تحالف الظل.. كيف تستخدم أبوظبي اليمين الأوروبي ضد المسلمين؟

داود علي | منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في إحدى أمسيات يناير/كانون الثاني 2026، وعلى سطح فندق «ريتز كارلتون» الفاخر في دبي، وقف نايجل فاراج، زعيم حزب «ريفورم يو كيه» البريطاني اليميني المتطرف، مخاطبًا نحو ثمانين شخصية من النخبة الإماراتية، بينهم وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة سلطان أحمد الجابر.

وبنبرة ودودة مشحونة بدلالات سياسية، قال فاراج: «لدينا الكثير لنتعلمه منكم، يا سادتي الأعزاء، نحن نعرف أنكم أصدقاؤنا». ثم مضى أبعد من المجاملة، متحدثًا عن «لندن ما بعد بريكست» و«لندن ريفورم» التي «لن تنسى أصدقاءها»، قبل أن يقر بأن هذا التقارب قد يبدو غريبًا للبعض.

غير أنه سرعان ما برّر ذلك بما وصفه بأرضية مشتركة تجمع الطرفين، تقوم على مواجهة ما يسمّيانه «الإسلام السياسي».

ولم يكن هذا المشهد، في نظر مراقبين، مجرد لحظة بروتوكولية أو خطاب مجاملة في لقاء مغلق، بل عكس تحوّلًا أعمق في شبكة علاقات الإمارات داخل أوروبا، وتحديدًا باتجاه قوى اليمين المتطرف الصاعدة في أكثر من عاصمة أوروبية.

وثيقة صادمة

بعد أيام قليلة، وتحديدًا في 28 يناير/كانون الثاني 2026، نشرت مجلة «إنتيليجنس أونلاين» الفرنسية، المتخصصة في الشؤون الاستخباراتية، تقريرًا مطولًا كشفت فيه تفاصيل غير مسبوقة عن آليات هذا التقارب، وحدوده، بل والمخاطر التي يراها صناع القرار في الإمارات أنفسهم.

وبحسب التقرير، اطّلعت المجلة على محاضر نقاشات داخلية تتعلق بتعاون محتمل بين منصة «Visegrad24» البولندية، المعروفة بتأثيرها الرقمي الواسع وارتباطها ببيئات اليمين المتطرف في أوروبا الوسطى والشرقية، ووزارة الخارجية الإماراتية.

وتركّزت هذه النقاشات حول دعم سردية أبوظبي في الغرب، لا سيما في ما يتعلق بمحاربة «الإسلام الراديكالي»، وتقديم الإمارات كنموذج للاستقرار ومكافحة التطرف.

غير أن أهمية هذه الوثائق لا تكمن في مجرد وجود قنوات تواصل، بل في الكيفية التي يُدار بها هذا التقارب.

فقد كشفت الوثائق عن مذكرة داخلية صادرة عن إدارة الاتصال الإستراتيجي في وزارة الخارجية الإماراتية بتاريخ 28 أغسطس/آب 2024، اعتبرت أن خطة التعاون التي اقترحتها منصة «Visegrad24» قابلة للتنفيذ، وقد تسهم في تحسين صورة الإمارات لدى الجمهور الغربي.

وفي الوقت نفسه، حذّرت المذكرة من أن أي تعاون مباشر وعلني قد يفضي إلى إشكالات دبلوماسية أو سياسية أو إعلامية مع دول أخرى، بسبب الخطاب الحاد الذي تتبناه المنصة ضد أطراف مثل قطر وإيران وروسيا، فضلًا عن تبنيها العلني للسردية الإسرائيلية في العدوان على غزة.

ويفسّر هذا التناقض توصية الوزارة بأن يتم أي تعاون محتمل عبر كيان غير رسمي، مع الاعتماد على واجهات إعلامية وشخصيات لا ترتبط رسميًا بالحكومة الإماراتية.

وبالفعل، تشير الوثائق إلى إعداد قائمة من ست شخصيات ومؤثرين إماراتيين، من بينهم مستشارون إعلاميون، وكتّاب أعمدة، وباحثون، ومسؤولون سابقون، أُوكلت إليهم مهمة إنتاج محتوى يخدم سردية أبوظبي، ويغذّي منصات مثل «Visegrad24» بمواد جاهزة للنشر، تتراوح بين سلاسل منشورات، ومقابلات، وتحليلات سياسية.

كما تكشف الوثائق أن المنصة البولندية عرضت على أبوظبي إنتاج فيلمين وثائقيين بعنوانين دالّين: «مقاربة الإمارات لمكافحة الإسلام الراديكالي» و«الإمارات صانع سلام إقليمي»، إلى جانب ما تصفه بقدرتها على دعم حملات العلاقات العامة في مناطق أوروبية لا تحظى باهتمام كبير، مثل أوروبا الوسطى والشرقية ودول البلطيق.

وبحسب ما تروّجه المنصة، فإن قاعدتها الجماهيرية تضم 38 بالمئة من أميركا الشمالية، و40 في المئة من أوروبا، و8 في المئة من الشرق الأوسط، كثير منهم من إسرائيل، إضافة إلى عشرات الآلاف من الصحفيين والشخصيات المؤثرة.

تحالف اليمين

عمليًا، تشير مجلة «إنتيليجنس أونلاين» إلى أن ملامح هذا التعاون لم تعد حبيسة الوثائق، بل بدأت تنعكس بوضوح على المحتوى المنشور عبر المنصات المعنية.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، أعاد حساب «Visegrad24» نشر خطاب قديم لوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان يعود إلى عام 2017، دعا فيه أوروبا إلى الحذر من جماعة الإخوان المسلمين، مرفقًا ذلك بتعليق رأى فيه أن كلمات الوزير «تبدو اليوم أكثر نبوءة من أي وقت مضى».

وبالتوازي، اصطف الحساب بشكل متزايد مع مواقف أبوظبي في ملفات إقليمية حساسة، من بينها الحرب في اليمن، والسيطرة على سقطرى، والتشدد تجاه إيران، إضافة إلى الدفع باتجاه الاعتراف بإقليم أرض الصومال.

هذا الحضور الرقمي لم يكن معزولًا عن تقارب سياسي مباشر، إذ باتت شخصيات بارزة من تيارات اليمين المتطرف في بريطانيا وفرنسا تتردد على الإمارات، أو تعبّر علنًا عن إعجابها بنموذجها السياسي والأمني.

فقد أشاد نايجل فاراج، زعيم حزب «ريفورم يو كيه» البريطاني اليميني المتطرف، بالإمارات تعليقًا على تقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز»، كشف عن قرار أبوظبي وقف تمويل طلاب إماراتيين في جامعات بريطانية، بدعوى تأثر بعض المؤسسات التعليمية بنفوذ جماعة الإخوان المسلمين.

وفي فرنسا، أعاد جوردان بارديلا، زعيم حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، تغريد منشورات داعمة للإمارات، كما سبق له زيارة أبوظبي في يونيو/حزيران 2025، حيث التقى شخصيات رفيعة في هرم السلطة.

وعلى الرغم من رفض مكتبه التعليق على طبيعة تلك اللقاءات، فإن تكرار هذه الزيارات والتصريحات يعزز الانطباع بوجود قنوات تواصل تتجاوز حدود المجاملات الدبلوماسية التقليدية.

ويبدو أن الرهان الإماراتي على توظيف صعود اليمين المتطرف الأوروبي آخذ في التوسع، إذ باتت أبوظبي طرفًا فاعلًا في معاركه السردية داخل الغرب، لا مجرد داعم من الخلف.

حرب سرديات

وفي عام 2021، كشفت تقارير صادرة عن «المجهر الأوروبي لقضايا الشرق الأوسط»، وهو مركز بحثي أوروبي معني برصد تفاعلات ملفات المنطقة داخل الفضاء الأوروبي، عن تقديم دولة الإمارات دعمًا ماليًا وإعلاميًا لمركز ينشط في النمسا.

ووفق تلك التقارير، يُتهم هذا المركز بلعب دور محوري في تشويه صورة الجاليات العربية والإسلامية، ليس داخل النمسا فحسب، بل في عدد من الدول الأوروبية الأخرى.

وبحسب رصد «المجهر الأوروبي»، حظي مركز «توثيق الإسلام السياسي» في فيينا بتغطية إعلامية لافتة من وسائل إعلام إماراتية، في مقدمتها موقع «العين الإخباري»، الذي قدّمه كنموذج يُحتذى به في مكافحة التنظيمات المتطرفة، وروّج لإمكانية استنساخ تجربته في عواصم أوروبية أخرى، من بينها برلين، في حال نجاحه داخل النمسا.

وكان المركز قد أُطلق في أغسطس/آب 2020، على غرار مراكز أوروبية تُعنى بتوثيق اليمين المتطرف، بزعم دراسة تنظيمات الإسلام السياسي وتحليل آليات عملها. غير أن منتقديه يرون أنه تجاوز الإطار البحثي الأكاديمي، لينخرط في ممارسة دور تحريضي يستهدف الجاليات المسلمة، عبر تعميم خطاب يربط بين الهوية الدينية والتطرف السياسي.

وأشار «المجهر الأوروبي» إلى أن وسائل إعلام إماراتية أفردت مساحات واسعة لتغطية أنشطة المركز وتقاريره، في سياق اعتبره محاولة منظمة للترويج له وتعزيز حضوره داخل النقاش العام الأوروبي.

كما أفاد بوجود دعم مالي إماراتي منتظم للمركز، عبر ميزانية سنوية، يندرج ضمن ما وصفه بأنشطة نفوذ إماراتية مثيرة للجدل داخل أوروبا.

ويترأس مركز «توثيق الإسلام السياسي» مهند خورشيد، المعروف بنشاطه في معاداة تيارات الإسلام السياسي والتشريعات ذات المرجعية الإسلامية، ويُعدّ، وفق مصادر أوروبية، من الشخصيات القريبة من لوبيات إماراتية فاعلة داخل القارة.

كما تربطه علاقات وثيقة بحزب الشعب النمساوي اليميني، أحد أعمدة الائتلاف الحاكم، والذي يتبنى خطابًا متشددًا تجاه الإسلام.

وفي عام 2024، تفجّرت في فرنسا فضيحة وضعت دولة الإمارات في قلبها، بعد أن كشف القضاء الفرنسي عن شبهات تتعلق بعمليات تمويل غير مشروع نفذتها أطراف خارجية لصالح حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، المعروف بعدائه الصريح للإسلام والمسلمين.

ويرتبط التحقيق، الذي باشره مكتب المدعي العام في باريس، بحملة زعيمة الحزب مارين لوبان خلال الانتخابات الرئاسية.

وتُعدّ هذه القضية، بحسب مراقبين، ثاني فضيحة كبرى من هذا النوع تطال الإمارات داخل أوروبا، بعد ملفات سابقة تعلقت باتهامات بالتجسس على مواطنين أوروبيين، ولا سيما من أبناء الجاليات المسلمة، وتشويه سمعتهم تحت غطاء ملاحقة جماعة الإخوان المسلمين.

وفي تفاصيل القضية، أفاد تلفزيون «BFMTV» الفرنسي، نقلًا عن مصادر قضائية، بأن مكتب المدعي العام في باريس فتح تحقيقًا قضائيًا في شبهات تمويل غير قانوني لحملة مارين لوبان الرئاسية.

وأكد المكتب، في 9 يوليو/تموز 2024، أن فتح التحقيق جاء بناءً على مذكرة قضائية أصدرتها اللجنة الوطنية لحسابات الحملات الانتخابية والتمويل السياسي (CNCCFP)، بعد رصدها وقائع يُحتمل أن تشكّل جرائم جنائية.

وبحسب ما نقلته «BFMTV»، أوضحت اللجنة الوطنية أنها أحالت هذه الوقائع إلى النيابة العامة التزامًا بصلاحياتها القانونية.

وفي هذا السياق، أصدرت اللجنة تقريرًا رسميًا إلى مكتب المدعي العام في باريس، استنادًا إلى المادة 40 من القانون، يتعلق بحسابات حملة مارين لوبان الانتخابية.

وأعاد هذا التطور إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول طبيعة وأهداف أي تمويل إماراتي محتمل لتيارات اليمين المتطرف في أوروبا.

وتتقاطع هذه الشبهات مع ما نشره موقع «ميديا بارت» الاستقصائي الفرنسي في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2016، حين أشار إلى سعي حزب «التجمع الوطني» للحصول على تمويل من دولة الإمارات لدعم حملاته الانتخابية، مرجعًا ذلك إلى ما وصفه آنذاك بـ«المعركة المشتركة» بين الحزب وأبوظبي ضد ما يُسمّى «الإرهاب الإسلامي».

اليمين السويسري

في 23 مايو/أيار 2019، قال رئيس مجلس الشورى الإسلامي في سويسرا، عبد الله نيكولاس، في مقابلة مع قناة الجزيرة، إن «هناك دولًا عربية، من بينها الإمارات، تحرّض على المسلمين، وتقدّم معلومات لأحزاب يمينية متطرفة في سويسرا تتبنى خطابًا معاديًا للإسلام».

وجاء ذلك ردًا على سؤال حول ما إذا كان هناك رابط بين الحملة الجارية في بعض الدول العربية لتصنيف «الإسلام السياسي» بالإرهاب، كما حدث في السعودية والإمارات ومصر، وبين ما يجري في أوروبا من تصاعد لخطاب اليمين المتطرف.

وقال نيكولاس: «أعتقد أن هناك توجّهًا في المنطقة قد يكون أخطر مما يبدو. هذه الدول تساعد اليمين المتطرف في رصد المعلومات، وتحرض الحكومات الأوروبية ضد من تعتبرهم مصدر تهديد لها، مثل جماعة الإخوان المسلمين، عبر تزويدها بمعلومات أمنية تدفع تلك الحكومات إلى التحرك».

وعن دوافع دعم الإمارات لأحزاب تناهض الإسلام والمسلمين، قال رئيس مجلس الشورى الإسلامي في سويسرا: «لأن هناك توجّهًا يراد منه إبعاد المسلمين عن تمسّكهم بهذا الدين العظيم، ودفعهم إلى الالتزام بما يشبه دينًا جديدًا مفصّلًا على المقاس الأوروبي، بعيدًا كل البعد عن جوهر الإسلام».

وأضاف: «هذه إحدى الوسائل التي تُستخدم لإحداث فرقة بين المسلمين، عبر تقسيمهم إلى ما يسمى “المسلم الجيد” و"المسلم الراديكالي"».

وردا على سؤال حول ما إذا كانت الإمارات تسعى إلى فرض تصور غير صحيح عن المسلمين، وتدفع أموالًا لأحزاب تناهض الإسلام والمسلمين، أجاب نيكولاس: «نعم. اطّلعت على وثيقة تُظهر وجود دعم إماراتي لهذه التيارات، ولما يسمى مدارس فكرية جديدة تسعى إلى تغيير الإسلام، بدلًا من دعم المسلمين أنفسهم».

شبكة الإسلاموفوبيا

في 28 يناير/كانون الثاني 2026، كشفت منصة «إيكاد»، المتخصصة في تحقيقات المصادر المفتوحة، عن رصد أكثر من 330 ألف حساب ضمن شبكة حسابات مرتبطة بالإمارات، نفذت ما يزيد على 720 ألف تفاعل رقمي استهدف مهاجمة الإسلام والمسلمين في أوروبا، في واحدة من أوسع حملات التحريض الممنهج التي يتم توثيقها في هذا السياق.

وكانت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية قد نشرت، في 29 مارس/آذار 2019، تقريرًا حمّلت فيه بعض الأنظمة العربية، وفي مقدمتها الإمارات، مسؤولية رئيسية عن تصاعد ظاهرة معاداة الإسلام، أو ما يُعرف بـ«الإسلاموفوبيا»، في الغرب.

وعزت المجلة ذلك إلى تعاون هذه الأنظمة مع أحزاب اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية، بهدف ترسيخ سرديات تخدم بقاء أنظمتها الاستبدادية، عبر تصوير الإسلام السياسي بوصفه تهديدًا شاملًا للأمن والاستقرار العالميين.

وقالت «فورين بوليسي» إن ثلاث دول عربية، هي الإمارات ومصر والسعودية، قدمت دعمًا مباشرًا أو غير مباشر لتيارات اليمين المتطرف في أوروبا خلال السنوات الماضية، في مسعى لتخويف الحكومات الغربية من جماعات الإسلام السياسي، لا سيما بعد وصول بعضها إلى الحكم في دول الربيع العربي عقب ثورات عام 2011.

وبحسب التقرير، تنفق هذه الأنظمة ملايين الدولارات على مراكز أبحاث، ومؤسسات فكر ورأي، وجهات أكاديمية، إضافة إلى جماعات ضغط، بهدف التأثير في دوائر صنع القرار بالعواصم الغربية، وتشويه صورة النشطاء السياسيين المحليين المعارضين لها.

وترى المجلة أن ملف «مكافحة التطرف» شكّل الجبهة المثالية لتسويق هذه الرواية، ومنحها غطاءً أخلاقيًا وأمنيًا مقبولًا في الغرب.

وفي هذا السياق، نقلت «فورين بوليسي» تصريحًا لوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان لقناة «فوكس نيوز» الأميركية، أدلى به بعد شهر من نقاش عام في الرياض عام 2017، قال فيه: «سقف حديثنا منخفض للغاية عندما نتحدث عن التطرف».

وأضاف: «لا يمكننا قبول التحريض أو التمويل. بالنسبة للعديد من الدول، يُعرّف الإرهاب بأنه حمل السلاح أو ترويع الناس، أما بالنسبة لنا، فالأمر أبعد من ذلك بكثير».

واختتمت المجلة تقريرها بالتحذير من العواقب الخطيرة لتنامي الإسلاموفوبيا المدعومة سياسيًا، قائلة: «الكلام ليس رخيصًا، فقد أظهرت أحداث نيوزيلندا أن الخطاب التحريضي يمكن أن يكون ثمنه أرواحًا بريئة».