من شراكة إلى تصادم.. كيف تحوّلت العلاقة بين الرئاسة الجزائرية و"حمس" إلى صراع علني؟

"السلطة تريد أحزابا على المقاس"
هجوم شديد اللهجة شنته الرئاسة الجزائرية على الحزب الإسلامي الأبرز في البلاد، مما يدفع للتساؤل حول الأسباب الدافعة له وعلاقته بالانتخابات البلدية والتشريعية المنتظر إجراؤها منتصف عام 2026؟
هجوم الرئاسة على “حركة مجتمع السلم” (حمس) دون أن تذكرها بالاسم بشكل مباشر، جاء عبر وكالة الأنباء الرسمية، التابعة لمديرية الإعلام في الرئاسة.

استهداف متكرر
الوكالة الرسمية في 7 يناير/ كانون الثاني 2026 اتهمت "حمس" بـ"استغلال غضب الناقلين حول مقترح بقانون المرور، وتوظيفه بشكل انتهازي خالٍ من أي حس بالمسؤولية، بما يكشف منطقا سياسيا افتراسيا يتغذى على الاختلال الاجتماعي بدل الإسهام في معالجته".
وقالت: إنه "مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يبرز من جديد حزب سياسي نصب نفسه وصيا حصريا على الوطنية وموزعا للشهادات في حب الوطن، من خلال حالة من الصخب البذيء التي تعكس الدجل السياسي".
وكان تقرير الوكالة يشير إلى موقف الحزب الإسلامي ونوابه إزاء الإضراب الجاري في قطاع النقل العام ونقل البضائع، منذ الأول من يناير 2026، بسبب زيادات في الوقود والتدابير المتشددة لقانون المرور الجديد (أُحِيل على الغرفة العليا للبرلمان).
وذهب التقرير إلى طرح اتهامات خطيرة إزاء الحزب المشار إليه، والذي يحوز 65 نائبا في البرلمان، بـ"التغذي على ثقافة الفوضى والانقسام والظلامية"، و"شن حملة دائمة ضد الحكومة".
وكذلك "العمل على إشعال كل الجبهات، مستغلا الاختلالات الاجتماعية؛ حيث لا يتوقف عن النفخ في الجمر، ويستعمل معارضة ظرفية بلا بوصلة ولا انسجام، ما عدا انتهازية انتخابية".
هذا الهجوم من السلطة بالجزائر هو الثاني تجاه الحركة عبر وكالة الأنباء الرسمية، والذي يأتي بعد تقرير سابق في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، اتهمت فيه الوكالة "حمس" بـ"انتهاك الدستور والتحامل على رئيس الجمهورية عبر المساس بالسياسة الخارجية".
وجاءت اتهامات نوفمبر من السلطة بعد انتقاد “حمس” لتصويت الجزائر على القرار الأميركي بشأن قطاع غزة في مجلس الأمن.
وتُعد حركة مجتمع السلم كبرى الأحزاب السياسية والإسلامية في الجزائر، وهي محسوبة على تيار الإخوان المسلمين، لكنها أسست لتجربة الاعتدال السياسي، وانحازت إلى صف الدولة خلال مرحلة الأزمة الأمنية التي عصفت بالجزائر، ودافعت عن النظام الجمهوري.
كما خاضت الحركة تجربة طويلة في المشاركة في الدولة والحكومة بين عامي 1994 و2012، ثم تحولت بعد ذلك إلى المعارضة المعتدلة.
وشارك رئيس الحركة عبد العالي حساني في الانتخابات الرئاسية التي جرت في سبتمبر/أيلول 2024، وحل ثانيا بعد الرئيس عبد المجيد تبون، وسبق أن استقبل الأخير رئيس مجتمع السلم أكثر من مرة، كان آخرها في يوليو/تموز 2025.
تفاعل استباقي
تقرير وكالة الأنباء الرسمية يأتي غداة بيان صادر عن حركة "حمس" حمل توقيع رئيسها حساني في 6 يناير 2026.
وأكّدت الحركة أنها "تتابع بانشغال بالغ وحرص وطني مسؤول، تطورات الوضع الاجتماعي العام في البلاد، على خلفية مشروع تعديل قانون المرور والزيادات المفاجئة في أسعار الوقود، وما رافق ذلك من احتجاجات وإضرابات في قطاع النقل والشحن".
وذكرت أن "هذه التطورات تأتي في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق، يتسم بتنامي الضغوط الاجتماعية والمعيشية التي تستدعي مقاربات أكثر توازنا وحكمة في معالجة القضايا ذات الصلة المباشرة بالحياة اليومية للمواطن، واعتماد الحوار الاجتماعي في حل النزاعات وتجاوز الصعوبات وتقدير تعقيدات الوضع الراهن".
وشددت الحركة على أن "الاستقرار الاجتماعي مسؤولية جماعية، وأن معالجة مثل هذه الأوضاع لا يمكن أن تتم عبر حلول أحادية وإدارية مجردة، بل من خلال مقاربة شاملة تقوم على الحوار، والإصغاء المتبادل، والتدرج في الإصلاح، وربط السياسات العمومية بمبادئ العدالة الاجتماعية والواقع المعيشي الحقيقي".
وأكد البيان "أهمية صون الاستقرار والحفاظ على السكينة العامة، وتوخي الحكمة وتفويت الفرصة على صناع الاحتقان ودعاة التأزيم، وتحريف النقاش الوطني الجاد إلى أساليب الشيطنة والتخوين والاستفزاز".
ودعت الحركة إلى "إطلاق حوار وطني جاد، مسؤول وشامل مع الشركاء السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين الحقيقيين حول ملفات الإصلاح السياسي والاقتصادي ذات الأولوية، ومراجعة مشاريع القوانين ذات التأثير المباشر على المواطن".
كما دعت إلى "توجيه الجهد العمومي نحو معالجة الأسباب العميقة للوضع الاجتماعي، وفي مقدمتها تحسين الدخل، ضبط الأسعار، وتعزيز الثقة في السياسات العمومية".
تفاعلات واسعة
خلّف تقرير وكالة الأنباء تفاعلات واسعة عبر وسائط التواصل الاجتماعي بالجزائر، ومن ذلك تأكيد الباحث الاقتصادي أحمد سلامي، أن الوكالة انحرفت عن دورها وتحولت إلى طرفٍ ينتقد الأحزاب وبياناتها.
وشدد سلامي في تدوينة عبر فيسبوك في 8 يناير، أن ما صدر عن الوكالة هو بمثابة "خروج صريح عن الوظيفة التي أُنشِئت من أجلها".
واسترسل: "وهو مؤشر خطير على تراجع الحريات وتضييق التعددية السياسية، وبداية توظيف الإعلام العمومي لتوجيه الرأي العام بدل خدمته".
ورأى سلامي أنه "حين يُكمَّم صوت الأحزاب عبر الإعلام الرسمي، يُفرَّغ العمل السياسي من مضمونه، ويُمسّ حق المواطن في إعلام مهني ومحايد".
وأمام هذا الوضع، رأى الأستاذ بجامعة الجزائر بلخير طاهري الإدريسي، أن "وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية أصبحت كحزب سياسي ينتظر الاعتماد".
وأضاف في تدوينة عبر فيسبوك في 9 يناير 2026،، "الوكالة هي الناطق الرسمي للتلميع، ومهاجمة الأحزاب التي لا تدخل بيت الطاعة".
من جانبه، قال الكاتب الجزائري اليزيد قنيفي: إن هجوم الوكالة على "حمس" يأتي في سياق اقتراب الانتخابات التشريعية.
ويرى قنيفي في تدوينة عبر فيسبوك في 9 يناير 2026، أنه يمكن فهم دوافع هذا النقد الإعلامي من عدة زوايا، ومنها على المستوى السياسي، من حيث تقليل تأثير خطاب المعارضة.
وأضاف “حيث تم تصوير الحزب على أنه يستغل التوترات الاجتماعية لأغراض انتخابية فقط، مما يضعه في موقع سلبي بالنسبة لقرّاء الأخبار وصوت الناخب”.
ولذلك، رأى قنيفي أن الهجوم الإعلامي لوكالة الأنباء لم يكن عشوائيا، بل يأتي في سياق سياسي انتخابي متوتر، ويروم تحجيم "حمس" بوصفها حزبا معارضا قبل الاقتراع المقبل.
وأشار الكاتب إلى أن لوكالة الأنباء وظيفة محددة وواضحة ضمن النظام الإعلامي، ويجب الحرص على الالتزام بها.
في المقابل، يرى الناشط السياسي فيصل سلطان، أن هجوم الوكالة على "حمس" بهذا المستوى أمر غير مسبوق، ويبين أن الحركة نجحت في استفزاز النظام الحاكم ودفعه لاستعمال التلفزيون العمومي للرد على الحزب، ومنحه فرصة لم يحلم بها وكأنه حزب قوي منافس.
وقال سلطان في تدوينة عبر فيسبوك في 7 يناير: إن خلفيات ذلك ترتبط إما بكون "الجهة الحاكمة فقدت شعبيتها، أو أن حزب حمس قوي حقا وله تأثير، أو أن الإعلام متواطئ ويحاول إظهار حمس في وضع قوة صاعدة مهددة، والرئاسة في حالة ضعف وخوف".

قراءة سياسية
في ظل هذه التفاعلات، يرى الكاتب والحقوقي الجزائري أنور مالك، أن هجوم وكالة أنباء على حزب سياسي “أمر لا يتقبله عقل ولا منطق، لأن الوكالة تنقل الأنباء وليس من مهامها مهاجمة أي طرف بسبب موقف سياسي”.
وأضاف مالك لـ"الاستقلال"، كما أن الحزب المعني بالهجوم قام بالتعبير عن موقف سياسي، وهذا من حقه، وطبيعي جدا أن يحدث ذلك.
واستدرك: “لكن وللأسف، جاءت برقية وكالة الأنباء لتثبت أن السلطة تريد أحزابا على المقاس، ولا تريد أي حزب يعبر عن مواقفه في جو من الحريات والديمقراطية”.
وأردف مالك، كما أن "برقية الوكالة أكدت أن الساحة السياسية تعاني من قحط غير مسبوق، فالحزب يرد على حزب مثله، لكن أن يصل الحال لوكالة أنباء تنشر برقية (استخباراتية) فهي للأسف تدل على أن السلطة قضت على كل أنواع التعبير والسياسة".
وأمام هذا الوضع، يرى الناشط السياسي والحقوقي أنه “لم تعد هناك خارطة حزبية ولا سياسية”. مقدرا أن البلد “تحولت إلى ثكنة عسكرية؛ حيث يهيمن الجيش على كل القرارات”.
ورأى مالك أن الهيمنة العسكرية جعلت الإعلام مُدَجَّنا، وأنهى التعددية الحزبية، مما جعل كل من يخرج عن هذا النمط الرسمي يجد نفسه إما متهما بالخيانة والإرهاب في القضاء، أو محل هجوم من جهات مجهولة عبر وكالة الأنباء.
وشدد المتحدث ذاته على أن “الجزائر لم تنحدر إلى هذا المستوى من الاستبداد كما يجري الآن”.
وخلص مالك إلى التعبير عن اعتقاده بأن "خوف السلطة من الشارع وإفلاس النظام في إيجاد الحلول جعله يتخبط ويصل إلى هذا المستوى، حيث تهاجم المخابرات الأحزاب عبر برقيات مجهولة في وكالة من المفروض أنها مخصصة للأنباء، وليس للتطاول على السياسيين والمعارضين والأحزاب".














