بعد تمريره برلمانيا.. لماذا ترفض الجامعات في المغرب قانون أحنوش؟

"مضامين القانون من شأنها تدمير ما تبقى من مكتسبات الجامعة العمومية"
وسط غضب نقابي واسع ورفض أكاديمي وسياسي في المغرب، مررت حكومة عزيز أخنوش قانونا يتعلق بالتعليم الجامعي والبحث العلمي.
وصادق مجلس النواب خلال جلسة تشريعية في 20 يناير/كانون الثاني 2026، على مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي.
يأتي ذلك بعد أن صادق عليه مجلس المستشارين في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2025، فيما سبق اعتماده بمجلس الحكومة في 28 أغسطس/آب 2025.
وتركزت أبرز الانتقادات الموجهة للقانون الجديد على مستوى اعتماده دون إعمال "المقاربة التشاركية مع المتدخلين والفاعلين في القطاع”.
كما انتقدوا إهمال المشروع لضرورات تعزيز البحث العلمي، وتركيزه على مقترحات تؤدي إلى “خصخصة القطاع وتمكين الرأسمال منه، ضدا على حقوق الفئات الهشة والضعيفة”.
استهداف الموظفين
كما ركزت بعض الانتقادات على مستوى استهداف الموظفين في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وفي هذا الصدد، نظمت النقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية إضرابا وطنيا في 20 يناير 2026.
وبحسب موقع "إعلام تيفي" المحلي، انتقدت النقابة تراجع الوزارة عن التزامات سابقة تتعلق بإخراج نظام أساسي منصف ينظم أوضاع العاملين في القطاع.
كما انتقدت النقابة ما وصفته بـ"نهج التسويف والمماطلة، وغياب قنوات الحوار، وامتناع الوزارة عن عقد لقاءات مع ممثلي الموظفين لمناقشة مآل النظام الأساسي المنتظر".
وحذرت من أن الغموض الذي يكتنف الصياغة الحالية للقانون “قد ينعكس سلبا على الوضعية القانونية والمهنية للعاملين داخل المؤسسات الجامعية”.
وأكدت النقابة أن "خطوة الإضراب ليست سوى محطة أولى في مسار نضالي مفتوح إذا استمر الغموض وتعثر الحوار".
بدورها، خاضت "النقابة الوطنية للتعليم العالي" إضرابا وطنيا شاملا بالجامعات المغربية، في 22 يناير، بجميع مؤسسات التعليم العالي العمومي ومراكز البحث العلمي.
وقالت النقابة الوطنية في بيان بالمناسبة: إن خطوتها تأتي "دفاعا عن الجامعة العمومية، وحفاظا على المكتسبات، واحتجاجا على غياب الجدية في الحوار الاجتماعي".
وأوضحت أن الإضراب سيشمل مقاطعة جميع الأنشطة البيداغوجية (التربوية)، والأشغال التطبيقية والعلمية، وكذا الاجتماعات داخل مختلف هياكل مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث، مع استثناء الامتحانات والندوات، واللقاءات العلمية المبرمجة مسبقا.
وأعلنت النقابة الوطنية رفضها لمشروع قانون التعليم العالي الذي رأت أنه ينطوي على مخاطر حقيقية تمس هوية الجامعة العمومية، وتهدد مبادئ استقلاليتها ومجانيتها.
واسترسلت: "كما يفتح القانون الجديد الباب أمام الخوصصة والتراجع عن المكتسبات التاريخية التي راكمها التعليم العالي العمومي".

ملاحظات جوهرية
في قراءته للمشروع ومستجداته، أكد وزير التشغيل الأسبق والأستاذ الجامعي عبد السلام الصديقي، أن مشروع قانون التعليم العالي والبحث العلمي "يثير احتجاجات حقيقية من قبل هيئة التدريس والمنظمات الطلابية".
وانتقد الصديقي في حديث لـ"الاستقلال" ما وصفه بـ"غياب التشاور والحوار مع المعنيين الأوائل، أي الأساتذة والطلاب، واعتماد نص إستراتيجي بشكل متسرع وفي فترة عطلة".
كما انتقد الخوصصة المتزايدة للتعليم العالي العمومي و"تبضيعه"، والتراجع عن الحكامة الديمقراطية من خلال إعطاء أهمية أكبر للتعيينات المباشرة للمسؤولين. مشددا على أن الوزير "حقق إنجازا رائعا وهو خلق إجماع ضد المشروع".
وأكد الوزير الأسبق أن "الموضوع مهم للغاية، لدرجة أنه لا ينبغي أن يعالَج حصريا من قبل التقنيين في الوزارة؛ لأنه يتعلق بمستقبل شبابنا وتطور بلدنا، ولأن الجامعة قضية مجتمعية ذات أهمية قصوى".
وذكر أن الوزارة كان يجب أن تقوم بتشاور واسع بشأن المشروع، وأن تدخل عليه تعديلات على ضوء الرؤية الإستراتيجية للتعليم 2015-2030 والقانون الإطار رقم 51-17 المتعلق بنظام التربية والتكوين والبحث العلمي الذي ما يزال ساري المفعول.
وأشار الصديقي إلى أن الوزارة تجاهلت تماما كل التوصيات الصادرة عن هيئة دستورية، تتكون من رجال ونساء ينتمون إلى المهنة ويعرفون جيدا عما يتحدثون، ويتعلق الأمر بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في رأيه الصادر منتصف 2025.
ونبه الأستاذ الجامعي إلى أن “الرفض الواسع للقانون تعني أنه يجب ألا يمر؛ لأن لا أحد مستعد لقبول هذه المهزلة”. مشيدا بـ"قرار المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي الرافض للقاء الوزير قبل سحب المشروع والعودة به إلى طاولة الحوار".

استقواء بالأغلبية
بدوره، رأى عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي، محمد بن مسعود، أن طريقة إعداد وتمرير مشروع القانون تعكس "منطق الاستقواء بالأغلبية العددية" داخل البرلمان، وهو ما سبق أن نهجته الحكومة في قوانين أخرى مرتبطة بالشأن التعليمي.
وقال ابن مسعود لصحيفة "صوت المغرب" في 18 يناير 2026، إن هذا الأسلوب يشكل "علامة على فشل النهايات والمآلات"؛ لأن المشاريع المفروضة لا تنتج التعبئة ولا الانخراط، وهما شرطا النجاح.
وسجّل المتحدث ذاته، على مستوى إعداد مشروع القانون، تشبث الحكومة ووزارة التعليم العالي بإقصاء الأساتذة والطلبة من المشاركة في بلورته، مع الإصرار على الانفراد بهذا الورش الإستراتيجي.
وعدّ ذلك "ضربا صارخا للمبدأ الدستوري للتشاركية، ما يجعل القانون فوقيا ومفروضا على الجامعيين".
وعلى المستوى البرلماني، أكد ابن مسعود أن "جميع مطالب ومقترحات المعارضة قوبلت بالرفض، باستثناء بعض الملاحظات الشكلية".
وأشار إلى أن جلسات المناقشة والتصويت، خاصة بمجلس النواب، اتسمت برفض منهجي دون تقديم مبررات مقنعة، حيث كان جواب الوزير الوصي يقتصر على عبارة "مقترح مرفوض".
أما بخصوص مضامين القانون، فرأى ابن مسعود أنها من شأنها "تدمير ما تبقى من مكتسبات الشعب المغربي في الجامعة العمومية ومنظومة البحث العلمي".
وفي هذا السياق، حذّر من استهداف استقلالية الجامعة وحريتها الأكاديمية، عبر فرض مجلس فوقي للتحكم والضبط، معين وله سلطة على مجلس الجامعة، بعد ما وصفه بـ"سطو مجلس الأمناء على صلاحياته"، إلى جانب تقليص عدد الأساتذة المنتخبين داخله، وهو ما عدّه خاضعا لهاجس أمني تحكمي.
كما انتقد ما اعتبره ضربا لمبدأ المجانية، من خلال ترسيم ما سُمّي بـ"التعليم الميسر" الذي يرى أنه في الواقع تعسير وتضييق لفرص التعلم مدى الحياة، وضرب لمبدأ تكافؤ الفرص، وحرمان فئات واسعة غير قادرة ماديا من استكمال تحصيلها الجامعي، في تعارض مع الدستور.
ورأى ابن مسعود أن القانون الجديد "فوّت بشكل فج وقاس قطاعا إستراتيجيا كالتعليم العالي إلى الرأسمال المحلي والأجنبي، في ضرب مباشر للجامعة العمومية".
ورأى أن هذا التوجه يعكس خضوعا لإملاءات المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
كما سجّل غياب أي التزامات حكومية واضحة بخصوص التمويل العمومي للجامعة، ودفعها إلى البحث عن مصادر تمويل في بيئة لا تؤمن إلا بمنطق الربح المالي.
وانتقد المتحدث ذاته أيضا ما عدّه تكريسا لمزيد من "البلقنة والتشتيت" داخل منظومة التعليم العالي، من خلال تمزيقها بين تعليم جامعي وآخر قطاعي وغير جامعي وخاص وشريك غير ربحي، ويرى أن ذلك يناقض التجارب العالمية الناجحة.
ونبّه ابن مسعود إلى أن القانون الجديد نزع عن الجامعة بعدها القيمي والرسالي، بعدما تمَّ حذف ترسيخ العقيدة والقيم الإسلامية من النص، مقارنة مع ما كان عليه الحال في القانون 00.01.

جوانب قانونية
خلال عرضه المشروع أمام البرلمان في 20 يناير، أفاد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين ميداوي، بأنه تم إعداد هذا النص "بتجرد كامل وبعيدا عن أي خلفيات أو تقديرات أيديولوجية".
وأبرز ميداوي أن "الهدف الأسمى هو تأهيل منظومة التعليم العالي وإيجاد الظروف الملائمة للجامعة المستقبلية، بما يمكنها من مواكبة مختلف التحولات والتطورات الكبرى".
وذكر الوزير أن التعديلات التي عرفها المشروع "تمت في إطار مقاربة تشاركية". مشيرا إلى أنه تم قبول 52 تعديلا بمجلس النواب و22 تعديلا بمجلس المستشارين.
كما نوَّه إلى إسهام البرلمانيين، أغلبية ومعارضة، في إغناء النقاش التشريعي، مؤكدا أن "الاختلاف بشأن بعض التعديلات غير المقبولة يعود إما لكونها مضمنة في مواد أخرى من المشروع، أو لاختلاف زوايا النظر حول بعض مقتضياته والتي قد تمس بجوهره".
وفيما يخص تعديلات مجلس المستشارين، أشار الوزير إلى أنها اقتصرت في مجملها على جوانب قانونية طفيفة، شملت إضافات وتصحيحات لغوية وتركيبية، فضلا عن التفاعل الإيجابي مع مطالب التمثيليات النقابية.
ومنذ مصادقة الحكومة على مشروع قانون التعليم العالي والبحث العلمي، شهد الشارع المغربي تعبيرات متعددة رافضة لمضامينه، ومن ذلك ما أكَّدت عليه عدد من الأحزاب، خاصة في صفوف المعارضة.
وفي هذا الصدد، رأى الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، عبد السلام العزيز، أن المسار الذي سلكه مشروع القانون انطوى على تحولات عميقة قد تؤثر سلبا على استقلال الجامعة العمومية ووظيفتها الأكاديمية والمجتمعية، بدل أن يشكل مدخلا لإصلاح حقيقي للمنظومة.
وأكّد العزيز خلال ندوة صحفية في 24 ديسمبر 2025، أن النص التشريعي المقترح لا يمكن فصله عن اختيارات سياسية واقتصادية أوسع، ويرى أنه يعكس توجها يفرغ الجامعة من مضمونها الديمقراطي، ويحد من دورها كمجال مستقل لإنتاج المعرفة والتفكير النقدي.
وحذر القيادي الحزبي من أن "المشروع الجديد يهدد المكتسبات التي حققتها الجامعة العمومية ويضعف دورها المجتمعي والمعرفي".
وتوقف العزيز عند التعديلات المرتبطة بالحكامة الجامعية، ويرى أن إعادة هيكلة أجهزة التسيير، بما يقلص من صلاحيات الهيئات المنتخبة داخل الجامعة، ويمنح أدوارا موسعة لهيئات تضم فاعلين من خارج الحقل الأكاديمي، يشكل مساسا جوهريا باستقلال القرار الجامعي، ويكرس منطق الوصاية الإدارية على حساب الحرية الأكاديمية والديمقراطية الداخلية.
كما انتقد التصور المعتمد فيما يخص الاستقلالية المالية، موضحا أن ربط تمويل المؤسسات الجامعية بعقود الأداء ومؤشرات النجاعة السوقية، يهدد استقرار البحث العلمي وجودة التكوين، ويفتح المجال أمام منطق الربحية داخل مؤسسة يفترض أن تظل في صلب الخدمة العمومية.
أما عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، الباتول أبلاضي، أن الرفض الواسع لمشروع القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، سيعمق أزمة الثقة بين الوزارة الوصية وشركائها في الإصلاح وخاصة الأساتذة الجامعيين.
وأضافت أبلاضي خلال المناقشة العامة لمشروع القانون في اجتماع لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، أن "تعميق أزمة الثقة لن يوفر البيئة السليمة لتنزيل أي إصلاح، خصوصا أن مشروع القانون لا يستجيب لمطالب الأساتذة الجامعيين".
واسترسلت: “بل يقزم المشروع دور الأستاذ الجامعي والباحث الأكاديمي، ويجعل هذا الأخير خاضعا لحسابات تتناقض مع معايير البحث العملي ووظيفة الجامعة في البحث العلمي وإنتاج المعرفة ونقلها”.
واتهمت أبلاضي، الحكومة بالحرص المستمر على إنتاج الأزمات واختلاقها، ونهجها سياسة الآذان الصماء، تجاه التحذيرات والانتقادات، وتجاهل الأصوات المعارضة.
وأشارت إلى انتقاد المعارضة لتحويل مجالس الجامعات إلى هياكل استشارية وفي أحسن الحالات تنفيذية، وتم تجريدها من صلاحياتها واختصاصاتها التقريرية، وتحويلها إلى هيكل مؤسساتي تابع وخاضع لما يسمى بمجلس الأمناء.
وأكَّدت النائبة البرلمانية أن “مجالس الجامعات، سيتم تشكيلها بكيفية يهيمن فيها منطق التعيين بدلا من الانتخاب، دون ضمانة قانونية أو مؤسساتية، بأن يتولى رئاسته شخصية أكاديمية ذات صلة بالجامعة أو البحث العلمي”.
















