شبكة فساد تهز صورة "الحضارة".. إبستين يعرّي الغرب بوثائق الجنس والسلطة والابتزاز

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لليوم الثالث على التوالي، تتواصل ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي بشأن الدفعة الجديدة والنهائية من ملايين الوثائق المتعلقة بالملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين، المُدان بارتكاب جرائم جنسية، والتي نشرتها وزارة العدل الأميركية.

وأفرجت وزارة العدل الأميركية عن الوثائق في 31 يناير/كانون الثاني 2026؛ تنفيذًا لقانون أُقرّ في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، يقضي بالكشف عن جميع السجلات الحكومية المرتبطة بالقضية.

وإبستين رجل أعمال أميركي يهودي، ولد عام 1953، وأدين بجرائم جنسية، واتُّهم بإدارة شبكة واسعة من الاستغلال الجنسي للقاصرات، بعضهن لم تتجاوز أعمارهن 14 عامًا، قبل أن يُعثر عليه ميتًا داخل زنزانته في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء احتجازه.

وعمل إبستين في مهن عدة، من بينها التدريس والاستثمار المصرفي، واشتهر بقربه من عدد كبير من النجوم والساسة حول العالم، الذين وُجهت إليهم اتهامات بالتورط في شبكة دعارة استخدمت القاصرات.

وأسس إبستين شبكة الاستغلال الجنسي بعد مسيرة في عالم المال كوّن خلالها ثروة ضخمة، قبل أن تعتقله السلطات الأميركية؛ حيث توفي في زنزانته عام 2019 في حادثة صُنفت رسميًا على أنها انتحار.

وكان إبستين يتمتع بشبكة علاقات واسعة داخل النخبة السياسية والاقتصادية الأميركية، كما كان معروفًا بقربه من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وصفه في إحدى المناسبات بأنه "رجل رائع".

وتضمنت ملفات القضية أسماء شخصيات عالمية بارزة، من بينها الأمير البريطاني أندرو، والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، والرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، والمغني مايكل جاكسون، وحاكم ولاية نيو مكسيكو الأسبق بيل ريتشاردسون.

وقال تود بلانش، نائب وزيرة العدل الأميركية، في مؤتمر صحفي: إن الدفعة الضخمة من الملفات المنشورة تمثل نهاية الإفصاحات المخطط لها من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب بموجب القانون. مشيرًا إلى أن المجموعة الجديدة تضم أكثر من 3 ملايين صفحة، وألفي مقطع فيديو، و180 ألف صورة.

وأوضح بلانش أن الملفات خضعت لتنقيحات "واسعة النطاق"، استنادًا إلى استثناءات قانونية تسمح بحجب بعض الوثائق، بما في ذلك المعلومات التعريفية بالضحايا أو المواد المرتبطة بتحقيقات جارية. ولفت إلى أن الإصدارات السابقة كانت قد خضعت أيضًا لتنقيحات مكثفة، ما أثار انتقادات من بعض أعضاء الكونغرس.

وأضاف أن الوزارة حجبت كذلك بعض الملفات استنادًا إلى الامتياز القانوني، بما في ذلك سرية منتجات العمل وامتياز المحامي والموكل، غير أن مشرعين رأوا أن هذا الحجب قد يتعارض مع القانون، الذي يُلزم الوزارة بالكشف عن الاتصالات الداخلية المتعلقة بقرارات توجيه الاتهام والتحقيق مع إبستين أو أي من شركائه.

من جانبهم، أعربت مجموعة من ضحايا إبستين عن استيائهم من استمرار حجب أسماء المتورطين في الاعتداءات، رغم الكشف عن هويات الضحايا في الوثائق التي أُعلن عنها أخيرا.

وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، قالت مجموعة تضم 18 من ضحايا إبستين، في بيان مشترك: إن الوثائق المنشورة لا تكفي لـ"محاسبة شركائه في الجريمة".

وأضاف البيان: "مرة أخرى، تُكشف أسماء الضحايا وتفاصيلهم، بينما تبقى أسماء الرجال الذين استغلونا مخفية ومحمية. هذا أمر فظيع". وأكدت المجموعة أن القضية لم تنته بعد، متعهدة بمواصلة النضال "إلى أن يُحاسب جميع الجناة".

وكان ترامب قد ارتبط بعلاقة صداقة مع إبستين خلال تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية، قبل أن تنتهي هذه العلاقة إثر خلافات بينهما، وذلك قبل سنوات من إدانة إبستين الأولى. ورغم ذلك، قاوم ترامب لعدة أشهر الإفصاح عن الملفات، قبل أن يُجبره الديمقراطيون والجمهوريون في الكونغرس على المضي قدمًا في الكشف عنها.

ولم يُتهم ترامب رسميًا بأي مخالفة تتعلق بإبستين، كما نفى مرارًا أي علم له بجرائمه.

وقالت وزارة العدل الأميركية، في بيان صحفي: إن "بعض الوثائق تتضمن ادعاءات غير صحيحة ومثيرة ضد الرئيس ترامب قُدمت إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي قبيل انتخابات 2020". مؤكدة أن هذه الادعاءات "لا أساس لها من الصحة". وأضافت: "لو كانت تتمتع بذرة من المصداقية، لكانت استُخدمت بلا شك سلاحًا ضد الرئيس".

انتكاس للفطرة

عبر منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما “إكس” و“فيسبوك”، ومن خلال وسوم متعددة أبرزها: #تسريبات_إبستين، #جيفري_إبستين، #ترامب، أعرب صحفيون وإعلاميون وناشطون عن غضبهم واستيائهم الشديدين مما كشفت عنه الدفعة الأخيرة من ملفات جيفري إبستين. ويرون أنها تكشف جرائم وفواحش تمثل انتكاسًا صارخًا للفطرة الإنسانية، وسقوطًا أخلاقيًا مدويًا للنخب الغربية.

واعتبر مغردون أن قضية “جزيرة إبستين” لا يمكن التعامل معها كخبر عابر أو فضيحة مؤقتة، بل هي ـ بحسب توصيفهم ـ محاكمة تاريخية لنخبة عالمية فاسدة تتحكم بمصائر الشعوب، وتمارس أبشع الجرائم خلف واجهات براقة من الشعارات الحقوقية والحضارية.

توقيت النشر

بموازاة ذلك، برزت تساؤلات واسعة بين باحثين وناشطين حول توقيت الإفراج عن ملايين الصفحات وآلاف المقاطع المصورة المرتبطة بالقضية، والرسائل السياسية الكامنة خلف هذا التوقيت.

ورأى متابعون أن النشر لم يكن عفويًا، بل جرى ضمن حسابات دقيقة تتقاطع مع صراعات دولية وإقليمية حساسة.

عملية ابتزاز

وذهب ناشطون إلى التقدير أن الوثائق المفرج عنها لا تمثل كشفًا كاملًا للحقيقة، بل جزءًا محسوبًا من عملية ابتزاز سياسي، تُدار عبر انتقائية صارمة في ما يُنشر وما يُحجب.

وأشاروا إلى أن الأسماء التي كُشف عنها هي في الغالب “محروقة سياسيًا”، في حين بقيت شخصيات أكثر تأثيرًا بعيدة عن المساءلة، ضمن ما وصفوه بعملية “احتواء ضرر” لحماية النواة الصلبة للنظام السياسي الغربي.

وكتب المغرد أحمد: "كلما تأملت توقيت نشر ملفات إبستين الآن، ازداد يقيني أن ما نراه ليس حدثًا عابرًا، بل حركة محسوبة تعادل ضغطة كف فوق رقعة الشطرنج العالمية، الملفات لا تحمل أسماء أفراد فقط، بل تحمل خرائط نفوذ ومفاتيح مالية واتصالات تمتد إلى قمم السلطة في العالم، من يمتلكها يستطيع أن يحرك أعصاب الدول".

وأكد المغرد زياد أن نشر وثائق الموسادي ابستين هو لابتزاز ترامب والنخبة الأميركية وإجبارهم على محاربة إيران بدلا من أن تقوم إسرائيل بذلك لوحدها، متوقعا أن تنصاع النخبة الأميركية.

وقال الأكاديمي حسين العمري: إن ملفات جيفري إبستين ابتزاز مستمر لحكومات وشركات وشخصيات منذ سنوات لمصلحة الكيان الممول له ولجزيرة الأحلام التي أنشأها لجلب الفتيات القاصرات لمتعة هؤلاء الزعماء. لم يسلم منه ساسة أو زعماء أو رؤساء شركات أو حتى علماء وما خفي كان أعظم.

وأشار إلى أن في قوائم المتورطين ترامب وكلنتون وجورج بوش الأب وبيل غيتس وإيلون ماسك والأمير أندرو وحتى بروفيسور اللسانيات واللغويات نعوم تشومسكي الناقد بشدة لسياسات أميركا في الشرق الأوسط وللكيان. أصبحنا نرى سبب دعم شركات وحكومات للكيان وجرائمه.

تسعير الحرب

وتوقع ناشطون أن تُحدث هذه التسريبات هزات كبرى في المشهد الدولي، خصوصًا في الشرق الأوسط، ويرون أن الملفات تتضمن خرائط نفوذ ومفاتيح مالية واتصالات تمتد إلى قمم السلطة العالمية.

وربط آخرون بين تسريع نشر الوثائق ومحاولات الضغط السياسي لتسعير صراعات إقليمية، وعلى رأسها التوتر المتصاعد مع إيران، في إطار إعادة تشكيل موازين القوة.

وأرجع ناشطون الهدف من نشر الوثائق الجديدة من ملفات إبستين إلى تسعير الحرب في المنطقة وربطوها بسياسة ترامب تجاه إيران.

امتهان المرأة 

كما رأى كتّاب وناشطون أن الوثائق فضحت نظرة الغرب للمرأة بوصفها سلعة، وكشفت عن امتهان ممنهج لكرامة الأطفال وانتهاك حقوقهم، من خلال شبكات محمية بالنفوذ السياسي والمالي.

ورأوا أن هذه الوقائع تنسف الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان، وتكشف تناقضًا صارخًا بين الشعارات والممارسات.

وذكر آخرون بأن الإسلام حفظ الحقوق كافة للنساء والأطفال والحيوانات التي انتهكها الغرب ووثقتها ملفات إبستين.

نموذج مرفوض

في المقابل، عبّر آخرون عن استيائهم من محاولات تسويق النموذج الغربي في المجتمعات الإسلامية، ويرون أن ما كشفته ملفات إبستين يضع حدًا لأي ادعاء بالوصاية الأخلاقية.

وأكدوا أن هذه الفضيحة تعيد فتح النقاش حول طبيعة العلاقة مع الغرب، وجدوى الانبهار بنموذجٍ كشفت الوثائق عمق فساده وانحرافه.