تهديدات ترامب بضم غرينلاند.. كيف تؤثر على سياسة أوروبا إزاء إيران؟

"هذا الانتقائية تضر بالاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية وتضعف الثقة به"
في أعقاب التدخلات الاستعمارية التي أعلنتها الولايات المتحدة ضد إيران خلال الفترة الأخيرة، يرى مراقبون أن الاتحاد الأوروبي اتجه إلى تبني خطاب أكثر تشددا بشكل لافت حيال طهران.
فقد وجهت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا رسالة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، اقترحت فيها تشديد العقوبات على حكومة طهران تحت شعار "دعم المجتمع المدني الإيراني".
مؤكدة أن ردا منسقا وحازما من جميع مؤسسات الاتحاد ضروري للحفاظ على مكانته والتزامه بحقوق الإنسان.
وشددت ميتسولا في رسالتها على أن الاحتجاجات في إيران تمثل "مطلبا قويا وواضحا للتغيير"، واقترحت توسيع قائمة المسؤولين الإيرانيين المشمولين بالعقوبات الأوروبية بدعوى "القمع وانتهاكات حقوق الإنسان"، وإدراج "الحرس الثوري الإيراني" في قائمة المنظمات الإرهابية، إضافة إلى بحث فرض عقوبات تجارية لزيادة الضغط على النظام.
كما دعت إلى تشديد الرقابة على تصدير التقنيات التي يمكن استخدامها في مراقبة الاحتجاجات وقمعها، والعمل على التعاون مع شركات الاتصالات لبحث سبل إعادة خدمة الإنترنت للإيرانيين.
من جانبها، أعلنت فون دير لاين أن العمل جار بالفعل على إعداد قيود جديدة ضد القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذه الإجراءات تمثل وسيلة الاتحاد الأوروبي لـ "دعم الشعب الإيراني".
وتعليقا على هذه الخطوات، قال موقع "آر تي" الروسي: إن "تصعيد الخطاب الأوروبي لا يعكس بالضرورة ثباتا في النهج الخارجي للاتحاد، بقدر ما يعكس سعي بروكسل إلى التماهي مع منطق واشنطن، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابا على المفاوضات بين أوروبا وأميركا حول مستقبل جزيرة غرينلاند".

لعبة العقوبات
وفي سياق الإجراءات العقابية، أصدرت ميتسولا، في 12 يناير/ كانون الثاني 2026، قرارا يقضي بمنع الدبلوماسيين الإيرانيين من دخول البرلمان الأوروبي، وذلك بهدف "عدم توفير أي منصة قد تُستخدم في إضفاء شرعية على النظام".
كما أعلنت أورسولا فون دير لاين دعمها لفكرة تشديد العقوبات على إيران، وأوضحت عبر حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي أن الاتحاد الأوروبي وسع القيود لتشمل الحرس الثوري الإيراني بكامل هيكله.
وأضافت فون دير لاين: "بالتعاون الوثيق مع الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، ستطرح قريبا عقوبات إضافية بحق المسؤولين عن القمع"، مؤكدة في الوقت ذاته تضامنها مع الشعب الإيراني الذي وصفته بأنه "يسير بشجاعة نحو الحرية".
من جانبها، تبنت كالاس الموقف ذاته، ففي مؤتمر صحفي خلال زيارتها إلى برلين، صرَّحت بأن الاتحاد الأوروبي يعمل على تهيئة الظروف التي تسمح للشعب الإيراني بإسقاط سلطاته بنفسه.
وقالت: "التاريخ يثبت أن سقوط أي سلطة يتطلب وجود بدائل داخلية تتيح للدولة الاستمرار في العمل. ولهذا السبب نحن ندعم المجتمع المدني الإيراني بقدر ما نستطيع".
في المقابل، أثارت تصريحات كالاس انتقادا حادا من المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، التي وصفت موقف الاتحاد الأوروبي تجاه إيران بأنه "تجاوز للحدود".
وأكدت أن حديث الاتحاد عن الاعتماد على المجتمع المدني داخل إيران لإسقاط الحكومة يمثل "هجوما مباشرا ودعما مكشوفا للتحركات المناهضة للسلطات".
وأضافت: "تخيلوا، في الوقت الذي يمارسون فيه ضغطا عقابيا خانقا، يطالبون في الوقت نفسه باحترام حرية التعبير وحرية التجمعات السلمية. هذا هو قمة التناقض والازدواجية".
وفي السياق ذاته، انتقدت موسكو ما وصفته بمحاولات أوروبا "إشعال النار" في الشرق الأوسط، فقد شدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في مقابلة مع وكالة "تاس" الروسية بمناسبة حصاد عام 2025، على أن الأوروبيين لا يتوقفون عن محاولة رسم خطوط انقسام جديدة في المنطقة.
وقال: "الأوروبيون يرون أن بناء علاقات حسن جوار راسخة بين دول الشرق الأوسط لا يخدم مصالحهم، ولذلك يسعون باستمرار إلى فرض خطوط فصل جديدة"
أما طهران، فقد رأت أن تصريحات المسؤولين الأوروبيين تدخل سافر في الشؤون الداخلية للدولة، ولذلك استدعت وزارة الخارجية الإيرانية في الثاني عشر من يناير/ كانون الثاني سفراء بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا، وطالبت حكوماتهم بوقف دعم الاضطرابات.
وبحسب التلفزيون الرسمي الإيراني، أبلغت الوزارة الدبلوماسيين رفضها "أي شكل من أشكال الدعم السياسي أو الإعلامي للمشاركين في أعمال الشغب"، كما عرضت عليهم تسجيلات وثائقية قالت: إنها تثبت تورط بعض المحتجين في أعمال عنف مسلح.
كما طالبت الخارجية الإيرانية هؤلاء السفراء بنقل هذه الأدلة إلى حكوماتهم ووقف دعم المحتجين.

استرضاء ترامب
وربطت المحللة السياسية، كارين غيفورجيان الموقف الأوروبي من إيران برغبة الاتحاد الأوروبي في إرضاء الإدارة الأميركية الحالية وتقليل المخاطر على نفسه، خاصة في ظل طموحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلقة بغرينلاند.
وقالت في حديثها للموقع الروسي: "في الاتحاد الأوروبي هناك رغبة شديدة في نيل رضا الإدارة الأميركية الحالية، لعلها لا تتعجل في موضوع غرينلاند".
وتابعت: "ومن خلال تصريحات الساسة الأوروبيين يبدو أنهم ينتقلون إلى ما يشبه اتفاق ميونيخ، أي سياسة استرضاء المعتدي".
واتفاق ميونيخ هو معاهدة وقعت في 30 سبتمبر/ أيلول 1938 بين ألمانيا النازية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، سمحت لهتلر بضم إقليم السوديت من تشيكوسلوفاكيا، وكان الهدف المعلن منها تجنب اندلاع حرب كبرى، لكنها عُدّت لاحقا سياسة استرضاء شجعت التوسع النازي.
وشددت غيفورجيان على أن "كل الحديث عن تغيير القيادة في إيران بعيد عن الواقع، إذ لا توجد قوة يمكن أن تأتي من الخارج وتتمتع في الوقت نفسه بشرعية داخلية".
وأضافت: "من المستحيل تشكيل جهة قادرة على تولي السلطة في إيران وتحظى بشعبية كافية بين الناس. مثل هذا الكيان غير موجود".
واستطردت: "أما نجل آخر شاه (رضا بهلوي) فلا يصلح لهذا الدور؛ لأنه لا يملك السمعة اللازمة حتى في أوساط الجالية الإيرانية بالخارج".
وأوضح الموقع أن رؤية مشابهة طرحتها إيرينا فيودوروفا، الباحثة في التاريخ وخبيرة مركز الشرق الأوسط في معهد الدراسات الشرقية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم.
وأكَّدت أن "موقف الاتحاد الأوروبي من إيران يسير تماما في خط السياسة الأميركية ويهدف إلى خنق طهران اقتصاديا".
وقالت: "الهدف من العقوبات والخط الحالي هو جعل النظام في إيران خاضع للولايات المتحدة والدول الغربية. التركيز الآن على تشديد الضغط الاقتصادي وشن حرب إعلامية".
مضيفة أن "العقوبات التي يناقشها الاتحاد الأوروبي ليست سوى محاولة لمجاراة واشنطن وإظهار وحدة الموقف معها".
وأعربت فيودوروفا عن "شكوكها في أن تقدم الولايات المتحدة على خطوات قصوى ضد إيران أو توجيه ضربة عسكرية لها، وترى أن مثل هذا الإجراء قد يؤدي إلى نتيجة عكسية بتوحيد القوى المعارضة حول الحكومة في مواجهة العدوان الخارجي".
ورأت فيودوروفا أن "موقف الاتحاد الأوروبي يعكس ازدواجية واضحة في المعايير، خاصة في ظل غياب أي عقوبات ضد الولايات المتحدة بسبب تدخلاتها العسكرية في مناطق أخرى".
وقالت: "لا توجد عقوبات ضد الولايات المتحدة بسبب عمليتها لاعتقال رئيس فنزويلا. وهذا هو النهج الانتقائي في التعامل مع سيادة اللاعبين الدوليين الآخرين".

انتقائية ضارة
من جانبها، رأت غيفورجيان أن "هذه الانتقائية تضر بالاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية وتضعف الثقة به".
وقالت: "سلطة الاتحاد الأوروبي اليوم تتآكل أمام أعين الجميع، ولم يعد ينظر إليه ككيان مستقل؛ لأنه يعتمد كليا على الولايات المتحدة ويضطر إلى تكييف مساره وفقا لها، فكيف يمكن في هذه الحالة عدّه شريكا كاملا يمكن الاعتماد عليه".
وفي السياق ذاته، تبنى السياسي والمؤرخ وعضو مجلس إدارة الجمعية الروسية للعلوم السياسية فلاديمير شابوفالوف موقفا مشابها، مشددا على أن سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه إيران ستستقبل سلبا من بقية الدول، خصوصا في الجنوب العالمي.
وقال: "نرى انتقائية في التعامل مع السيادة، وسياسة ازدواجية المعايير، وروح استعمارية لم يتخلص منها الأوروبيون بعد، مع تجاهل للشعوب غير الأوروبية".
مضيفا: "ومن الطبيعي أن تستقبل هذه السياسة بالرفض في الجنوب العالمي؛ حيث لم تنس الكثير من الشعوب بعد العدوان الاستعماري الذي مارسته أوروبا على مدى قرون".
وفي تقييمه طويل المدى، أكد شابوفالوف أن "الاتحاد الأوروبي نحو رسم خطوط انقسام جديدة في الشرق الأوسط يحمل مخاطر على أوروبا نفسها اجتماعيا واقتصاديا".
وقال: "هذه الإستراتيجية انتحارية بالنسبة لأوروبا، فهي أولا تقوض الاستقرار الداخلي، بالنظر إلى أن الاتحاد يضم منذ زمن طويل مهاجرين من المستعمرات السابقة، ومن بينهم أبناء الشرق الأوسط الذين قد لا يروق لهم هذا النهج العدائي".
"وثانيا، تضع هذه السياسة العلاقات الاقتصادية مع المنطقة تحت التهديد، وهي علاقات يعتمد عليها الاتحاد الأوروبي بشكل كبير، خصوصا في مجال الطاقة، لذلك قد تنقلب العدوانية ضد السلطات الإيرانية على أوروبا نفسها". وفق قول شابوفالوف.














