فيتو الدخول ومعركة الشعار.. لماذا تعرقل إسرائيل عمل لجنة إدارة غزة؟

حسن عبود | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في منتصف يناير/ كانون الثاني 2026، برزت اللجنة الوطنية لإدارة غزة بوصفها عنوانا لمرحلة جديدة، يُفترض أن تنقل القطاع المحاصر من حالة التهدئة الهشة إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب.

وفي ذلك الوقت، أعلنت واشنطن إطلاق المرحلة الثانية من خطة اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تضمنت تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية من 12 عضوًا برئاسة علي شعث، تتولى مهام الإغاثة العاجلة وتهيئة المسار لإعادة الإعمار.

اعتراض مبكر

في البنية الأوسع للخطة ذاتها، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يُسمّى «مجلس السلام» برئاسته، بوصفه المظلّة السياسية والتمويلية التي تُشرف على اللجنة الوطنية لإدارة غزة.

ويشرف هذا المجلس كذلك على مسارات نزع سلاح المقاومة وإعادة إعمار القطاع، مع إشراك أسماء دولية واشتراط مساهمات مالية ضخمة مقابل الحصول على عضوية دائمة.

هذه البنية تجعل اللجنة، نظريا، بمثابة «حكومة خدمات»، غير أن حركتها الفعلية وقدرتها على الوصول إلى قطاع غزة تبقى عمليًا رهينة مفاتيح خارجية، في مقدمتها إسرائيل.

وبدأ الاعتراض الإسرائيلي على هذا الجزء من خطة ترامب، لا بسبب مبدأ إدارة غزة عبر جسم جديد بحد ذاته، بل من بوابة «الشرعية السياسية» للهياكل التي ستشرف على المرحلة الثانية.

وتُعد هذه اللجنة واحدة من أربعة هياكل خُصصت لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، إلى جانب «مجلس السلام»، و«مجلس غزة التنفيذي»، و«قوة الاستقرار الدولية». بحسب ما ورد في خطة ترامب.

وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: إن إعلان واشنطن عن تركيبة المجلس التنفيذي تمّ دون تنسيق مع إسرائيل، ويتعارض مع سياستها.

وأضاف أن نتنياهو وجّه وزير الخارجية جدعون ساعر للتواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو لبحث هذه المسألة. مؤكدا أن إسرائيل ترفض «أي دور تركي»، في إشارة إلى ضم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى المجلس التنفيذي المذكور.

في المقابل، أوضح مسؤول أميركي أن إسرائيل كانت على علم بتشكيل اللجنة التنفيذية لغزة. وفق ما نقله موقع «يسرائيل هيوم».

وتشي هذه الخطوة الإسرائيلية بتوجه عملي نحو فرض فيتو مبكر على الجهات التي ستتولى الإشراف والإدارة من الخارج، قبل الخوض في مسألة من سيتولى التنفيذ داخل غزة.

غير أن الاعتراض لم يقتصر على البعد الخارجي، بل رافقه ضغط داخلي يدفع نحو مزيد من التشدد؛ إذ طالب وزراء من حكومة اليمين المتطرف داخل الائتلاف بالاستعداد للعودة إلى الحرب.

ودعم هؤلاء علنا موقف نتنياهو بشأن مجلس غزة التنفيذي؛ حيث قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش: إن «الدول التي أبقت حماس حيّة لا يمكن أن تحلّ محلها»، في إشارة إلى تركيا وقطر، اللتين ترفض تل أبيب أي دور لهما في القطاع.

ولم يتوقف الجدل عند هوية من يدير غزة من الداخل والخارج؛ إذ تفجرت في 3 فبراير/ شباط 2026 قضية شعار لجنة إدارة غزة لتتحول إلى نافذة كاشفة عن البعد السياسي للجنة.

وغيّرت اللجنة شعارها للمرة الثالثة خلال أسابيع من إعلانها، وفي المرة الأخيرة ظهر شعار السلطة الفلسطينية، متضمنا النسر الذهبي المعروف. وعلى إثر ذلك، أصدر مكتب نتنياهو بيانا قال فيه إن «شعار لجنة إدارة غزة الذي عُرض علينا سابقا يختلف تماما عن الشعار الذي نُشر الليلة».

وأضاف البيان أن «الشعار الجديد يحاكي رموز السلطة الفلسطينية». مؤكدا أن الأخيرة لن تكون شريكة في إدارة القطاع. في المقابل، قالت اللجنة: إن التصاميم الخاصة بشعارها «قد تتطور»، وإن القرار النهائي يعود إليها.

وعلّق وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق بيني غانتس على احتجاجات حكومة نتنياهو بشأن الشعار قائلا: «هذه ضجة تافهة؛ في نهاية المطاف، الأكثر أهمية هو ألّا تسيطر (حركة المقاومة الإسلامية) حماس على القطاع».

غياب التمكين

ولا تزال إسرائيل لا تتعامل مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة ولا تعترف بوجودها؛ إذ تعمل حتى الآن من خارج القطاع، من دون مقر ثابت أو أفق قريب لإنشائه داخل غزة. وفق ما أوردته وكالة رويترز.

ونقلت الوكالة عن مصدر فلسطيني أن غياب مقر صالح لعمل اللجنة يرتبط بحجم الدمار الواسع في القطاع، مشيرًا إلى أن "إسرائيل تتحمل جزءًا من المسؤولية"؛ لكونها لم تسمح بإدخال كرافانات يمكن استخدامها كمقار مؤقتة أو كبنية أساسية للعمل. وأضاف المصدر أن دور اللجنة يقتصر حاليا على مهام "تقنية ولوجستية"، من دون صلاحيات تنفيذية واسعة.

وترفض إسرائيل، حتى الآن، السماح لأعضاء اللجنة بالدخول إلى قطاع غزة عبر معبر رفح من الجانب المصري، ما يجعل عملها، الغائب فعليًا على الأرض، يُدار من العاصمة المصرية القاهرة.

وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة هآرتس العبرية عن مصادر مطلعة أن إسرائيل ما زالت تعرقل عمل اللجنة بشكل فعلي من خلال منع دخول أعضائها من مصر إلى غزة، رغم فتح معبر رفح، واستكمال الإعلان عن تركيبة اللجنة منذ أسابيع.

وأوضحت الصحيفة أن هذا التعطيل لا يقتصر على ذريعة "عدم الجاهزية"، بل يتجاوزها إلى سياسة "عدم السماح"، أي إبقاء اللجنة في حالة انتظار دائم، وهي حالة تُنتج فراغًا إداريًا يسمح باستمرار الشلل في المؤسسات المدنية، أو استمرار إدارتها من قبل الأمر الواقع القائم (حركة حماس) من دون انتقال منظم للسلطة.

ومنذ إعادة فتح معبر رفح، تقيّد إسرائيل أعداد الداخلين إلى قطاع غزة، بحيث يفوق عدد الخارجين عدد العائدين، فيما لا يتجاوز عدد العابرين من الجانبين يوميًا أرقامًا محدودة للغاية.

كما أنشأت قوات الاحتلال نقطة تفتيش داخل قطاع غزة قرب الحدود، لفرض فحص أمني إسرائيلي على كل حركة دخول وخروج، ما يعني أن دخول أعضاء اللجنة أنفسهم، وتنقلهم بين القطاع والخارج، سيظل خاضعًا لشرط سياسي وأمني إسرائيلي، لا لبرنامج عمل إداري مستقل.

وعندما فُتح المعبر بصورة محدودة مطلع فبراير/ شباط 2026، ظهرت تفاصيل حوّلت هذا الافتتاح إلى ما يشبه "المحبس"؛ إذ يتطلب الوصول إلى بوابة رفح المرور عبر عدة نقاط أمنية، في وقت تعمل فيه مجموعات محلية متعاونة مع الاحتلال على استجواب العائدين والتحقيق معهم قبل السماح بدخولهم القطاع.

وأكدت حركة حماس، في أكثر من مناسبة، أن البروتوكولات اللازمة جاهزة، والملفات مكتملة، واللجان المشكلة للإشراف على تسليم إدارة القطاع للجنة الوطنية باتت مستعدة، غير أن التعطيل الإسرائيلي ما يزال يحول دون تنفيذ ذلك عمليًا.

إلى جانب ذلك، يرى مراقبون أن نقطة الانفجار الأكثر تعقيدًا لا تتعلق فقط بمن سيسمح له بالدخول إلى غزة، بل بمن سيباشر العمل بعد الدخول. وذكرت رويترز أن حركة حماس تدفع باتجاه إدماج نحو 10 آلاف عنصر من شرطتها ضمن الترتيب الإداري الجديد.

وأضافت أن حكومة غزة وجّهت رسالة إلى موظفيها المدنيين والأمنيين الذين يزيد عددهم على 40 ألف موظف، دعتهم فيها إلى التعاون مع اللجنة الوطنية، مع التعهد بالسعي لضمهم إليها ضمن أي صيغة إدارية مقبلة.

ونقلت الوكالة عن المتحدث باسم حماس، حازم قاسم، قوله: إن الحركة مستعدة لتسليم إدارة القطاع فورًا، لكنها تشدد على ضرورة عدم "إهدار حقوق" العاملين السابقين، وهو ما من شأنه أن يصطدم برفض إسرائيلي واضح.

وحتى في حال تمكنت اللجنة من تجاوز عقدتي الدخول والإدارة، تبقى مسألة التمويل عائقًا رئيسا. فقد أفادت رويترز في 4 فبراير/ شباط 2026 بأن المانحين الدوليين مترددون في تمويل خطة إعادة الإعمار الأميركية، بسبب الغموض الذي يكتنف مسار نزع سلاح حماس، والمخاوف من اندلاع جولة حرب واسعة جديدة.

كما أشارت الوكالة إلى أن بعض الدول تفضل إدارة أموال إعادة الإعمار عبر الأمم المتحدة بدلا من "مجلس السلام"، لافتة إلى عدم وجود موعد محدد حتى الآن لعقد مؤتمر تمويل إعادة الإعمار، الذي جرى الحديث عنه ضمن إطار هذا المجلس.

ماذا تريد؟

يرى مراقبون أن اعتراض إسرائيل لا يرتبط بمسألة شكلية، مثل الشعار أو تركيبة اللجنة، بقدر ما يعكس سعيا أعمق لإبقاء قطاع غزة تحت سيطرة أمنية محكمة، وتفادي أي مسار قد يؤدي إلى عودة السلطة الفلسطينية أو الحد من النفوذ الإسرائيلي المباشر.

وفي قراءتها للخطوات الإسرائيلية، تشير صحيفة هآرتس إلى أن تل أبيب تخوض معركة تتعلق بـ«هوية الجهة التي ستوقّع» وتمنح الغطاء المؤسسي لمرحلة «اليوم التالي» في غزة، وهو ما يفسّر، بحسب الصحيفة، الحساسية المفرطة إزاء شعار اللجنة وطبيعته الرمزية.

وتطرح الصحيفة تساؤلات جوهرية في هذا السياق: هل نحن أمام لجنة تكنوقراط مستقلة فعلا؟ أم أمام عودة مقنّعة للسلطة الفلسطينية؟ وإلى أي حد يستطيع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تسويق أي دور للسلطة أمام جمهوره وأحزاب الائتلاف اليميني المتشدد؟

وتؤكد هآرتس وجود خلافات عميقة داخل إسرائيل بشأن دور اللجنة ومستقبل إدارتها، وترى أن حكومة نتنياهو لا تبدو جادة في التخلي عن أي نفوذ داخل قطاع غزة في هذه المرحلة.

وتُظهر هذه القراءة أن إسرائيل لا تنظر إلى اللجنة بوصفها جسمًا خدميًا بحتًا، بل تتعامل معها بوصفها خطرًا رمزيًا يمس ما تصفه بـ«الخطوط الحمراء» المتعلقة بسؤال من يحكم غزة، حتى لو اقتصر ذلك الحكم على إدارة مدنية لتقديم الخدمات الأساسية.

في المقابل، أكدت السلطة الفلسطينية أنها غير ممثلة في اللجنة، وأن أعضاءها شخصيات تكنوقراطية مستقلة. غير أن علاقات بعض هؤلاء السابقة بالسلطة جعلت تل أبيب تنظر إلى اللجنة باعتبارها امتدادًا غير مباشر لها، وفق ما أوردته صحيفة تايمز أوف إسرائيل.

وأضافت الصحيفة أن الحكومة الإسرائيلية تعارض أي دور للسلطة الفلسطينية في غزة، رغم إقرار نتنياهو بأن ممثلين عنها سيشاركون في تشغيل معبر رفح.

وبهذا المعنى، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى الاحتفاظ بالسيطرة على المعابر والملف الأمني، وتجنّب أي صيغة قد تمنح الفلسطينيين إدارة مستقلة للقطاع، أو تتيح لحركة حماس إعادة تنظيم نفسها تحت غطاء تكنوقراطي، وفق التصور الإسرائيلي.

ويقدّم الإعلام الإسرائيلي اللجنة بوصفها «واجهة بلا سلطة»؛ فقد نشرت هيئة البث الإسرائيلية «كان» تحليلا يفيد بأن اللجنة تظهر كمظلّة مدنية مهنية، لكنها قد تعني في جوهرها «عودة صامتة» للسلطة الفلسطينية عبر مسار التفافي.

كما أشارت الهيئة إلى أن حماس قد ترى في اللجنة غطاءً لتحمّل مسؤولية الإعمار والتمويل، مع بقاء السيطرة الأمنية الفعلية بيدها، وطرحت تساؤلات حول سيناريو شبيه بنموذج «حزب الله» في لبنان: إدارة مدنية بواجهة رسمية، وقوة مسلحة تمتلك القرار الحقيقي في العمق. وفق زعمها.

في هذا الإطار، تبدو إسرائيل- استنادًا إلى سلوكها الموثّق بالاعتراضات المتكررة، والتدقيقات، والاشتراطات الأمنية والسياسية- غير متحمسة لمنح اللجنة مساحة تمكّنها من إنتاج استقرار فعلي، أو حتى من أداء دور خدمي كامل داخل القطاع.

وفي الوقت ذاته، يحذّر مراقبون من أن بقاء اللجنة في القاهرة، من دون صلاحيات حقيقية أو حضور ميداني داخل غزة، قد يحولها إلى كيان صوري لا يغيّر من الواقع شيئًا، بل يمنح إسرائيل ذريعة إضافية للتشكيك في جدوى أي حلول سياسية مطروحة.