في الذكرى الـ 15 للثورة.. ما فرص وتهديدات نجاح دعوات إنهاء الانقسام بليبيا؟

عالي عبداتي | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

مع اقتراب الذكرى الخامسة عشرة لثورة الليبيين على نظام معمر القذافي، تشهد البلاد حالة انسداد طويل الأمد، وسط آمال ودعوات لإنهاء الانقسام السياسي والمؤسساتي القائم بين الغرب والشرق.

حيث تأتي ذكرى ثورة 17 فبراير/شباط 2011 في وقت تقف فيه البلاد على حافة منعطف سياسي حاسم، في ظل تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متفاقمة، الأمر الذي دفع إلى التقدم بمبادرات سياسية لمعالجة الوضع.

مساع جادة

وفي هذا الصدد، كشف عضو المجلس الأعلى للدولة أحمد لنقي عن وجود محاولات وصفها بالجدية لفتح قنوات تواصل بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، في مسعى يهدف إلى تجاوز حالة الشلل السياسي التي انعكست سلبا على مؤسسات الدولة واستقرارها.

وبحسب ما نقل موقع "ليبيا24" المحلي في 3 فبراير، أكد لنقي أن المجلس الأعلى للدولة لا يمانع في تقديم كل أشكال الدعم التي من شأنها تقريب وجهات النظر بين المجلسين.

ورأى أن "أي تقارب حقيقي يصب في مصلحة الوطن، ويمثل خطوة ضرورية نحو إنهاء الانقسام، لا سيما في الملفات المرتبطة بالمناصب السيادية التي ظلت رهينة التجاذبات السياسية لسنوات".

وأوضح لنقي أن حالة الجمود الحالية لا تنفصل عن غياب التفاهمات بين مراكز النفوذ، مشيرا إلى أن مستقبل العملية السياسية بات معلقا على مآلات الحوار بين القوى الفاعلة على الأرض، في ظل استمرار الانقسام التنفيذي وتعدد مراكز القرار.

وأضاف أن المواطن الليبي يدفع ثمن هذا التعطيل المستمر، سواء على مستوى الخدمات أو الاستقرار المعيشي، ورأى أن تجاوز هذا الواقع يتطلب إرادة سياسية حقيقية تتقدم فيها المصلحة الوطنية على حساب الحسابات الضيقة.

وفيما يتعلق بدور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، شدد لنقي أن البعثة تبذل جهودا متواصلة منذ سنوات لدفع الأطراف الليبية نحو تسوية سياسية شاملة، رغم ما يواجه مساعيها من تحديات وصعوبات على الأرض.

وأشار إلى أن المبادرات الأممية تظل جزءا من المسار السياسي، معربا عن أمله في أن تسهم في تهيئة الظروف المناسبة للوصول إلى حل توافقي، يضع حدا لحالة عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي التي تعيشها البلاد.

وحول الجدل المثار بشأن مستقبل الاتفاق السياسي، أكد لنقي أن مسار الاتفاق لن ينتهي إلا بالوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، تُجرى في إطار دستوري وطني يحظى بتوافق الليبيين، ويضمن نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها.

ورأى أن أي محاولات للالتفاف على هذا المسار لن تفضي إلا إلى مزيد من التعقيد، داعيا إلى التمسك بخيار الاحتكام إلى إرادة الشعب كحل نهائي للأزمة السياسية.

وتعيش ليبيا حالة انقسام سياسي ومؤسساتي منذ عشر سنوات، في ظل وجود حكومة معترف بشرعيتها دوليا في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى بالشرق بقيادة أسامة حماد.

كما يوجد مجلس الدولة بالعاصمة الليبية برئاسة محمد تكالة مقابل مجلس النواب بالشرق برئاسة عقيلة صالح، والذي يتبع للجنرال الانقلابي خليفة حفتر.

وفي ظل هذا الانقسام، تقود الأمم المتحدة عبر بعثتها في ليبيا برئاسة حنا تيتيه، محاولة التوسط والحوار للوصول إلى قاعدة متفق عليها بين الأطراف، غير أنها تتعرض لانتقاد متعدد بشأن دورها ومستوى فعالية ما تقوم به لحل الأزمة.

حوار شامل

عدد من رموز العمل السياسي تفاعلوا مع هذا النقاش، في هذا الصدد، أكد عضو ملتقى الحوار السياسي، معاذ المنفوخ، أنه يتم السعي حاليا لحوار محلي شامل يجمع كل الليبيين على كلمة سواء.

وقال المنفوخ في مقابلة عبر "تلفزيون المسار" في 3 فبراير، إن "المطلوب هو السعي لمعالجة الخلافات السياسية والاجتماعية من دون أي تدخل خارجي".

وشدد أنه يجب السعي لحوار محلي شامل يجمع كل الليبيين على كلمة سواء، في إطار لملمة الشمل ومعالجة كل المشاكل الاجتماعية والسياسية.

ورأى أن هذا المسار يأتي ضمن مسار طويل، وبدون أي وصاية خارجية، وبرؤية وطنية حقيقية مستقلة، تلمس كل الجراح والمشاكل وتحسين الوضع المعيشي، وجمع الليبيين على كلمة تبني لا تهدم.

في المقابل، رأى المنسق العام لمؤتمر تفعيل دستور الملكية، أشرف بودوارة، أن أزمة ليبيا ليست في نقص المبادرات أو النوايا، بل في غياب القاعدة الدستورية التي تبنى عليها الدولة.

وبحسب موقع "ليبيا الخبر" في 3 فبراير، قال بودوارة: "لقد جرّبنا الحكومات المتعددة، فتعزز الانقسام، وجرّبنا القواعد المؤقتة، فامتدّت المرحلة الانتقالية، وتجاهلنا الدستور، فعدنا في كل مرة إلى نقطة الصفر".

وأردف: "اليوم يُطرح الحديث عن الاستفتاء، وعن حكومات جديدة، وعن إعادة توزيع الصلاحيات، وكأن هذه الأدوات يمكن أن تنجح في ظل فراغ دستوري، وقضاء منقسم، ومؤسسات مزدوجة، وسلاح خارج إطار الدولة".

وأشار إلى أنه “لا خلاف على أن الشعب هو مصدر السلطات، لكن السؤال الجوهري الذي لا يجوز تجاهله هو؛ كيف نحتكم إلى الشعب دون إطار دستوري واضح؟ وبأي ضمانات قانونية تُلزم الجميع بقبول النتائج وتنفيذها؟”

وأكمل: "الاستفتاء بلا قاعدة دستورية مستقرة قد يتحول من أداة حسم إلى سبب جديد للانقسام، والحكومة بلا شرعية دستورية واضحة تصبح طرفًا في الصراع بدل أن تكون أداة حل".

ورأى بودوارة أن "الخروج من المأزق الليبي يبدأ بإعادة التقدير للدستور كمرجعية جامعة، تُنهي النزاع على الشرعية، وتوحد المؤسسات، وتضع قواعد اللعبة السياسية قبل الدخول في تفاصيلها. بعد ذلك فقط يمكن فتح الباب أمام الشعب ليقول كلمته، في بيئة آمنة وقابلة للتنفيذ".

Capture d’écran 2026-02-03 150406.png

أولويات المواطنين

توقف موقع "عين ليبيا" في تحليل نشره في 2 فبراير، عند أولوية المصالحة الوطنية في نظر المواطنين الليبيين لمعالجة الأزمة بالبلاد، وذلك بناء على الاستطلاع الذي أجرته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL).

وأوضح المصدر ذاته أن المشاركين أكدوا على ضرورة الوصول إلى اتفاق سياسي قبل إجراء الانتخابات الوطنية، حيث أظهر الاستطلاع أن 86 بالمئة من المشاركين مستعدون للتصويت.

وأبرز أن أكثر من 60 بالمئة رأوا أن الانتخابات دون اتفاق سياسي مسبق ستفتقر إلى المصداقية، وقد تؤدي إلى تجدد الصراع، داعين إلى اتفاق ملزم مدعوم بآليات إنفاذ وضمانات دولية.

وذكر 72 بالمئة من المشاركين أن الانقسام السياسي يؤثر بشدة على حياتهم اليومية، مع تصنيف المخاوف الاقتصادية ضمن أهم ثلاثة اهتمامات.

كما أكد الاستطلاع أهمية دعم الاستقرار وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية وتعزيز حوكمة القطاع الأمني، مشيرا إلى وجود تأثير سلبي للانقسامات السياسية على المخاطر الأمنية وزيادة إمكانات التصعيد والعنف.

وبخصوص محور المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان على التركيز على العدالة الانتقالية، ذكر 81 بالمئة من المشاركين أن غياب العدالة يمثل تحديا رئيسا.

وزاد: بينما أبدى 72 بالمئة مخاوفهم بشأن تقلص مساحة حرية التعبير، مؤكدين أهميتها لمكافحة الفساد ومراقبة السلطات ومحاسبة القادة السياسيين.

كما أشار كثيرون إلى القيود على حرية التجمع ونشاط منظمات المجتمع المدني، وربطوا ضعف استقلال القضاء بتدخل الأطراف السياسية وعدم القدرة على حل النزاعات الانتخابية والدستورية.

تشخيص وعلاج

أكد المحلل السياسي الليبي إبراهيم الأصيفر، أن ليبيا تعيش اليوم واحدة من أكثر مراحلها السياسية تعقيدا منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011؛ إذ تقف البلاد عند مفترق طرق جديد يحدد مصيرها بين خيارين متناقضين.

وأضاف الأصيفر لـ "الاستقلال"، الخيار الأول هو استمرار الانقسام القائم، والخيار الثاني يتمثل في انطلاق مسار جاد نحو بناء دولة موحدة ومستقرة.

وذكر المحلل السياسي أن الانقسام السياسي الحاد بين سلطتين تنفيذيتين، ترك أثره العميق على مؤسسات الدولة التي باتت تعمل في مسارين متوازيين، ما جعل القرار السيادي الليبي رهينا للتجاذبات الداخلية والخارجية.

وأردف، ففي العاصمة طرابلس، تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة حدة التوتر بعد اشتباكات بين مجموعات مسلحة، ترافقت مع احتجاجات شعبية واسعة تطالب بتغيير الحكومة وإجراء انتخابات عامة.

واستدرك، "رغم محاولات التهدئة، إلا أن سيطرة المليشيات على المشهد الأمني ما زالت تمثل العقبة الأكبر أمام أي تحول سياسي حقيقي".

أما في الشرق، يقول الأصيفر، "فيسود استقرار نسبي تحت سلطة الجيش الوطني، غير أن ذلك الاستقرار لا يخلو من صبغة عسكرية واضحة، تجعل المشهد هناك قائما على القوة أكثر من التوافق المدني".

وبشأن أبرز محاور الصراع، قال المحلل السياسي: إن على رأسها الثروة النفطية، حيث يتنازع الطرفان إدارة العائدات والتحكم في موارد الدولة.

وأشار إلى أن العديد من الخبراء يحذرون من أن استمرار هذا التنازع قد يؤدي إلى شلل اقتصادي يهدد بتفاقم الأوضاع المعيشية في مختلف أنحاء البلاد.

وأردف، كما أن التوظيف السياسي للنفط جعل من الاقتصاد أداة ضغط متبادلة بين الشرق والغرب، بدلاً من أن يكون محركاً للتنمية والتوحيد.

وبخصوص العامل الخارجي في الأزمة والانقسام الليبي، أكد الأصيفر أن الأزمة في ليبيا لم تكن يوما شأنا داخليا فحسب، إذ تحولت البلاد إلى ساحة صراع نفوذ بين قوى إقليمية ودولية.

وأوضح، حيث تدعم بعض الدول الحكومة في طرابلس سياسيا وعسكريا، فيما يساند محور آخر معسكر الشرق لأسباب تتعلق بالأمن الإقليمي والمصالح الاقتصادية.

ورأى المتحدث ذاته أن "هذه التدخلات المتداخلة أسهمت في تأجيل الحل الليبي–الليبي، وجعلت القرارات الوطنية رهينة توازنات خارجية دقيقة".

وذكر الأصيفر أن الشارع الليبي بات أكثر وعيا بحاجته إلى قيادة جديدة قادرة على تحقيق الاستقرار والخدمات الأساسية، بعيدا عن الصراعات الشخصية والولاءات المناطقية.

وعليه، يرى المحلل السياسي أن "هذا المزاج الشعبي المتململ قد يشكل في المستقبل القريب عاملا ضاغطا لدفع العملية السياسية نحو التغيير".

Capture d’écran 2026-02-03 151410.png

وبخصوص السيناريوهات المحتملة للمستقبل، قال الأصيفر: إن أولها يتمثل في "نجاح التسوية وإجراء الانتخابات"، حيث يُعد هذا السيناريو الأكثر تفاؤلا؛ حيث تتفق الأطراف الليبية على تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية تؤسس لمرحلة انتقالية موحدة.

وشدد أن تحقيق هذا الأمر يتطلب تنازلات متبادلة، وضمانات أمنية تمنع انزلاق البلاد إلى الفوضى، ودعما دوليا متوازنا يضمن نزاهة العملية السياسية.

وأما السيناريو الثاني، وفق الأصيفر، فهو "استمرار الانقسام والجمود"، وهو بحسبه السيناريو الواقعي الأقرب في المدى القصير، من حيث بقاء الوضع على ما هو عليه، مع استمرار الحكومتين وتبادل النفوذ بين الشرق والغرب.

ونبه إلى أن "هذا المسار يعني مزيدا من التدهور الاقتصادي، وتآكل الثقة الشعبية في مؤسسات الدولة، واستمرار معاناة المواطن الليبي اليومية".

وأردف، أما السيناريو الثالث، فهو "تصاعد المواجهة المسلحة"، مبرزا أنه في حال فشل جهود الوساطة وتصاعد الصراع بين الفصائل، قد تتجدد الاشتباكات على نطاق واسع، خصوصا في مناطق الغرب والجنوب.

وأشار إلى أنه، ورغم أن احتمالات هذا السيناريو ضعيفة حاليا، إلا أن غياب أي حل سياسي فعلي قد يجعله واردا في المستقبل القريب.

ومع ذلك، يتابع الأصيفر، ورغم قتامة المشهد، إلا أن فرصة العبور إلى مرحلة الاستقرار ما تزال ممكنة إذا توفرت إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الفردية.

ومن شروط ذلك، وفق الأصيفر، "إعادة توحيد المؤسسة العسكرية، وتفكيك الميليشيات، وضمان إدارة شفافة للثروات الوطنية"، واصفا إياها بـ "الركائز الأساسية لأي مشروع وطني ناجح".

وأردف، "كما أن التنسيق الدولي والإقليمي يجب أن يُبنى على احترام القرار الليبي، لا على فرض الوصاية عليه".

وخلص إلى أن "المستقبل الليبي لن تحدده البيانات أو المؤتمرات، بل قدرة الليبيين أنفسهم على تجاوز خلافاتهم وصياغة مشروع وطني جامع، يعيد للدولة هيبتها، وللمواطن كرامته، وللبلاد مكانتها التي تستحقها في المنطقة والعالم".