إقالة صامتة في بغداد.. ماذا فعل المالكي بمبعوث ترامب؟

يوسف العلي | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بالتزامن مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفضه تولّي نوري المالكي رئاسة الحكومة العراقية المقبلة، أغلق مبعوثه إلى العراق، مارك سافايا، حسابه على منصة «إكس»، قبل أن تعلن بغداد لاحقا عزله من منصبه وإسناد مهمته إلى توم باراك، السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا.

وكان ترامب قد أعلن، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عبر منصته «تروث سوشيال»، تعيين مارك سافايا مبعوثا خاصا إلى جمهورية العراق، مشيرا إلى أنه «يتمتع بفهم عميق للعلاقات العراقية–الأميركية».

مصير غامض

في أعقاب تقارير غربية تحدثت عن احتمال إقالته، أكد وزير الخارجية العراقي والمرشح لمنصب رئاسة الجمهورية، فؤاد حسين، أن مارك سافايا لم يعد يشغل منصب مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون العراق. مشيراً إلى أن توم باراك هو من يدير الملف العراقي حاليا بدلا منه.

وقال حسين، في مقابلة تلفزيونية بتاريخ 1 فبراير/شباط 2026: إن موقف الولايات المتحدة من ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء أوجد واقعا جديدا، لافتا إلى أنه «من غير الواضح ما إذا كانت رؤية واشنطن تجاه المالكي مؤقتة أم دائمة».

وفي اليوم نفسه، نقلت وكالة «رويترز» عن مصدرين لم تسمهما أن مارك سافايا، الذي عيّنه ترامب مبعوثا خاصا للعراق في أكتوبر/تشرين الأول، لم يعد يشغل هذا المنصب. وأشار أحد المصدرين إلى «سوء إدارة» سافايا لبعض الملفات الحساسة، من بينها فشله في منع ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وهي خطوة كان ترامب قد حذّر بغداد منها علناً.

وبحسب المصدر نفسه، ومسؤول عراقي رفيع المستوى، يُرجّح أن يتولى سفير الولايات المتحدة لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، إدارة الملف العراقي في وزارة الخارجية الأميركية، لا سيما بعد زيارته أربيل أواخر يناير/كانون الثاني ولقائه قوات سوريا الديمقراطية.

وأفادت «رويترز» بأن حساب سافايا على منصة «إكس»، الذي كان نشطا حتى وقت قريب، لم يعد متاحا، كما لم يرد على الرسائل الموجهة إليه للاستفسار عن وضعه الوظيفي أو أسباب إغلاق الحساب. وذكر التقرير أنه كان من المقرر أن يزور العراق ويعقد اجتماعات مع مسؤولين كبار في 31 يناير، إلا أنه ألغى الزيارة بشكل مفاجئ.

في المقابل، نقلت أمبرين زمان، كبيرة مراسلي موقع «المونيتور» الأميركي، نفيا عن سافايا لشائعات إقالته، وذلك في منشور على منصة «إكس» بتاريخ 31 يناير. ونقلت عنه قوله: إن «هناك تداولا لمعلومات مضللة، يبدو أنها مدفوعة بشبكات ميليشيات مدعومة من إيران»، في محاولة لصناعة انطباع بغياب المبعوث الأميركي عن الساحة العراقية.

كما نقل الصحفي العراقي ستيفن نبيل عن سافايا قوله: إن تعطيل الحساب يعود إلى «إجراءات إدارية مرتبطة بالصفة الرسمية واستكمال متطلبات المنصب». مؤكدا أن الأمر مؤقت، وذلك في منشور بتاريخ 30 يناير.

غير أن نبيل كشف، خلال مقابلة تلفزيونية في 1 فبراير، أن سافايا أبلغه بخضوعه حاليا لتدقيق أمني من جهات حكومية أميركية. مضيفا أنه بعد انتهاء هذه الإجراءات قد يعود إلى مهمته مبعوثا للعراق، أو يُسند إليه منصب آخر ضمن إدارة ترامب.

شبهة الرشوة

غير أن تزامن اختفاء حساب سافايا على منصة «إكس» مع الأنباء المتداولة عن استبداله، بالتوازي مع تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرافضة لتولي نوري المالكي رئاسة الحكومة العراقية المقبلة، فتح الباب أمام تفسيرات سياسية وإعلامية مثيرة للجدل. فقد ذهبت شخصيات سياسية ووسائل إعلام مقرّبة من المالكي إلى تقدير أن سافايا تلقى رشوة مالية مقابل الدور الذي نُسب إليه في الموقف الأميركي المعلن.

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي العراقي صفاء الأعسم، في مقابلة تلفزيونية بتاريخ 1 فبراير/شباط: إن «سافايا متهم بتسلم رشوة من شخصيات سياسية في العراق تصل إلى 300 مليون دولار أميركي». مشيرا إلى أن الأخير «كان يقول إنه لم يُكلَّف رسمياً بالمنصب بعد».

بالتوازي، نقلت وكالة «سنا» العراقية، في اليوم نفسه، عن مصادر مطلعة لم تسمها، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أصدر قرارا بإعفاء مبعوثه الخاص مارك سافايا من مهمته في العراق، على خلفية اتهامات بتورطه في قضية فساد مالي.

وبحسب المصادر ذاتها، فإن سافايا تلقى رشوة بقيمة 50 مليون دولار من أطراف سياسية نافذة في العراق، مقابل تمرير وترويج تغريدة منسوبة إلى الرئيس ترامب، في إطار ما وصفته بحملات ضغط منظمة. وأضافت الوكالة أن جهات عراقية نافذة، عدتها المستفيد الرئيس من تغريدة ترامب الأخيرة، هي من دفعت هذه الأموال، مستغلة علاقاتها الخاصة بسافايا، الذي قيل إنه التقى بها مرات عدة خلال الفترة الماضية.

ونقلت الوكالة عن المحلل السياسي عماد باجلان قوله: إن تلك الجهات «قامت بتوجيه أحد رجال الأعمال لدفع مبلغ التغريدة البالغ 50 مليون دولار». مشيرا إلى أن هذا الرجل «يستحوذ على عدد من المشاريع الكبرى في العراق».

وأوضح باجلان أن هذه الأموال استُخدمت «للتأثير على الرأي العام، وتشويه صورة أطراف سياسية معينة، وإثارة الجدل، وخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي». لافتا إلى أن هذه التحركات تأتي في «توقيت بالغ الحساسية» تمر به الساحة العراقية، ما يثير تساؤلات حول الجهات المستفيدة من هذا التصعيد وأهدافه الحقيقية.

وذهب التقرير إلى حد الزعم بأن سافايا موجود حالياً في تركيا، حيث جرى «تأمين استقراره» من قبل الجهة التي يُقال: إنها وجّهت بدفع الرشوة، وذلك بسبب عدم قدرته على العودة إلى الولايات المتحدة، خشية المساءلة القانونية بعد انكشاف ما وُصف بفضيحة الرشوة وتضليله للرئيس ترامب، خصوصا عقب الإعلان الرسمي عن إقالته.

ووفقا للوكالة العراقية، فإن الملف «لا يزال مفتوحاً»، وقد يشهد تطورات جديدة خلال الفترة المقبلة، في ظل تصاعد الضغوط لكشف ملابساته والجهات المتورطة فيه.

وفي السياق نفسه، تداولت حسابات على منصة «إكس» تدوينات بتاريخ 30 يناير/كانون الثاني، اتهمت رجل الأعمال العراقي نمير العقابي بدفع قيمة التغريدة المنسوبة لترامب، والمقدرة بـ50 مليون دولار، والتي قيل إن سافايا تسلمها، بتخطيط من رئيس الحكومة محمد شياع السوداني.

اتهامات للتعمية

وفيما يتعلق بحقيقة الربط بين استبدال المبعوث الأميركي وتغريدة الرئيس دونالد ترامب، والحديث عن تلقي مارك سافايا رشوة مقابل ذلك، يرى الباحث في الشأن السياسي العراقي حامد العبيدي أن التبريرات التي قدمها سافايا لإغلاق حسابه على منصة «إكس» غير مقنعة.

وقال العبيدي لـ«الاستقلال»: إن «ما يقوله سافايا الآن لتبرير إلغاء حسابه لا يبدّد الشكوك، بل يزيدها»، مضيفا: «قد لا تكون هناك معطيات حاسمة حتى الآن، لكن من الواضح أن ثمة اضطرابا قائما لا تعكسه ظواهر الأشياء كما تبدو للعلن».

ولفت العبيدي إلى أن «ما يُتداول فعلاً هو أن تغريدة ترامب أصلها نص عربي جرى ترجمته إلى الإنجليزية». مشيراً إلى أن «المختصين أو العارفين باللغة يمكنهم اكتشاف ذلك بسهولة».

ومع ذلك، لم يستبعد الباحث أن تكون رواية تلقي سافايا رشوة مالية جزءا من محاولة مضادة تهدف إلى الاستمرار في ترشيح نوري المالكي، والسعي لإقناع الجانب الأميركي بالتراجع عن موقفه. وأوضح أن «هذا الطرح يروّج له بعض المقربين من المالكي، الذين يستندون إلى أن ترامب سبق أن تراجع عن مواقف عديدة، ولا يستبعدون أن يفعل الأمر نفسه في هذه الحالة».

من جانبه، يرى الباحث السياسي مجاشع التميمي أن «إعفاء مارك سافايا من منصب المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق في هذا التوقيت لا يمكن قراءته كإجراء عابر». ويرى أنه «يحمل دلالات سياسية وإستراتيجية واضحة، في ظل التوتر المتصاعد بين واشنطن وبغداد».

ونقلت صحيفة «العالم الجديد» العراقية، في 1 فبراير/شباط، عن التميمي قوله: إن «سافايا لم يعد يشغل المنصب، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تقليص النفوذ الإيراني ومنع عودة المالكي إلى رئاسة الوزراء». ويرى أن ذلك «يمثل امتدادا لسياسات واشنطن الهادفة إلى تقييد تأثير طهران في المشهد السياسي العراقي».

وأوضح التميمي أن «هذا الإعفاء يعكس خروجاً أميركياً من تجربة التمثيل الشخصي غير التقليدي للمبعوث، لا سيما أنه رجل أعمال يفتقر إلى الخبرة الدبلوماسية». مشيرا إلى أن واشنطن «تعود إلى آليات مؤسساتية أكثر صرامة عبر وزارة الخارجية»، في مؤشر على إعادة تقييم أدواتها في العراق، والانتقال نحو استهداف أكثر تركيزاً للنفوذ الإيراني، بدلا من الاعتماد على تمثيل ودي محدود الفاعلية.

وأضاف أن هذه الخطوة «تبعث برسالة أميركية أكثر تشددا إلى الفصائل المرتبطة بإيران داخل العراق»، من شأنها «تقليص هامش المناورة السياسية المحلية، لصالح توازنات أكثر خضوعاً لمتطلبات واشنطن».

وفي سياق التعريف بسافايا، يبلغ مارك سافايا 43 عاماً، وهو رجل أعمال أميركي من أصول عراقية مسيحية كلدانية، هاجرت عائلته من العراق خلال تسعينيات القرن الماضي، ويقيم في منطقة مترو ديترويت بولاية ميشيغان.

ويُعد من أبرز المستثمرين في صناعة القنّب القانونية في الولايات المتحدة؛ إذ يمتلك سلسلة متاجر تحمل اسم Leaf & Bud، إلى جانب خط منتجات خاص تحت اسم Savaya Collection.

ولم يأتِ اختيار ترامب لسافايا من رحم الدبلوماسية التقليدية، بل من قلب صناعة القنّب والماريجوانا القانونية، وهو ما دفع وسائل إعلام أميركية إلى وصفه بـ«ملك القنّب» في ديترويت.