عين العرب تشتعل.. "قسد" تستخدم المدنيين كورقة ضغط وناشطون: مغامرة الانتحار

التنظيم استهدف الطريق الدولي “M4” والقرى المحيطة به في محيط منطقة عين العرب
في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين الحكومة السورية ومليشيا “قسد” (التي تُعدّها دمشق واجهة لتنظيم “واي بي جي” المصنف إرهابيا)، استهدفت المليشيا مواقع انتشار قوات الجيش السوري في محيط منطقة عين العرب (كوباني) شمالي البلاد، مستخدمة أكثر من 25 طائرة مسيّرة انتحارية، ما أسفر عن تدمير أربع آليات عسكرية وإصابة عدد من المدنيين، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين.
وأعلن الجيش السوري، في 25 يناير/كانون الثاني 2026، أن مليشيا “قسد” خرقت اتفاق وقف إطلاق النار عبر استهداف مواقع انتشار قواته في محيط عين العرب. مؤكدا أنه يدرس حاليا خيارات الرد المناسبة.
وأفادت وكالة الأنباء السورية “سانا” بأن هيئة العمليات في الجيش العربي السوري أعلنت إصابة عدد من المدنيين وتدمير أربع آليات عسكرية، جراء ما وصفته بتصعيد مليشيا “قسد” وخرقها اتفاق وقف إطلاق النار.
وأضافت الهيئة أن المليشيا استهدفت أيضا الطريق الدولي “M4” والقرى المحيطة به في محيط منطقة عين العرب عدة مرات، ما أدى إلى إصابة عدد من المدنيين، دون تحديد حصيلة دقيقة للإصابات.
وأوضحت الوكالة أن “قسد” تواصل ما وصفته بـ”نهج الاعتقال الممنهج” بحق الأهالي؛ حيث أقدم عناصر المليشيا على محاصرة عدد من السكان في محيط قرية الشيوخ بمنطقة عين العرب، في محاولة لاعتقال أبنائهم، الأمر الذي أدى إلى اشتباكات مع الأهالي وسقوط إصابات في صفوفهم.
ولفتت هيئة العمليات إلى أن الجيش السوري يدرس خياراته الميدانية ردا على استهداف الأهالي ومواقع انتشاره. مؤكدة أنه “سيقوم بما يلزم” لحماية المدنيين والقوات المنتشرة في المنطقة.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الدفاع السورية أن قوات الجيش تمكنت من إسقاط عدة مسيّرات انتحارية تابعة لمليشيا “قسد” قبل وصولها إلى أهدافها، ومنعها من استهداف طرقات ومنازل المدنيين في محيط عين العرب. وفق ما نقلته قناة “الإخبارية” السورية.
وقالت القناة: إن مليشيا “قسد” تحاصر الأهالي في عين العرب وتمنعهم من التوجه نحو مناطق انتشار الجيش العربي السوري، ما يضطر بعضهم إلى مغادرة المنطقة عبر قوارب صيد.
وفي وقت سابق من يوم الأحد، استهدفت مليشيا “قسد” منازل وآليات في بلدة صرين والقرى المحيطة بها في ريف حلب الشمالي، مستخدمة أكثر من 15 طائرة مسيّرة انتحارية، ما أدى إلى أضرار مادية طالت آليات ومنازل الأهالي، دون تسجيل خسائر بشرية. بحسب وكالة “سانا”.
وقبل ذلك بساعات، أعلن الدفاع المدني السوري في بيان على منصة “تلغرام” أن مليشيا “قسد” جدّدت قصف مناطق في ريف حلب، مستهدفة منزلا بصاروخ أُطلق من مناطق سيطرتها في مدينة عين العرب.
وكانت وزارة الدفاع السورية قد أعلنت، مساء الثلاثاء، وقف إطلاق النار في جميع قطاعات عمليات الجيش لمدة أربعة أيام، التزاما بالتفاهمات المعلنة مع “قسد”، قبل أن يتم تمديد القرار لمدة 15 يوما بدءا من مساء السبت.
ويأتي ذلك في أعقاب توقيع اتفاق، في 18 يناير/كانون الثاني الجاري، بين الحكومة السورية ومليشيا “قسد”، يقضي بوقف إطلاق النار ودمج عناصر ومؤسسات المليشيا ضمن مؤسسات الدولة السورية. إلا أن الحكومة السورية اتهمت المليشيا بمواصلة ارتكاب استفزازات وخروقات وصفتها بـ”التصعيد الخطير”.
وجاء الاتفاق بعد عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري، استعاد خلالها مناطق واسعة في شرق وشمال شرق البلاد، عقب خروقات متكررة من “قسد” لاتفاقات سابقة موقعة مع الحكومة قبل نحو عشرة أشهر، وتنصلت المليشيا من تنفيذ بنودها.

قنوات مفتوحة
وسبق أن تنصلت “قسد” أيضا من تنفيذ اتفاق مارس/آذار 2025 الذي ينص على احترام المكون الكردي ضمن حقوق متساوية لجميع مكونات الشعب السوري، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق البلاد ضمن إدارة الدولة.
وبالتزامن مع التصعيد الميداني في جبهة عين العرب بريف حلب الشرقي، أعلن قائد “قسد” مظلوم عبدي أن وقف إطلاق النار الحالي “جاء بطلب من الجيش الأميركي”. مؤكدا أن قواته تسعى إلى استغلال فترة الهدنة لإحراز تقدم عملي في تنفيذ اتفاق 18 يناير.
وقال عبدي، في مقابلة تلفزيونية على قناة “روناهي” الكردية: إن “قسد” مستعدة لتطبيق الاتفاق خلال فترة قصيرة. مشيرا إلى وجود تفاهمات حول عدد من النقاط، مع استمرار المفاوضات ووجود مطالب متبادلة بين الطرفين.
وأضاف أن قنوات التواصل مع الحكومة السورية مفتوحة بشكل يومي، وأن الولايات المتحدة منخرطة في مسار التفاوض عبر مؤسساتها السياسية والعسكرية.
وأوضح عبدي أن أي حل يتعلق بمدينتي عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي والقامشلي في محافظة الحسكة، يجب أن يشمل أيضا مدينتي رأس العين (سري كانييه) وعفرين، اللتين تسيطر عليهما القوات السورية. مشددا على أن “المناطق ذات الغالبية الكردية خط أحمر”.
وأكد أن “قسد” ستواصل ما وصفها بـ”المقاومة” إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي مع دمشق. معتبراً أن عين العرب ستقود المرحلة الحالية كما حدث عام 2014.
في المقابل، قالت “قسد” في بيان صادر عن مركزها الإعلامي: إن الجيش السوري شنّ، منذ فجر اليوم، هجمات برية ومدفعية مكثفة على بلدتي خراب عشك والجلبية، بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران المسيّر التركي، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة لا تزال مستمرة، لا سيما في بلدة الجلبية.
ورأت “قسد” أن هذه الهجمات تمثل “خرقا واضحا لاتفاق وقف إطلاق النار”، محمّلة دمشق المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته الإنسانية والأمنية.
من جهتهم، ندد ناشطون بما وصفوه بخرق “قسد” المتواصل للهدنة، ويرون أن المليشيا تروّج لمزاعم وادعاءات كاذبة بهدف إشعال المنطقة، ومعربين عن استيائهم من التزام الحكومة السورية بالهدنة من طرف واحد، رغم خروقات “قسد” المستمرة منذ اليوم الأول وعجز قيادتها عن ضبط المشهدين الأمني والعسكري.
وأكد الناشطون، عبر منشورات وتغريدات على منصتي “إكس” و”فيسبوك”، ضمن وسوم عدة أبرزها: #عين_العرب، #قسد، #الجيش_السوري، أن تصعيد “قسد” وما ترتكبها من انتهاكات يعكس استمرار سياسة القمع واستهداف المدنيين الأبرياء.

خرق صريح
وندّد حقوقيون وناشطون بإقدام مليشيا “قسد” على إطلاق 25 طائرة مسيّرة انتحارية من مدينة عين العرب باتجاه منازل الأهالي في منطقة صرين، عادّين ذلك خرقا واضحا لاتفاق وقف إطلاق النار.
ودعا الناشطون إلى الإسراع في تحرير المنطقة ووضع حد نهائي لسيطرة ما وصفوها بـ”عصابات قسد”، مؤكدين أن استهداف المدنيين يكشف مجددا طبيعة المليشيا ونهجها القائم على التصعيد وفرض الأمر الواقع بالقوة.
وتداول ناشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي منشورات وتصريحات حمّلوا فيها “قسد” المسؤولية الكاملة عن تعريض حياة المدنيين للخطر، ويرون أن هذه الهجمات تشكل مبررا كافيا لإنهاء وجود المليشيا في عين العرب، لا سيما في ظل غياب أي مبررات أمنية حقيقية، مثل وجود سجون لعناصر “داعش” داخل المدينة.
ثقة بالحكومة
في المقابل، أعرب آخرون عن ثقتهم في قدرة الحكومة السورية والجيش العربي السوري على ردع “قسد” ومنعها من استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع أو التحصين.
وأشاروا إلى أن الضربات المدفعية والجوية التي نفذها الجيش على جبهة عين العرب جاءت في إطار تثبيت قواعد الاشتباك، وإيصال رسالة واضحة بأن أي خرق للاتفاق سيُواجَه برد فوري وحاسم.
وأكّدت منشورات متداولة أن تمديد المهلة ووقف إطلاق النار جاءا حرصا على حقن الدماء وإتاحة الفرصة للحلول الوطنية، وليس ضعفا أو تراجعا، محذرين من أن أي تصعيد جديد من جانب “قسد” سيفضح نواياها الحقيقية ويُسقط عنها أي ادعاءات بالالتزام السياسي.
قائد مليشيا
وبرزت تحليلات واسعة لتصريحات قائد “قسد” مظلوم عبدي، عدها ناشطون ومحاضرون سياسيون محاولة مكشوفة للالتفاف على الاتفاقات، ودفع الأكراد نحو مواجهة مباشرة مع الدولة السورية والمجتمع المحلي والعشائر العربية.
وسخر كثيرون من حديث عبدي عن “المقاومة” وإعادته استحضار سردية عام 2014، مؤكدين أن الظروف تغيّرت جذريا، وأنه لم يعد يواجه تنظيما إرهابيا، بل دولة ذات سيادة وحكومة شرعية معترف بها دوليا وعضوا في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
وأشار ناشطون إلى أن عبدي يقود اليوم مليشيا مسلحة خارجة عن القانون، ولا يملك شرعية تمثيل الأكراد، متهمين إياه بتزييف هوية مناطق ذات غالبية عربية، واستخدام الخطاب القومي غطاءً لمشاريع نفوذ وسيطرة.
كما جرى التشكيك في سردية “كوباني كرمز للمقاومة”؛ حيث أكّد محللون أن ما جرى عام 2014 لم يكن ليتحقق لولا تدخل التحالف الدولي وتسهيلات إقليمية، ويرون أن تضخيم هذا الدور بات أداة سياسية للاستهلاك الداخلي لا أكثر.
منظمة ارتزاق
وفي السياق ذاته، هاجم باحثون وإعلاميون مليشيا “قسد”، منتقدين سوء تقديره للمشهدين الإقليمي والدولي، ومسلطين الضوء على بنيتها ووظيفتها وأهدافها الحقيقية، مع تقديم نصائح صريحة لها بضرورة الإسراع في تسوية أوضاعها مع الدولة السورية.
وأكّد الباحث في العلوم السياسية ماجد عبد النور أن “قسد” أخفقت في إدارة علاقتها مع الحكومة السورية، وأسأت قراءة التوازنات، ما أوقعها في مأزق سياسي مزدوج.
وأشار إلى أن دمشق جاملت المليشيا لأكثر من عام، وامتنعت عن دعم قوى كردية أخرى، بهدف إنجاح مسار الحوار، إلا أن “قسد” فسّرت ذلك على أنه ضعف، فرفعت سقف مطالبها وخسرت لاحقا ما وصفه بـ”فرصة تاريخية لن تتكرر”.
وأضاف عبد النور أن أي وفد مقبل لـ”قسد” إلى دمشق لن يكون ممثلا وحيدا للأكراد، بل سيشهد حضور قوى وشخصيات كردية أخرى ذات تمثيل حقيقي في الشارع، في مؤشر على تراجع احتكار التنظيم للقرار الكردي.
من جهته، شدد الصحفي إياد الدليمي على أن “قسد” لا تمثل الأكراد، بل تتاجر بقضاياهم، واصفا إياها بتنظيم مسلح يسعى وراء مصالحه الخاصة. ومشيرا إلى أن ممارساته وسجونه كشفت عن مستوى من الإجرام لا يقل عن إجرام تنظيم داعش والمليشيات الإيرانية.
أما الإعلامي فيصل القاسم، فرأى أن القرى والمناطق الكردية باتت خارج أي استهداف عسكري، وهو أمر واضح للجميع، إلا أن ذلك يجب ألا يُفهم كضوء أخضر للتعنت أو الاستفزاز، محذرا من أن هذا السلوك سيقود “قسد” إلى العزلة والخروج من معادلة التاريخ والجغرافيا.
وفي السياق ذاته، وصف رسام الكاريكاتير عمار آغا القلعة “قسد” بأنها منظمة ارتزاق صُممت لاستخدامها كأداة وظيفية في المنطقة، ويرى أن بنيتها الهشة ستتفكك سريعا عند أول مواجهة حقيقية، عسكريا وتاريخيا.
















