماتي متحفظ تجاه تركيا ويضم دولا عربية ومتوسطية معتدلة، فإن المعادلة انقلبت حاليا". وفق تعبيره.

وأضاف: "رغم استمرار التزام مصر باتفاق السلام مع إسرائيل، فإن الخلافات هي التي تطغى على علاقاتهما".

في هذا السياق، حذر المعهد من أن "استمرار التوتر بين إسرائيل ومصر بشأن مستقبل غزة والقضية الفلسطينية وقضايا إقليمية أخرى، قد يدفع القاهرة أكثر نحو أنقرة ويؤدي إلى تعميق الشراكة بينهما".

وبحسب تقديره، "فإن النتيجة ستكون مزيدا من برودة السلام القائم، وتصعيد الخطاب العدائي، وتوسيع الفجوة السياسية وتعزيز الشكوك الأمنية".

ولمواجهة هذا الواقع الجديد، دعا المقال إلى "تحسين الحوار المصري الإسرائيلي، وزيادة الاستماع المتبادل، وبذل محاولات صادقة لإعادة بناء الثقة وتجاوز الخلافات؛ لأن ذلك من شأنه أن يقلل من الطابع المعادي لإسرائيل في الشراكة المصرية التركية"، وفقا له.

من منظور تحليلي أشمل، أشارت الباحثة البارزة في المعهد، غاليا ليندنشتراوس، إلى أن "تركيا عملت خلال السنوات الأخيرة على تحسين علاقاتها مع دول مختلفة في المنطقة، في مسار بدأ نحو عام 2021، لكنها توضح أن (مع مصر كان الأمر الأصعب)". 

وشرحت أن الرئيس أردوغان "كان مستاء مما عده نفاقا غربيا لعدم الاعتراف بأن ما جرى في مصر كان انقلابا عسكريا، كما كان لديه بُعد شخصي مرتبط بتجربة محاولة الانقلاب ضده عام 2016، ما جعل العلاقات متوترة ومليئة بالشكوك".

ومع ذلك، أشارت إلى أن "بعض الأمور تغيرت وجعلت الوضع أكثر استقرارا اليوم".

ووفقا لها، فإن "أحد الجوانب هو أن تركيا أصبحت مصدّرا مهما للسلاح، خصوصا الطائرات المسيّرة، لدرجة أن السعودية لا تكتفي حاليا بشرائها، بل باتت تشارك أيضا في إنتاجها".

وقدرت الباحثة أن "هذا ينسجم مع أجندة دول المنطقة التي لا ترغب في الاعتماد على الولايات المتحدة، وتخشى في الوقت نفسه من التوجه نحو الصين أو روسيا بسبب ردود الفعل الأميركية، لذلك فإن الاعتماد على القدرات الإقليمية يُعد حلا مناسبا لتلبية احتياجاتها ولمواجهة التحديات الدولية".

يضاف إلى ذلك أن "الثقة في الولايات المتحدة لم تعد كاملة، ما يجعل الاعتماد على دول المنطقة ميزة إضافية".

تقارب مصالح 

فيما يتعلق بتطور العلاقة بين أنقرة والقاهرة، تعتقد ليندنشتراوس أن "ملف غزة يمثل عاملا أساسيا للتقارب بين البلدين".

وتابعت: "فبالنسبة لمصر، غزة خطر على أمنها القومي، وكان هناك خوف من تدفق آلاف الفلسطينيين إليها من القطاع، لذلك لدى القاهرة رغبة أكبر من السابق في الوصول إلى حل مستقر".

وبحسبها، فإن "المناورة العسكرية المشتركة بين مصر وتركيا في سبتمبر/ أيلول 2025 -وهي الأولى منذ 13 عاما- تعكس هذا التوجه الجديد ولا يمكن فهمها دون ربطها بغزة".

كما تلمح إلى نقاط أخرى مرتبطة بزيارات أردوغان الأخيرة إلى السعودية ومصر، منها أن "الحرب ضد إيران تُرى من قبل هذه الدول كدليل على قوة إسرائيلية خطرة، ما يخلق رغبة في كبح جماح إسرائيل".

"وهناك أيضا مسألة اعتراف إسرائيل بإقليم صوماليلاند (الانفصالي)، وهو أمر يثير استياء تركيا بالدرجة الأولى، وكذلك السعودية ومصر"، وفقا للمعهد.

وأردفت ليندنشتراوس: "هناك تقارب مصالح بين السعودية وتركيا ومصر لم يحدث منذ وقت طويل، وهو تقارب في مواجهة سياسات الإمارات وإسرائيل في المنطقة، إضافة إلى أن الصناعة الدفاعية التركية تقدم حلولا محتملة لتحديات هذه الدول".

ومع ذلك، شددت على أن "هذه العلاقات رغم تقاربها لا تصل إلى مستوى تحالف عسكري كامل، فتركيا لم تبلغ بعد حد إقامة تحالف رسمي مع السعودية".

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن "الخطر يكمن في أن هذا التقارب قد يعزز عزلتها السياسية"، تقول ليندنشتراوس.

وتابعت: "فالسعودية تبتعد عن مسار التطبيع، وإذا لم تقدم إسرائيل ما يسهم في تحسين الوضع الأمني للسعودية، فإن الرياض ستبحث عن ذلك في مكان آخر، ما يضعف أيضا علاقات إسرائيل مع شركائها التقليديين مثل مصر".

واختتمت ليندنشتراوس قائلة: "التطورات في غزة تعد تهديدا للأمن القومي المصري، ولذلك فإن القاهرة مستعدة للذهاب بعيدا في التعاون مع تركيا لضمان استقرار الوضع في القطاع ومنع امتداده إليها".