التقارب التركي السعودي.. هل ينهي هيمنة إسرائيل على الطاقة؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

التقارب بين تركيا والسعودية، بدعم أميركي، يخلق محورا يعمق نفوذ أنقرة في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا. بحسب  صحيفة "يديعوت أحرونوت".

وترى الصحيفة الإسرائيلية أن هذا التقارب إلى جانب تعزيز التعاون العسكري والأمني بين أنقرة والرياض، يثير مخاوف كبيرة في تل أبيب.

خاصة أنه يتزامن مع توسع النفوذ التركي في سوريا، وتوثيق العلاقات الأمنية مع العراق والأردن ولبنان، وسعي تركيا للانضمام إلى الاتفاق الأمني الذي وقع بين السعودية وباكستان في سبتمبر/ أيلول 2025.

تحرك مخطط

وما زاد من قلق الصحيفة تقديرها أن "هذه التحركات ليست عشوائية، بل تأتي ضمن سياسة واقعية يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان".

الذي يسعى إلى “صياغة شبكة تحالفات إقليمية جديدة تجعل من تركيا محورا رئيسا يربط بين الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والبحر الأحمر، بالتنسيق الوثيق مع الرياض وبدعم أميركي مرن”

إذ ترى أن "تعزيز العلاقات مع إدارة ترامب، بما يشمل استثمارات أميركية تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار في مجالات الطاقة والأمن والتكنولوجيا، إلى جانب تقارب تدريجي مع العالم العربي والإسلامي، وتوطيد العلاقات مع السعودية والإمارات وقطر وباكستان ومصر؛ يفتح أمام أنقرة مجالا واسعا لتوسيع نفوذها الأمني والعسكري والاقتصادي والديني".

وتناولت الصحفية تفاصيل هذه الخطة التركية قائلة: "تعمل أنقرة اليوم في عدة ساحات نزاع، من الشرق الأوسط وإفريقيا إلى البلقان وآسيا الوسطى والقوقاز، بما في ذلك ناغورنو كاراباخ، وتؤسس نفسها كقوة إقليمية متعددة الأذرع، قوية وفاعلة".

وتدعي أن هناك "محورا تركيا سنيا جديدا يتشكل بالتوازي مع محور الإسلام المتشدد المعادي لإسرائيل بقيادة قطر وأنقرة وجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يضيق تدريجيا هامش المناورة الإسرائيلي في القضايا الجوهرية: إيران، غزة، سوريا، وترتيبات الطاقة والأمن الإقليمي".

ووفقا لها، فإن "هذا المحور يعزز بشكل كبير المكانة الجيوسياسية لتركيا عبر تفضيل الأمن والاستقرار والتنمية الإقليمية على حساب القيم الديمقراطية، ويضع إسرائيل أمام واقع إستراتيجي جديد أكثر تعقيدا وديناميكية مما عرفته في العقود الماضية".

في ضوء هذه التطورات، أشارت الصحيفة إلى "تشكل ثلاثة متغيرات إستراتيجية رئيسة محفزا لتعزيز قدرة الردع التركية تجاه إسرائيل، وهي: تقليص الانخراط الأميركي المباشر في سوريا وفي الشرق الأوسط عموما، ونقل المسؤولية الأمنية في قطاع غزة إلى أطراف دولية، والانهيار التدريجي لإيران".

وتابعت: "من منظور الرئيس أردوغان، فإن تركيا، بصفتها عضوا في حلف الناتو وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، مع خبرة عملياتية، وتكنولوجيا متقدمة، وصناعة عسكرية مزدهرة، تنسجم بشكل جيد مع المنظومة الإستراتيجية الناشئة للسعودية وباكستان؛ تشكل رافعة لتحقيق طموحات الهيمنة في الشرق الأوسط وخارجه".

وبالتوازي مع ذلك، ترى أن "ترشح أنقرة لعضوية الاتحاد الأوروبي ومنتدى بريكس إلى جانب تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين، وهو ما يتجلى، من بين أمور أخرى، في نمو حجم التبادل التجاري من 6.7 مليارات دولار عام 2002 إلى 101 مليار دولار عام 2024؛ يعكس توجها واضحا نحو الابتعاد عن الحلفاء الغربيين وتقليص الاعتماد عليهم".

من منظور تحليلي أشمل، تقدر أن "هذه التحركات تندرج ضمن سياسة خارجية إستراتيجية توسعية، في إطار الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب، تتنافس فيه مراكز قوة إقليمية جديدة، مدفوعة بمصالح نفعية لا بولاءات تاريخية، وأحيانا تتعاون فيما بينها".

وأوضحت أنه "من أبرز الأمثلة على ذلك صراعات النفوذ بين السعودية والإمارات في اليمن".

عمق إستراتيجي

في سياق التحركات الإقليمية، تشير الصحيفة الإسرائيلية إلى أن "توثيق العلاقات بين تركيا والسعودية يشكل محرك نمو مركزي، سواء للاقتصاد التركي الذي يشهد تعافيا معتدلا، أو لتحقيق رؤية لولي العهد محمد بن سلمان 2030".

وتابعت: "على الرغم من التحديات الاقتصادية التي تواجه تركيا، بما في ذلك التراجع المستمر في قيمة العملة، مع معدل بطالة يبلغ 8.6 بالمائة، وتضخم يقارب 25 بالمائة، ونقص في المواد الخام والطاقة؛ فإن أنقرة تنجح في استثمار العلاقة مع الرياض".

مستهدفة بذلك "توسيع التعاون الأمني الصناعي، وزيادة حجم التجارة الذي وصل إلى 7.9 مليارات دولار في عام 2025، وتسريع الاندماج الاقتصادي بين البلدين"، وفق الصحيفة.

وتحذر من أن "هذا المزج بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا، يمنح المحور التركي السعودي عمقا إستراتيجيا ومرونة وقدرة تأثير إقليمية مستمرة".

وهو ما يشكل "تحديا مباشرا لإسرائيل، خاصة في المنافسة على قيادة محور الطاقة والاقتصاد، وعلى مكانة الشريك الأمني التكنولوجي المفضل في الخليج".

وأردفت: "يُعزز نقل التقنيات التركية المتقدمة إلى الرياض، مقابل استثمارات سعودية في مشاريع البنية التحتية في مجالات الطاقة المتجددة والمعادن الحيوية والتعدين الأخضر، الترابط بين الطرفين".

"وفي الوقت نفسه، تُسهم صفقات ضخمة لشراء طائرات بدون طيار ودبابات وسفن بمليارات الدولارات في جعل السعودية السوق الرئيسة لصادرات تركيا الدفاعية". وفقا لما ذكرته.

وأضافت الصحيفة: "بالنسبة لأنقرة، تُسهم هذه الخطوات في تنويع مصادر النقد الأجنبي لأنقرة، وتقليل اعتمادها على رؤوس الأموال الغربية أو القطرية، وتعميق التبادل الثنائي للتقنيات".

فضلا عن "تعزيز مكانة تركيا كمورد دفاعي مفضل لدى شركائها الغربيين (حيث بلغ حجم تجارتها مع الاتحاد الأوروبي 168.3 مليار دولار في عام 2025) أو في الساحة الروسية".

من منظور جيوسياسي، ترى الصحيفة أن "تعميق علاقات تركيا مع السعودية وقطر وإمارات أخرى في الخليج، بما في ذلك الاستثمارات في تطوير بنى تحتية للغاز عبر سوريا، يعزز نموذج (الممر التركي) بوصفه محور غاز وكهرباء وبضائع يربط الخليج بأوروبا".

ويشكل هذا الممر تهديدا مباشر على مصالح إسرائيل، فبحسبها، "قد توفر مشاريع مثل مسار الغاز القطري التركي عبر سوريا والربط مع (ممر الغاز العربي) لأوروبا بديلا مباشرا وأرخص وأقصر من المسارات التي تمر عبر إسرائيل واليونان وقبرص".

الأمر الذي تعتقد أنه "قد يضر بالشراكات التي بنتها إسرائيل مع هذه الدول ومع الأردن ومصر، ويضعف مكانتها كمحور إقليمي للطاقة والعبور".

وعلاوة على ذلك، لفتت الصحيفة إلى أنه "إذا فضلت الرياض الاستثمار في بنى تحتية تمر عبر تركيا وسوريا على حساب مشاريع ترتكز على إسرائيل؛ فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف المكانة الإستراتيجية لتيل أبيب أمام أوروبا ودول الخليج، وإضعاف إمكانات تطوير مشروع الممر الهندي الخليجي الأوروبي (IMEC)، واستنزاف المكاسب الجيو اقتصادية لاتفاقيات أبراهام".

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل إنها توقعت أنه "مع تزايد حجم الاستثمارات السعودية في تركيا ومسارات التجارة المرتبطة بها، يزداد خطر توجيه رأس المال السعودي إلى أطر إقليمية لا تشارك فيها إسرائيل، ما يقلص فرص بناء تعاون أمني وتكنولوجي عميق مع الرياض".

وعلى المدى المتوسط والطويل، لم تستبعد الصحيفة أن "تتحول الشراكة التركية السعودية إلى حاجز دخول أمام بعض منتجات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية في الأسواق الإسلامية في آسيا وإفريقيا".

"كما قد تمنع إسرائيل من الوصول إلى رأس المال السعودي المباشر وإلى مراكز نمو سلاسل قيمة جديدة في مجالات الطاقة الخضراء واللوجستيات والتكنولوجيا المتقدمة، وهي مجالات تسعى تركيا إلى ترسيخ نفسها فيها كمحور مركزي". وفق تحليلها.

الخريطة الجيوسياسية

في ضوء هذه الاتجاهات، أشارت الصحيفة الإسرائيلية إلى أن "التحدي المركزي أمام إسرائيل يتمثل في (قراءة الخريطة الجيوسياسية بشكل صحيح)، وإعادة حساب مسارها، واعتماد مقاربة إستراتيجية استباقية ومرنة".

وبناء عليه، شددت على أنه "يتعين على تل أبيب تعميق شراكتها مع اليونان وقبرص (الرومية)، وترسيخ هذا المحور كمرساة مستقرة ومكملة للممر التركي، وكبديل موثوق للمستثمرين الإستراتيجيين في أوروبا والولايات المتحدة".

وبالتوازي، لفتت إلى "الحاجة إلى توسيع وتنويع ممرات التجارة والطاقة، عبر مصر والأردن، وفي فضاء البحر الأحمر، ومن خلال وصلات برية بحرية إلى الهند وإفريقيا، من أجل تعزيز الصمود الوطني وتقليص التعرض للمخاطر الجيو اقتصادية".

وعلى الصعيد الأمني الإستراتيجي، قالت: "إن توطيد العلاقة بين المحور التركي السعودي، لا سيما في ظل عدم الاستقرار في سوريا وتصاعد التوتر في إيران، يفرض تحديثا في التصور الإسرائيلي لمحور الاقتصاد والطاقة".

ووفق رؤيتها، يجب أن يقوم هذا التصور الجديد على "دمج مدروس بين الحفاظ على حرية العمل العسكري وبناء منظومة إقليمية من البنى التحتية والتكنولوجيا وأمن الطاقة، تكون فيها إسرائيل شريكا أساسيا لا يمكن تجاوزه".

من جانب آخر، فإنه "من المفارقة أن تعاظم المحور التركي السعودي قد يشكل حافزا لتسريع تكامل إقليمي بديل وتعميق العلاقات مع شركاء اتفاقيات أبراهام، بما في ذلك أطراف براغماتية في وسط وجنوب آسيا مثل كازاخستان وأذربيجان".

"وقد يفتح أيضا المجال لتجديد علاقات طاقة مع تركيا ضمن إطار متعدد الأطراف ومتوازن ومكمل مع دول العرب والخليج". وفق ما أفادت به.

في المحصلة، تشدّد الصحيفة على أنه "في ظل واقع فوضوي وعالم متعدد الأقطاب في طور التبلور، ومع تفوق واضح في الابتكار التكنولوجي والقدرات الاستخبارية والعسكرية والدبلوماسية الاقتصادية المتطورة والمنسقة مع واشنطن؛ تستطيع إسرائيل، بل يتعين عليها، تحويل الأزمة إلى فرصة".

وتابعت: "ليس فقط لتجنب الانجرار وراء التصريحات المعادية للسامية والخطوات الاستفزازية للرئيس أردوغان، بل أيضا المشاركة الفاعلة في صياغة نظام جيو اقتصادي إقليمي جديد، لا تكون فيه مجرد طرف يستجيب لقواعد اللعبة، بل طرفا يسهم في صياغتها".