من يحكم غزة فعليا بعد الحرب.. الفلسطينيون أم مجالس الخارج؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بعد فترة من الابتعاد عن ملف غزة، تعود السعودية لتطرح مبادرة تقوم على الإشراف على الإصلاحات داخل السلطة الفلسطينية، تمهيدا لتحملها مسؤولية إدارة القطاع الذي تعرض لإبادة جماعية من قبل إسرائيل على مدار سنتين. 

صحيفة "إسرائيل هيوم" تقول: إن "السعودية كانت قد اتجهت نحو النأي بنفسها عن أي تدخل في غزة بما في ذلك إرسال قوات، طالما بقيت حركة حماس في الحكم".

غير أن الصحيفة العبرية اليمينية ترى أن "الموقف تبدل الآن، إذ عرض وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، خلال لقائه في واشنطن مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، صيغة جديدة للتدخل تقوم على الرقابة والإشراف على السلطة الفلسطينية لضمان استكمال الإصلاحات الضرورية".

وتساءلت الصحيفة عما إذا كان هذا التغير في الموقف السعودي يرتبط بالتوترات المتزايدة في الآونة الأخيرة بين الرياض وأبوظبي، أم إن الاقتراح يرتبط بمساعي السعودية للانضمام لاتفاقيات إبراهيم التطبيعية مع الكيان الإسرائيلي.

كما تناولت موقف إسرائيل من الخلافات المتصاعدة بين السعودية والإمارات. مشيرة إلى أنه يضع إسرائيل في "معضلة إستراتيجية"، ومحذرة إياها من الانحياز لأحد الطرفين على حساب الآخر.

ورطة سلطوية

وذكرت الصحيفة أن "هذه الإصلاحات تُعد مطلبا إسرائيليا أميركيا، وكذلك سعوديا إماراتيا، بوصفها شرطا لعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة وربما أيضا لاستمرار المفاوضات معها".

وفي مؤتمر صحفي عقده رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية أثناء زيارته للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أوضح أن إسرائيل ستظل ترفض عودة السلطة إلى غزة ما لم تنفذ الإصلاحات المنصوص عليها في خطة ترامب ذات النقاط العشرين.

وتعتقد الصحيفة أن "المبادرة السعودية لها جانب آخر يتمثل في رغبتها بالمساهمة في إنهاء الحرب في غزة بشكل كامل وتطبيق خطة ترامب".

وأردفت: "نجاح هذا المسار قد يزيل عقبة أمام انضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهام".

واستدركت: "لكن مصادر سعودية وأميركية تشير إلى أن فرص تحقيق ذلك ضئيلة في ظل تركيبة الائتلاف الحالي داخل إسرائيل".

وحول الإصلاحات التي طلبتها الرياض من السلطة، قالت: "تشمل هذه الإصلاحات تغييرات هيكلية تتضمن آليات لمنع الفساد وتحسين الكفاءة إلى جانب خطوات من شأنها إبعادها عن الإرهاب، بما في ذلك نزع التطرف من النظام التعليمي ومن خطاب الوعاظ في المساجد".

بالتوازي مع ذلك، أوضحت الصحيفة أن "إسرائيل والولايات المتحدة يطالبان بوقف المدفوعات للمخربين ولعائلاتهم، المعروفة باسم PAY FOR SLAY (الدفع مقابل القتل)".

وأضافت: "تدّعي السلطة الفلسطينية أنها تمر بعملية تغيير في هذا المجال، إلا أنها عمليا قامت فقط بنقل هذه المدفوعات إلى جهة خارجية، مع استمرارها في ضمان تدفقها".

في هذا الصدد، أشارت الصحيفة إلى أنه "خلال عام 2025، أفادت تقارير بأن السلطة الفلسطينية أجرت تعديلات على هيكل المدفوعات في محاولة لتخفيف الضغط الدولي، بما في ذلك تحويل جزء منها إلى نظام رعاية اجتماعية يعتمد على معايير اقتصادية اجتماعية".

واستدركت: "إلا أن الواقع يؤكد أن المدفوعات ما زالت تُصرف من ميزانية السلطة، وإن كان بعضها بطرق التفافية".

وتتذرع إسرائيل بهذا الأمر لتقوم "بمصادرة مبالغ من أموال الضرائب التي تجبيها لصالح السلطة الفلسطينية، تعادل التقديرات الخاصة بالمدفوعات للمخربين ولعائلاتهم، وهو اقتطاع يسهم بدوره في تعميق الأزمة المالية التي تعانيها السلطة". وفق الصحيفة.

وبحسبها فإن "المقترح السعودي يتناول هذه المسألة، وتنص على أنه خلال تنفيذ الإصلاحات في هذا المجال وغيره، ستبدأ إسرائيل بإطلاق جزء من الأموال التي تحتجزها، فيما ستقدم السعودية منحة دعم للسلطة لمساعدتها على تحقيق التوازن المالي".

وتعتقد الصحيفة اليمينية أن هذا هو أحد الأسباب التي جعلت حسين الشيخ، نائب رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن والمرشح لخلافته، يزور عددا من دول الخليج خلال ديسمبر/ كانون الأول 2025، بما في ذلك السعودية، حيث عرض خطة الإصلاحات.

"كما حذر الشيخ في جولته من التوجه الإسرائيلي نحو توسيع الاستيطان، وطلب مساعدة السعودية في هذا الملف أيضا"، وفق ما ذكرته.

وتقدر الصحيفة أن "المبادرة السعودية التي جاءت بعد الاجتماعات مع حسين الشيخ، تهدف بشكل رئيس إلى فك العقدة التي تعيق التقدم في إعادة إعمار القطاع، أو ما يمكن تسميته بـ(الورطة السلطوية). 

وتابعت: "ففي الوقت الحالي، لا يوجد فعليا جسم سلطوي متفق عليه، وإنما قائمة بأسماء مرشحين فلسطينيين لتولي المناصب العليا في الإدارة الجديدة".

وأضافت أن "معظم هؤلاء هم من المهنيين والموظفين وأصحاب المهن الحرة، وقد عمل كثير منهم سابقا لدى السلطة الفلسطينية، لذلك تقوم تل أبيب بالتأكد من عدم ارتباطهم بأي منظمات إرهابية في القطاع".

وحول موقف الأطراف الأخرى من تولي السلطة الفلسطينية إدارة القطاع، قالت الصحيفة: "تدفع مصر وتركيا وقطر باتجاه دخول السلطة إلى القطاع حتى قبل تنفيذ الإصلاحات".

وأردفت: "فالمصريون، على سبيل المثال، يعلنون أن عناصر السلطة، بما في ذلك عناصر الأمن، سيديرون معبر رفح من الجانب الفلسطيني، بحجة أنه لا يوجد جهة أخرى لها الصلاحية القانونية والقدرة العملية للقيام بذلك".

"كذلك، يدعم المصريون اقتراح تسليم حماس سلاحها لعناصر السلطة الفلسطينية، ضمن قاعدة (سلطة واحدة- سلاح واحد)، ويرون أن ذلك سيحل أيضا مشكلة نزع السلاح في القطاع". وفق ما أفادت به الصحيفة.

في المقابل، أشارت إلى أن "إسرائيل تعارض دمج السلطة في هذه المرحلة المبكرة قبل تنفيذ الإصلاحات، كما تعارض تسليم سلاح حماس إلى عناصر السلطة الفلسطينية".

توازن مطلوب

وسلطت الصحيفة الإسرائيلية الضوء على رد فعل الإمارات حول هذا المقترح موضحة أن موقف أبوظبي "يثير الاهتمام؛ إذ لا يدعم المبادرة السعودية".

وعزت ذلك أساسا إلى أن "تطبيق الإصلاحات يبدو بعيد المنال، فالقيادة الإماراتية رفضت في هذه المرحلة تقديم منحة دعم للسلطة الفلسطينية، وربطت ذلك بضرورة الإسراع في تنفيذ الإصلاحات، خصوصا ما يتعلق بوقف المدفوعات للمعتقلين وإحداث تغييرات في المناهج التعليمية".

وعقّبت الصحيفة عن تباين الموقف بين الرياض وأبوظبي: "تواصل الإمارات اتباع سياسة مغايرة لبقية الدول العربية، بما في ذلك السعودية التي تشهد معها أخيرا خلافات في عدة ملفات، أبرزها الملف اليمني".

وحول موقع إسرائيل من هذه الخلاف الخليجي، ترى صحيفة "هآرتس" العبرية أن تل أبيب "تحتاج إلى كليهما؛ حيث يجب ألا يُنظر إليها على أنها امتداد لأي منهما".

وعزت ذلك بالقول: "في الشرق الأوسط، تُعد المرونة الدبلوماسية شرطا أساسيا للبقاء السياسي، وإسرائيل يجب أن تقف في المنتصف".

إلا إنه عمليا، تشير الصحيفة إلى أن "التنسيق الوثيق بين أبوظبي وتل أبيب في ساحات مثل القرن الإفريقي وصوماليلاند، يُنظر إليه في الرياض كجزء من اصطفاف واسع إلى جانب الإماراتيين".

ولهذا، تحذر من أن "تفاقم الخلاف بين السعودية والإمارات ليس مسألة نظرية بالنسبة لإسرائيل، بل يضعها أمام معضلة إستراتيجية؛ حيث إن حتى الامتناع عن اتخاذ موقف قد يُفسر كخيار بحد ذاته".

وبحسبها، "يرجع ذلك إلى أن السعودية حساسة جدا تجاه أي محاولات -حقيقية أو متخيلة- لتهميشها".

في هذا السياق، كشفت الصحيفة أن "مسؤولين إماراتيين اشتكوا أكثر من مرة من أن إسرائيل منحت الأولوية للتطبيع مع السعودية على حساب تعميق علاقاتها معهم".

وأردفت: "واليوم، يعبر السعوديون عن استيائهم من أن إسرائيل ربطت مصيرها بشكل مفرط بالإمارات".

وذكرت أن التباين بين الدولتين يعود إلى 2020؛ إذ ترى السعودية أن عدم اشتراط الإمارات حدوث تقدم في مسار الدولة الفلسطينية عند توقيع اتفاقيات إبراهيم "أمر خاطئ".

"وهو ما يفسر إصرار الرياض على إدراج هذا البند في جهود التطبيع الحالية التي تقودها الولايات المتحدة"، بحسب الصحيفة.

وأبرزت "هآرتس" أهمية التحالف الإسرائيلي الإماراتي قائلة: "في الوقت الراهن، الطرف الوحيد الذي يقيم علاقة وثيقة مع إسرائيل هو الإمارات، التي تمول بناء مدينة خيام في جنوب رفح وتشارك في إدخال المساعدات المتنوعة إلى القطاع".

وإلى جانب ذلك، رجحت أن "الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند لم يأت من فراغ، فمن يتعاون في غزة ضد الإسلام المتطرف سيفعل الأمر نفسه في القرن الإفريقي، وبمعنى آخر: الميناء العسكري البحري لأبوظبي قد يكون متعدد الاستخدامات".

من ناحية أخرى، تؤكد أنه "لا يمكن تجاهل التعاون السعودي الإسرائيلي في الحرب الأخيرة ضد إيران، ولا حقيقة أن السعوديين أسقطوا خلال العامين الماضيين عددا كبيرا من الصواريخ والطائرات المسيرة فوق أراضيهم، كانت في طريقها إلى إسرائيل من اليمن وإيران". على حد قولها.

في المحصلة، ترى الصحيفة أن "تعميق العلاقات مع الإمارات أمر حيوي، لكن يجب ألا يُفهم على أنه تبن لرؤيتها السياسية".

وأكدت أنه "على إسرائيل تجنب اتخاذ خطوات قد تُفسر على أنها إضعاف للمصالح السعودية".

فهي، وفقا لها، "لا تستطيع أن تختار طرفا واحدا، إذ تحتاج إلى كليهما، ولا يجوز أن تُرى كامتداد لإحدى الدولتين".

واستطردت: "إدارة إسرائيل لهذا الملف يجب أن تكون ذكية، والأكثر أهمية أن تبقى بعيدة عن الأضواء، لتجنب إحراج أي طرف".

وأشارت إلى ما كتبه الدكتور يوئيل غوزنسكي رئيس برنامج الخليج في "معهد دراسات الأمن القومي" (INSS)، في ورقة موقف نشرها حول الصراع بين السعودية والإمارات في السودان.

حيث كتب: "من الأفضل لإسرائيل ألا تختار بين الرياض، التي تسعى للتوصل معها إلى اتفاق تطبيع، وبين أبوظبي، التي تربطها بها بالفعل علاقات تطبيع".

فجوة عميقة

في سياق متصل، سلطت صحيفة "معاريف" العبرية الضوء على اللقاء المرتقب بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب متوقعة أن هذا اللقاء "قد يغير موازين القوى بشأن مستقبل قطاع غزة ويمنح تركيا أفضلية كبيرة".

وأردفت: "يؤكد مراقبون إقليميون أن الكثير يتوقف على نتائج اللقاء المرتقب، التي قد تؤثر ليس فقط على مستقبل غزة، بل على موازين القوى في الشرق الأوسط بأسره".

وفيما يتعلق باحتمالية الوجود التركي في قطاع غزة، قالت: "ليس سرا أن تركيا تسعى إلى ترسيخ وجودها في قطاع غزة، لكن إسرائيل وقفت حتى الآن بحزم في طريقها".

وأفادت بأنه "بحسب قناة "I24NEWS" الإسرائيلية، فإن أنقرة تأمل أن يمارس ترامب الذي يزداد إحباطه من الجمود في خطته للسلام، ضغطا على إسرائيل لقبول وجود عسكري تركي في غزة تحت غطاء (قوة حفظ سلام)".

في هذا السياق، نقلت الصحيفة عن مصدر سعودي قوله: "إسرائيل تتحمل مسؤولية الجمود في غزة، والوجود التركي وحده هو القادر على إبقاء حركة حماس تحت السيطرة". مضيفا: "حماس لن تجرؤ على مهاجمة القوات التركية".

وتقدر الصحيفة أن "ترامب قد يدفع إسرائيل إلى قبول ما يُسمى (نزع سلاح شكلي)، بحيث يغير عناصر حماس زيهم، فيما يتولى الأتراك دور قوة حفظ سلام، وهو ما يعزز مكانة أنقرة كقوة إسلامية كبرى على حساب مصر".

وحول موقف الإمارات العربية المتحدة من الوجود التركي القطري في القطاع، قالت الصحيفة العبرية: "تتابع أبوظبي التي نأت بنفسها عن خطة ترامب في غزة هذه التطورات بقلق"؛ حيث حذر مصدر إماراتي للقناة الإسرائيلية من أن هذا المسار إشكالي، مشددا على أنه لا يمكن الوثوق بتركيا أو قطر فيما يتعلق بغزة".

كما أوضح المصدر أن "هناك فجوة عميقة بين الموقف الإماراتي والسعودي، ففي حين تسعى أبوظبي إلى حل جذري يمنع العودة إلى دوامة الحروب المتكررة، تركز الرياض على تحقيق الهدوء وكسب إشارات إيجابية من واشنطن".

وبحسب تقرير قناة "I24NEWS" فقد أشار المصدر الإماراتي إلى وجود "انقسام داخلي في السعودية نفسها، فالجيل القديم الذي يقدس القضية الفلسطينية يصطدم مرارا مع توجهات ولي العهد محمد بن سلمان الساعية إلى تسريع مسار التحديث والمضي بسرعة نحو أجندة جديدة"، على حد قوله.

في سياق متصل، ذكرت صحيفة "معاريف" أن "الوسطاء الإقليميين، بقيادة تركيا وقطر، يمارسون ضغوطا كبيرة لدمج أنقرة في قوة دولية لاستقرار غزة".

"أما في إسرائيل، فيتبلور موقف حذر، ليس رفضا قاطعا للفكرة، بل استعداد مبدئي لدراستها بشرط فرض شروط سياسية واضحة على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان"، تقول الصحيفة.

وتتابع: "وبحسب مصادر سياسية، فإن الصيغة الإسرائيلية لا تمنح سوى هامش محدود من المرونة".

وأوضحت مقصدها قائلة: "رفع الفيتو عن تركيا قد يحدث فقط إذا طرأ تغيير ملموس في موقف أنقرة، يشمل توضيحا أو تصحيحا علنيا لتصريحاتها المناهضة لإسرائيل، إلى جانب إعلان واضح عن تغيير اتجاه العلاقات معها".

وبحسبها، "سيتضح قريبا ما إذا كانت هذه التسوية مقبولة، ليس فقط من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل أيضا من جانب أنقرة".