الإطار الشيعي يتحدى ترامب ويصر على المالكي.. أي ثمن سيدفعه العراق؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لم يتراجع الإطار التنسيقي الشيعي في العراق عن ترشيح القيادي فيه نوري المالكي لتولي رئاسة الحكومة الجديدة، بل أكد تمسكه به، رغم ما وُصف بـ«الفيتو» الذي لوّح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مهددًا بفرض عقوبات في حال عودة المالكي إلى المنصب.

وكان ترامب قد كتب عبر منصته «تروث سوشيال»، في 27 يناير/ كانون الثاني 2025: «أسمع أن العراق العظيم قد يرتكب خطأً فادحًا بإعادة نوري المالكي رئيسًا للوزراء». مضيفًا أن «البلاد، خلال ولايته السابقة، انزلقت إلى الفقر والفوضى العارمة، ولا ينبغي السماح بتكرار ذلك».

وهدّد ترامب بوضوح قائلًا: «بسبب سياساته وأيديولوجياته المتشددة، إذا تمّ انتخابه، ستتوقف الولايات المتحدة الأميركية عن مساعدة العراق، وإذا لم نكن حاضرين لتقديم العون، فلن تكون للعراق أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية». مختتمًا منشوره بالقول: «لنجعل العراق عظيمًا مجددًا».

"تضارب إطاري"

في 31 يناير/ كانون الثاني 2026، أعلن الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم تمسكه بترشيح القيادي فيه نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، وذلك بعد رفض الأخير سحب ترشحه وإصراره على المضي في مساعيه لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة.

وقال الإطار، في بيان له: إن «اختيار رئيس الوزراء شأن دستوري عراقي خالص، يتم وفق آليات العملية السياسية، وبما يراعي المصلحة الوطنية بعيدًا عن الإملاءات الخارجية». مؤكدًا «تمسكه بمرشحه نوري كامل المالكي لرئاسة الوزراء».

وأكد الإطار، عقب اجتماع دوري عقده في مكتب المالكي، «حرصه على بناء علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي، لا سيما مع القوى الدولية الفاعلة، على أن تكون علاقات قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية».

وفي اليوم نفسه، قال زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي إنه ماضٍ في اعتماد إرادة الشعب وحقه في اختيار نظامه السياسي وقياداته، مشددًا على أنه «لن يفرط بحق الشعب العراقي في اختيار من يثق به». بحسب ما نقلته وكالة الأنباء العراقية «واع».

وأضاف المالكي أنه يرفض «التفريط بحق الشعب العراقي في اختيار من يثق به ويرى فيه الكفاءة لقيادة المرحلة». مؤكدًا: «نحترم إرادتنا الوطنية وقرارنا المستقل، ونتطلع إلى أن يحترم الآخرون هذا القرار كما نحترم إرادتهم في إدارة شؤونهم».

وتابع: «اختيار حكومتنا وقياداتنا شأن وطني يجب أن يُحترم، كما نحترم خيارات الآخرين». مشددًا على أن «احترام إرادتنا وديمقراطيتنا وحق شعبنا في اختيار نظامه السياسي وقياداته عبر المؤسسات الدستورية يمثل مبدأً ثابتًا لدينا، وسنمضي في اعتماد هذه الإرادة ولن نتراجع عنها».

وفي 28 يناير/ كانون الثاني، كان المالكي قد رفض، عبر منصة «إكس»، ما وصفه بـ«التدخل الأميركي السافر» في الشؤون الداخلية للعراق. عادا إياه انتهاكًا لسيادة البلاد، وذلك تعليقًا على تحذيرات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وقال المالكي: إن التدخل الأميركي في مسار تشكيل الحكومة العراقية «مخالف للنظام الديمقراطي بعد عام 2003»، وعدّه تعديًا على قرار تحالف «الإطار التنسيقي» باختيار مرشحه لمنصب رئيس الوزراء. مؤكدًا تمسكه بترشيحه، ومشيرًا إلى أنه سيواصل العمل «انطلاقًا من احترام الإرادة الوطنية وقرار الإطار التنسيقي الذي كفله الدستور»، وبما «يحقق المصالح العليا للشعب العراقي».

في المقابل، حذّر القيادي في الإطار التنسيقي ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي من تغليب التقديرات الشخصية أو الحزبية الضيقة، مشددًا على أولوية المصالح المصيرية للشعب والدولة في التعاطي مع أي مرشح أو معادلة حكم مقبلة، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها العراق والمنطقة.

وقال العبادي، في بيان صدر في 31 يناير: إن «وحدة قرار الإطار التنسيقي، ووحدة الصف الوطني تجاه أي مرشح، تضمنان وحدة الموقف الوطني في حماية النظام السياسي وتدعيمه داخليًا، وعلى المستويين الإقليمي والدولي».

وفي إشارة إلى رفضه الإصرار على ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة وتجاهل التحذيرات الأميركية، أكد العبادي أن «مصالح الشعب تعلو على مصالح الأشخاص، وأن الدولة وديعة لا يجوز المقامرة بها تحت أي ظرف».

وفي موقف ينسجم مع رؤية العبادي، دعا القيادي في الإطار التنسيقي عمار الحكيم إلى عدم المجازفة بما تحقق من منجزات، وضرورة إدامة الجهوزية الأمنية والعسكرية والاستخباراتية لمواجهة التحديات المحدقة بالعراق، وفق بيان صادر عن مكتبه في 29 يناير/ كانون الثاني.

سقف محرج

بشأن السيناريوهات المحتملة للخروج من الأزمة عقب رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترشيح نوري المالكي، قال الباحث في الشأن السياسي العراقي لطيف المهداوي: إن «إصرار الإطار التنسيقي على هذا الترشيح يجعله يلعب بالنار مع ترامب الذي وضع سقفًا عاليًا ومحرجًا أمام قوى الإطار».

وفي الوقت نفسه، أكد المهداوي في حديثه لـ«الاستقلال» أن «إصرار الإطار، سواء كان ناتجًا عن غفلة أو عناد، أو عن ترتيب واتفاق مسبق، فإن التراجع ستكون كلفته باهظة؛ إذ سيُنظر إليه على أنه انكسار معنوي يصعب على جميع القوى التي رشحت المالكي تحمّله».

وتوقع الباحث أن «تمضي قوى الإطار في ترشيح المالكي حتى لحظة عرض حكومته على البرلمان لنيل الثقة، وحينها لن تمر»، مرجحًا أن يكون هذا المسار «مخرجًا يحفظ ماء وجه الإطار، بحيث يقول إنه استنفد كل الخطوات الديمقراطية، لكن البرلمان خذله، وبالتالي فإنه يحترم خيار القوى العراقية».

ولفت المهداوي إلى أن الخلافات داخل الإطار التنسيقي ستشكل عائقًا أمام تولي المالكي السلطة، موضحًا أنه «بعد تغريدة ترامب، لم يصدر بيان موحد عن الإطار يدعم ترشيح المالكي، وحتى بيان الإصرار صدر فقط عن القوى التي رشحته، وهو ما يتضح من موقفي حيدر العبادي وعمار الحكيم الرافضين لهذا الإصرار».

وبحسب المهداوي، فإن «اتفاقًا جرى داخل الإطار على أن يصدر كل حزب موقفه المنفصل الداعم للمالكي والرافض لتغريدة ترامب، بدل إصدار بيان موحد»، إلا أن «البيانات اكتفت بالإجماع على رفض التدخلات الخارجية، مع تفاوت واضح في مستوى دعم ترشيح المالكي».

وأكد الباحث أن «بعض بيانات قوى الإطار تضمنت إشارات وتلميحات إلى ضرورة إيجاد حل، والحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة»، لافتًا إلى أن «بعض هذه القوى كانت قد حذرت المالكي، قبل إعلان ترشيحه، من وجود رفض أميركي له، إلا أنه أصر على المضي قدمًا ولم يأبه بتلك التحذيرات».

وأشار المهداوي إلى أن «هناك حذرًا شديدًا داخل الإطار من أي انسحاب مبكر للمالكي؛ لأن ذلك قد يفتح الباب أمام ضغوط إضافية من ترامب، ومطالب جديدة قد تُعد مهينة للعراق». موضحًا أن هذا ما يدفع بعض القوى إلى «التمسك بالإبقاء على المالكي مرشحًا للتكليف في المرحلة الحالية».

وتابع: «أصحاب هذا السيناريو لا يستبعدون إمكانية انسحاب المالكي لاحقًا، حتى بعد نيل الحكومة الثقة، بوصفها خطوة تكتيكية ومناورة سياسية». رغم وجود «معارضة داخل الإطار لهذا الطرح، بدعوى حماية مصالح العراق وموقعه السياسي».

وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة «المدى» العراقية، في 1 فبراير/ شباط، عن مصادر سياسية مطلعة ـ لم تسمّها ـ أن «الإطار التنسيقي يدرس عدة خيارات للخروج من أزمة اختيار رئيس الوزراء، من بينها الذهاب إلى انتخابات مبكرة».

وذكرت الصحيفة أن «هناك ارتباكًا داخل الإطار التنسيقي بسبب المواقف الأميركية الأخيرة، وتبدو التفاهمات وكأنها عادت إلى نقطة الصفر»، مشيرة إلى «تداول مقترحات داخل الأروقة السياسية الشيعية، من بينها تمديد حكومة محمد شياع السوداني لمدة عام إضافي، على أن تُجرى انتخابات مبكرة».

ويعكس هذا الطرح، وفق الصحيفة، «قراءة أوسع من مجرد اعتراض ترامب على شخص المالكي»، إذ ترى واشنطن «عدم رضا عام عن نتائج الانتخابات الأخيرة التي أوصلت أكثر من 80 نائبًا من الفصائل المسلحة إلى البرلمان لأول مرة، وهي قوى تطالب بالحصول على مناصب حساسة في الدولة».

ولفتت الصحيفة إلى أن «الإطار قد ينتظر انتهاء مهلة الـ15 يومًا الفاصلة بين انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف مرشح الإطار بتشكيل الحكومة، قبل حسم قراره النهائي». مؤكدة أن «خيارات أخرى لا تزال مطروحة إلى جانب خيار الانتخابات المبكرة، من بينها العودة إلى مرشحين سابقين أو إعادة فتح باب الترشيح مجددًا لمنصب رئيس الوزراء».

عزلة محتملة

على صعيد تداعيات الإبقاء على ترشيح نوري المالكي، حذّر المحلل السياسي العراقي محمد علي الحكيم من «خطورة الإصرار على المضي بهذا الترشيح في ظل الرفض الأميركي المعلن»، ويرى أن هذا المسار «قد يفتح الباب أمام تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية بالغة الخطورة على العراق».

وقال الحكيم، في تصريح لمنصة «الجبال» العراقية في 1 فبراير/ شباط: إن «تجاهل الموقف الأميركي لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلًا هامشيًا». مشيرًا إلى أن «الولايات المتحدة ما تزال لاعبًا مؤثرًا في المشهد الدولي، وتمتلك أدوات ضغط حقيقية قد تلجأ إلى استخدامها إذا شعرت بأن مصالحها مهددة، أو أن العراق يتجه نحو سياسات تصادمية».

وأوضح أن «أخطر ما قد يواجهه العراق في حال الإصرار على هذا الترشيح، هو احتمالية فرض عقوبات اقتصادية أو مالية، أو تقييد التعاملات المصرفية الدولية»، محذرًا من أن «مثل هذه الخطوات ستنعكس بشكل مباشر على سعر صرف الدينار، وحركة الاستثمار، وقدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها الداخلية والخارجية».

وتابع الحكيم: «العراق لا يزال يتعافى من آثار سنوات طويلة من العزلة والعقوبات والصراعات، وأي عودة إلى مربع التوتر مع المجتمع الدولي ستُعد انتكاسة خطيرة لمسار الانفتاح الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة». مشددًا على أن «العزلة الدولية لا تبدأ بقرارات كبرى، بل بمواقف سياسية متراكمة تُضعف تدريجيًا ثقة الشركاء الدوليين بالدولة العراقية».

وأكد أن «رفض التدخل الخارجي في تشكيل الحكومات لا يعني تجاهل موازين القوى الدولية، ولا القفز على الواقع السياسي والاقتصادي المعقد الذي يعيشه العراق». داعيًا إلى «تغليب منطق الحكمة والتوافق الوطني، واختيار شخصية قادرة على إدارة المرحلة بأقل قدر ممكن من الصدامات الخارجية».

وخلص الحكيم إلى أن «المرحلة الراهنة تتطلب قرارات مسؤولة تضع مصلحة العراق العليا فوق الحسابات الحزبية الضيقة»، محذرًا من أن «الإصرار على خيارات مثيرة للجدل قد يدفع البلاد إلى أزمات جديدة، يكون المواطن العراقي أول من يدفع ثمنها وآخر من يجني نتائجها».

وكانت رئاسة الجمهورية العراقية قد أعلنت، في بيان صادر بتاريخ 29 يناير/ كانون الثاني، رفضها القاطع لأي شكل من أشكال التدخلات الخارجية في الشؤون السياسية للبلاد، وترى أن القضايا الداخلية تُعد «شأنًا سياديًا خالصًا».

وأضاف البيان أن «القضايا الداخلية للعراق شأن سيادي خالص يقرره العراقيون وحدهم، استنادًا إلى إرادتهم الحرة بموجب الدستور، ومن خلال النظام الديمقراطي القائم على الانتخابات التي تمثل التعبير الحقيقي عن خيارات الشعب».

ويُذكر أن نوري المالكي شغل منصب رئيس الوزراء لفترتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، شهد العراق خلالهما تحديات أمنية كبيرة، ولا سيما تصاعد هجمات تنظيم «الدولة»، الذي سيطر حينها على نحو ثلث مساحة البلاد، قبل أن تعلن بغداد في عام 2017 «تحقيق النصر» عليه.