هل تنجح "قسد" في الاندماج مع الدولة السورية أم تواجه خيار الحرب؟

مصعب المجبل | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

باتت مليشيا "قسد" أمام مهلة حاسمة لإثبات جديتها في الاندماج ضمن الدولة السورية الجديدة، وترك المشاريع الانفصالية والارتباط بأجندات خارجية تهدد استقرار سوريا ودول الجوار.

وفي خطوة وصفها المراقبون بأنها مؤشر على تحرك سياسي وأمني حساس في شمال شرق سوريا، أعلنت وزارة الدفاع السورية في 20 يناير/كانون الثاني 2026، وقف إطلاق النار في جميع قطاعات عمليات الجيش العربي السوري لمدة أربعة أيام، وذلك عقب إعلان رئاسة الجمهورية عن التوصل إلى تفاهم مشترك بين الحكومة السورية و"قسد" حول عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة.

وأوضحت وزارة الدفاع في بيان أن قرار وقف إطلاق النار يدخل حيّز التنفيذ بدءا من الساعة الثامنة مساء من يوم 20 يناير 2026، ويشمل المحاور وقطاعات العمليات العسكرية كافة، مع استمرار سريان القرار لمدة أربعة أيام التزاما بالتفاهمات التي أعلنتها الدولة السورية مع "قسد"، وحرصا على إنجاح الجهود الوطنية المبذولة في هذه المرحلة.

وأكَّدت الوزارة أنها ستظل درعا تحمي الشعب السوري بأطيافه كافة، ولن تدخر جهدا في الحفاظ على أمن المجتمع واستقراره، بما يضمن حماية السلم الأهلي وتعزيز الاستقرار في كامل الجغرافيا السورية.

تفاهم مشترك

وفي الوقت ذاته، أكدت رئاسة الجمهورية العربية السورية التوصل إلى تفاهم مشترك مع “قسد” حول عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة، والتي تعد المعقل الأساسي لنفوذ قسد داخل سوريا.

وقالت الرئاسة: إن القوات السورية في حال إتمام الاتفاق لن تدخل مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، وستبقى على أطرافهما، على أن تتم لاحقا مناقشة الجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بالدمج السلمي لمحافظة الحسكة، بما يشمل مدينة القامشلي.

وبخصوص القرى الكردية، أكّدت الرئاسة أن القوات العسكرية السورية لن تدخل هذه القرى، ولن توجد فيها أية قوات مسلحة باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة. وفق الاتفاق.

وأشارت رئاسة الجمهورية إلى أن قائد مليشيا قسد، مظلوم عبدي، سيقوم بطرح مرشح من قسد لمنصب مساعد وزير الدفاع، بالإضافة إلى اقتراح مرشح لمنصب محافظ الحسكة، وأسماء للتمثيل في مجلس الشعب، وقائمة أفراد للتوظيف ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وأكَّدت الرئاسة أن الطرفين اتفقا على دمج جميع القوات العسكرية والأمنية التابعة لقسد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، مع استمرار النقاشات حول آلية الدمج التفصيلية، كما ستدمج المؤسسات المدنية ضمن هيكل الحكومة السورية.

وفيما يتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المواطنة للأكراد، أوضحت الرئاسة أن المرسوم رقم (13) سيتم تنفيذه بما يعكس التزاماً مشتركاً ببناء سوريا موحدة وقوية على أساس الشراكة الوطنية وضمان الحقوق لجميع مكوناتها.

إلا أن مليشيا “قسد” لم تطبق بنود الاتفاق وبقيت تماطل رغم منح دمشق لها مدة أربعة أيام للتشاور لوضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عمليا.

وقد شكل التقدم الميداني الأخير للجيش السوري في محافظتي الرقة ودير الزور وريف الحسكة ضربة قوية لنفوذ مليشيا قسد التي كانت تستند في احتلالها لتلك المناطق الغنية بالنفط والمياه، كلاعب رئيس في المداولات السياسية مع الحكومة السورية لتحديد مصير شمال شرق البلاد.

ومع مماطلة قوات سوريا الديمقراطية في تنفيذ اتفاق الاندماج الموقَّع بين مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع في دمشق بتاريخ 10 مارس/آذار 2025، يخشى المراقبون حاليا من تحول بعض مدن الحسكة المحاذية لتركيا والعراق إلى ساحات معارك استنزاف طويلة الأمد.

ولا سيما أن هناك مدنا في محافظة الحسكة ذات غالبية كردية، حيث عمدت قسد منذ 11 يناير/كانون الثاني 2026 إلى تجميع قواتها هناك، بما في ذلك عناصر تم سحبها من أحياء مدينة حلب عقب معارك مع الجيش السوري.

الخيار العسكري

ويؤكد المراقبون أن الفرصة الجديدة التي منحتها الحكومة السورية لقسد، رغم أنها جاءت تحت ضغط السلاح، كانت منصفة لسكان المنطقة من المكون العربي الذين يطالبون بعودة الخدمات ومؤسسات الدولة السورية، ودخول الأمن والجيش إلى جميع المناطق بعد سنوات من التهميش المتعمد من قبل مليشيا قسد ونهب ثروات المنطقة.

وجاء تقدم الجيش السوري في محافظات دير الزور والرقة وريف الحسكة بعد انتفاضة من أبناء العشائر قادت إلى طرد قوات قسد من تلك المناطق، ودفعها للتراجع إلى مدن داخل محافظة الحسكة.

وفي هذا السياق، رأى رئيس مركز الرصد السوري للدراسات الإستراتيجية، العميد عبد الله الأسعد، أن "حلفاء قسد في حزب العمال الكردستاني يحاولون جعل تنفيذ الاتفاق مع الدولة السورية أمرا صعبا، لعدم وجود مصلحة لهم في تطبيقه، بصفته إعلان انتهاء حقبة قسد".

وأضاف في تصريح لـ"الاستقلال" أن "تصرفات قسد تشير إلى عدم رغبة التنظيم في الاندماج ضمن الدولة السورية؛ لأن هذه الجماعات تأسست على عقلية أبناء الجبال، وتعتمد في عملها على التخريب كنهج ثابت".

ورأى أن "غياب المصلحة لدى قسد في الانخراط ضمن الدولة السورية الجديدة يجعل هذا الملف مرشحا للتحول إلى مشكلة".

وأشار إلى أن الدولة السورية، بحكمتها، منحت قسد منذ البداية كل ما طلبته، وقدَّمت لهم ما يشبه طوق نجاة، لكن قسد ومشغليها يريدون فقط الاستمرار كقوة متنفذة وفرض مشاريع انفصالية، ما يبقي الجبهات في حالة حرب مفتوحة حتى تستعيد الدولة الأراضي بالقانون، في ظل رغبة إقليمية ودولية لتوحيد سوريا كدولة واحدة.

وختم بالقول: "يمكن أن نشهد عمليات عسكرية للجيش العربي السوري في الحسكة لدفع مليشيا قسد للانصياع إلى الاتفاق".

وكان لافتا إعلان وزارة الدفاع السورية في 21 يناير 2026 مقتل 11 جنديا سوريا وإصابة أكثر من 25 آخرين إثر استهدافهم من قبل مليشيا قسد، في اليوم الأول من مهلة وقف إطلاق النار، في خرق متواصل للاتفاقات مع الدولة السورية.

وفي ظل اتفاق هشّ تحكمه مهلة زمنية ضيقة وضغوط إقليمية ودولية متشابكة، تتصاعد الشكوك حول فرص تنفيذ التفاهم الأخير بين الحكومة السورية وقسد، وسط تحذيرات من عودة مناخ التصعيد.

وبين اتهامات بتعطيل متعمد من أجنحة متشددة داخل مليشيا قسد مرتبطة بأجندات خارجية، وحديث أميركي متقدم عن انتهاء الدور العسكري لقسد وضرورة اندماجها ضمن الدولة السورية، تبدو الأيام الأربعة الفاصلة اختبارا حاسما لمستقبل الاتفاق.

ويعكس هذا المشهد صراعا بين مسار سياسي يسعى لتوحيد البلاد وإنهاء مظاهر الانقسام، وقوى تحمل أجندات خارجية ترى في تنفيذ الاتفاق تهديدا مباشرا لمصالحها الاقتصادية والنفوذية في منطقة الجزيرة والفرات التي تضم 90 بالمئة من إنتاج النفط والغاز في سوريا إلى جانب ثروات زراعية ومائية تعد المورد الأساسي للاقتصاد الوطني.

"أيام فاصلة"

وفي هذا السياق، قال رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، الشيخ مضر حماد الأسعد: إن "الأربعة أيام المقبلة هي الفاصلة بين تنفيذ الاتفاق أو عدم تنفيذه، وسط سعي دمشق لتجنيب الأهالي الحرب وسفك الدماء".

وأضاف في تصريح لـ"الاستقلال" أن "قسد تقوم حاليا بعمليات إرهابية بحق أبناء الشعب السوري، وهذا يثبت أن الجناح المتشدد في قسد يسعى إلى التعطيل، وهو تابع لأجندة خارجية، في ظل تداخلات عدة من دول عالمية تسعى لمنع تنفيذ الاتفاق، بينها إسرائيل وإيران وبعض الدول المتضررة من بسط الدولة السورية سيطرتها على كامل الأراضي".

وأشار إلى أن "حزب العمال الكردستاني يرفض بشكل قاطع تنفيذ الاتفاقيات الموقعة بين قسد والحكومة السورية؛ لأنه سيخسر مكاسبه الشخصية بما فيها النفط والغاز والثروات الزراعية، بالإضافة إلى خسارة مبالغ مالية طائلة حصل عليها من وجوده في منطقة الجزيرة السورية".

ورأى أن "على المجتمع الدولي ممارسة ضغط حقيقي على قسد والجهات الداعمة لها لتنفيذ الاتفاق".

وأضاف أن "أميركا هي الضامن، وكذلك رئيس إقليم كردستان العراق، لتنفيذ الاتفاق الأخير، وأن المرحلة الحالية تتطلب ممارسة ضغط قوي على قسد لمنع نقض الاتفاق للمرة الثالثة".

وأوضح أن "المؤشرات الحالية تدل على أن قسد قد لا تنفذ الاتفاق، نظرا لما تقوم به من أعمال إرهابية بحق أبناء الشعب السوري والقبائل والعشائر التي تشكل أكثر من 90 بالمئة من سكان محافظات الجزيرة والفرات".

وأكد أن "قسد ما زالت متمسكة بالممارسات السابقة، خصوصا التجنيد الإجباري والقسري وخطف القاصرات".

كما أنها "تواصل حتى اليوم عمليات تهريب النفط عبر الأنفاق والأنابيب السرية إلى خارج سوريا، وتحديدا إلى كردستان العراق، ما يشكّل ضربة قوية للاتفاق". حسب الأسعد.

وكان المبعوث الأميركي الخاص لسوريا، توم براك، قد قال في تصريحات صحفية في 20 يناير 2026: إن أعظم فرصة للأكراد في سوريا تكمن حاليا في ظل الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع.

وأضاف أن الغرض الأصلي لقسد كقوة رئيسية لمكافحة تنظيم الدولة قد انتهى على الأرض، مشيراً إلى أن دمشق أصبحت مؤهلة لتولي مسؤولية الأمن، بما في ذلك السيطرة على مراكز احتجاز تنظيم الدولة.

وأكد أن الولايات المتحدة لا ترغب في وجود عسكري طويل الأمد في سوريا، ويرى أن هذه اللحظة تتيح مساراً نحو الاندماج الكامل في دولة سورية موحدة تضمن حقوق المواطنة.

وتابع أن الولايات المتحدة تعطي الأولوية لهزيمة فلول تنظيم الدولة وتعزيز الوحدة الوطنية في سوريا، كما تدعم المصالحة وتعزيز الوحدة دون تأييد النزعات الانفصالية أو الفيدرالية.

وأشار إلى أن الإدارة الأميركية تواصلت بشكل مكثف مع الحكومة وقيادة قسد لتأمين اتفاقية الدمج ورسم مسار لتنفيذها، مؤكدا أن الاتفاق يدمج مقاتلي قسد في الجيش الوطني.

ويبدو أن الحليف الأميركي قد تخلى عن قسد، ولم يقبل بشروطها بشأن الانضمام إلى الجيش السوري سواء ككتلة أو فرق أو ألوية، وإنما كأفراد بعد دراسة أمنية، وفقا للخبراء.

كما أنّ أي عنصر يثبت انتماؤه لحزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابيا في الولايات المتحدة وسوريا وتركيا، لن يُقبل في الجيش السوري الجديد، بحسب الخبراء.