مصر تتمدد عسكريًا في القرن الإفريقي.. نفوذ إقليمي أم هروب من الداخل؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل تصاعد التوترات في القرن الإفريقي، تسعى القاهرة إلى تعزيز نفوذها في القارة مستعرضة قدراتها العسكرية، فيما تنخرط بشكل متزايد في التفاعلات الإستراتيجية بالمنطقة.

وأشارت مجلة "فورين بوليسي" إلى أن خطط التوسع العسكري لرئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، ومشروعات البنية التحتية واسعة النطاق تمضي قدما.

وذلك في وقت يسعى فيه نظامه إلى تعزيز دعمه الداخلي وترسيخ موقعه لاعبا جيوسياسيا لا غنى عنه في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. بحسب تقرير المجلة الأميركية.

نشاط متزايد

وفي الأسابيع الأخيرة، تزايدت المؤشرات على انخراط القاهرة في الحرب الدائرة في السودان؛ إذ تشير صور الأقمار الصناعية إلى أنها نفذت ضربات بطائرات مسيّرة داخل الأراضي السودانية استهدفت مليشيا الدعم السريع التي تخوض قتالا ضد الجيش السوداني منذ عام 2023.

وفي أوائل فبراير/شباط 2026، أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية بأن قاعدة جوية سرية بالصحراء الغربية المصرية استُخدمت خلال الستة أشهر الماضية كنقطة انطلاق لطائرات مسيرة عسكرية متقدمة نفذت غارات داخل السودان، مستهدفة بشكل رئيسي "الدعم السريع".

وأوضحت الصحيفة أن طائرات "أكينجي" التركية، وهي مسيرات بعيدة المدى عالية القدرات الهجومية، بدأت بالعمل من القاعدة بعد وصول شحنات جوية إلى الموقع في منتصف عام 2025، وذلك استنادا إلى بيانات تتبع الرحلات وتحليل الصور الفضائية.

كما سعت مصر إلى تحدي طموحات إسرائيل في القرن الإفريقي، بحسب المجلة الأميركية.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أصبح الاحتلال الإسرائيلي أول من يعترف رسميا بـ"أرض الصومال" -وهي منطقة انفصالية عن الصومال- في خطوة هدفت إلى تعزيز موقعها الإستراتيجي في البحر الأحمر.

وقالت: “يُتيح ساحل أرض الصومال منفذا مباشرا إلى البحر الأحمر، الذي يُعدّ شريانا حيويا لنحو 12 بالمئة من التجارة العالمية، رابطا بين أوروبا وآسيا وإفريقيا”. 

كما تُمكّن هذه الخطوة "إسرائيل من تعزيز وجودها العسكري لمواجهة الحوثيين -المدعومين من إيران- في هذا الممر البحري".

وفي أعقاب الخطوة الإسرائيلية، أكد السيسي مجددا على "الدور الخاص" لمصر في الصومال، واصفا تحركات إسرائيل بأنها "سابقة خطيرة؛ تهدد استقرار القرن الإفريقي بأسره".

في غير محله

ونشرت مصر نحو 1100 جندي في الصومال مطلع فبراير/شباط 2026، ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار (أوصوم) لدعم جهود مكافحة الإرهاب ضد “حركة الشباب”.

وسيشكل هؤلاء الجنود جزءا من قوة احتياطية قوامها 5 آلاف جندي اقترحتها القاهرة عام 2024.

في غضون ذلك، تشعر مصر بالقلق إزاء احتمال تحالف إسرائيلي-إثيوبي، لا سيما مع توقعات بعض المحللين بأن تضغط إسرائيل على إثيوبيا للاعتراف بـ"أرض الصومال"، وهو احتمال سبق أن لوّحت به أديس أبابا.

ووفقا لخبراء أمنيين، تنظر القاهرة إلى الصومال بوصفه "نقطة ضغط" مهمة ضد إثيوبيا.

وبتوصيف المجلة، فإن مصر وإثيوبيا "خصمان تاريخيان"؛ ويتمحور نزاعهما الحالي حول بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي ترى القاهرة أنه سيؤثر سلبا على حصتها من مياه النيل.

وأواخر عام 2025، أبرمت مصر اتفاقيات لتطوير "ميناء دوراليه" في جيبوتي، و"ميناء عصب" في إريتريا، وقد قرأ المحللون هذه الخطوات على نطاق واسع بوصفها محاولة مصرية لتطويق إثيوبيا.

وقالت المجلة الأميركية: "مع تنافس هذه القوى الإقليمية على النفوذ، فإنها تُخاطر بتحويل القرن الإفريقي إلى منطقة صراع بالوكالة تتسم بالتقلب، مما قد يستقطب دولا أخرى مثل تركيا والسعودية وإيران".

وتُفيد تقارير بأن السعودية تضع اللمسات النهائية على اتفاق لإنشاء تحالف عسكري جديد مع الصومال ومصر، في محاولة لمواجهة النفوذ الإقليمي للإمارات.

وبحسب المجلة، فـ"عموما، يؤيد المصريون قيام حكومتهم بلعب دور مؤثر في دعم الاستقرار الإقليمي، لا سيما فيما يتعلق بملف غزة، إلا أن كثيرين يخشون أن الإنفاق الكبير على الموانئ والأسلحة ونشر القوات في الخارج قد يكون في غير محله".

تدهور اقتصادي

ونقلت الصحفية، نوسموت غباداموسي، أن مصريين في شوارع القاهرة أخبروها بأنهم يرون تركيز السيسي على القوة العسكرية وسيلة منه لصرف الانتباه عن الغضب الشعبي بسبب تدهور الاقتصاد.

وفي الغالب، يحمّل هؤلاء المصريون سبب التدهور الاقتصادي إلى مشاريع السيسي الضخمة، بدءا من العاصمة الإدارية الجديدة التي تبلغ تكلفتها 59 مليار دولار، والتي من المقرر أن تضم أكبر مقر دفاعي في العالم عند اكتمالها، وصولا إلى مدينة ضخمة على البحر المتوسط بتكلفة 35 مليار دولار.

وبحسب التقرير، يصعب تجاهل البناء المتسارع حول القاهرة، حيث تتصدر صورة السيسي لوحات إعلانية عملاقة تُعلن عن إنجازاته في مجال البنية التحتية وتُبشر بـ"مصر جديدة".

وقالت غباداموسي: "رغم روعة المتحف المصري الكبير الذي افتُتح حديثا بتكلفة مليار دولار، إلا أنه لم يشهد سوى عدد قليل من الزوار المصريين عند زيارتي الأخيرة، وسط حشود من السياح الغربيين والآسيويين الشرقيين".

وقد شهدت معدلات الفقر في مصر ارتفاعا مستمرا خلال العقد الماضي. 

ورغم استقرار الجنيه المصري عام 2025 -بفضل ضخ رؤوس أموال من صندوق النقد الدولي وتعهدات الاستثمار الأجنبي- إلا أن المصريين ما زالوا يواجهون أزمة معيشية حادة.

هذه الأزمة تفاقمت بفعل السياسات الجديدة التي تُشدد القيود على الإيجارات وعلى دعم المواد الغذائية.

وشددت غباداموسي على أن كثيرا من المصريين يعربون عن استيائهم من الدور المفرط للجيش في الاقتصاد. 

ولفتت إلى أن “الجيش يسيطر على ما يصل إلى 90 بالمئة من المشاريع العامة، والشركات المرتبطة به محمية من التدقيق المالي والرقابة البرلمانية”.

وقال أحد التجار، الذي طلب عدم الكشف عن هويته: "لا تُسهم العاصمة الإدارية الجديدة في تنمية اقتصادنا، بل هي ستار للفساد. جميعنا هنا نعاني من ضائقة مالية".