شهادة وفاة "قسد".. واشنطن ترفع الغطاء ودمشق تحسم

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بعد عقود من التيه في دهاليز الانقسام والنزعات الانفصالية، توصلت الحكومة السورية إلى تفاهم مشترك مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” (واجهة تنظيم واي بي جي الإرهابي في سوريا)، في وقت تراجع فيه الغطاء الأميركي العملي عن التنظيم بوصفه قوة قادرة على فرض وقائع مستقرة على الأرض.

وأعلنت رئاسة الجمهورية السورية، في 20 يناير/كانون الثاني 2025، التوصل إلى “تفاهم مشترك” بين الحكومة وتنظيم “قسد”، يضع آليات دمج عسكرية وإدارية وسياسية واسعة النطاق، بدأ تنفيذ بنودها فعليًا عشية الإعلان عنها.

وكشفت الرئاسة، في بيان رسمي، عن توافق الطرفين على “دمج جميع القوات العسكرية والأمنية” التابعة لـ“قسد” ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين، مع استمرار المشاورات حول التفاصيل الفنية والتنظيمية المرتبطة بعملية الدمج.

وبدورها، أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار في جميع قطاعات عمليات الجيش العربي السوري، موضحة أن سريان القرار يستمر لمدة أربعة أيام من تاريخ صدوره، التزامًا بالتفاهمات المعلنة، وحرصًا على إنجاح الجهود الوطنية المبذولة.

وأكدت الوزارة أنها ستبقى “درع الشعب السوري بكل أطيافه”، ولن تدخر جهدًا للحفاظ على أمن المجتمع السوري واستقراره ونقائه الوطني.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد وقّع، مساء 18 يناير/كانون الثاني الجاري، اتفاقًا لوقف إطلاق النار مع تنظيم “قسد”، يقضي بإدماج عناصره ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ومن أبرز بنود الاتفاق دمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم “داعش”، إضافة إلى القوات المكلفة بحماية هذه المنشآت، ضمن مؤسسات الدولة، لتتولى الحكومة السورية المسؤولية القانونية والأمنية الكاملة عنها.

وجاء الاتفاق عقب عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري قبل أيام، تمكن خلالها من استعادة مناطق واسعة في شرق وشمال شرقي البلاد، إثر خروقات متكررة من قبل “قسد” لاتفاقاتها الموقعة مع الحكومة قبل نحو عشرة أشهر، وتنصلها من تنفيذ بنودها.

وسبق أن تنصل تنظيم “قسد” من تنفيذ اتفاق مارس/آذار 2025، الذي نص على احترام المكون الكردي ضمن إطار الحقوق المتساوية لجميع مكونات الشعب السوري، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة.

ومن جانبها، رحبت الأمم المتحدة بإعلان وقف إطلاق النار لمدة أربعة أيام، معربة عن أملها في أن “يواصل الطرفان الحوار وأن يتخذا إجراءات جدية للحد من العنف”.

وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، خلال مؤتمر صحفي في نيويورك: إن المنظمة الدولية “تتابع التطورات عن كثب، في ظل تعدد المواقف التي برزت خلال الأيام الماضية”.

شغب وعنف

وعلى خلفية مواصلة الجيش السوري تقدمه لبسط سيطرته على محافظة الحسكة ومدينة عين العرب، في إطار الاتفاق المبرم مع “قسد”، أقدم أنصار التنظيم على تنفيذ أعمال شغب وعنف في عدد من الدول الأوروبية.

وشهدت مدن أوروبية عدة اعتداءات على قوات الشرطة باستخدام الحجارة والألعاب النارية، إلى جانب إلحاق أضرار بالممتلكات العامة.

ففي مدينة زيورخ السويسرية، تدخلت الشرطة لتفريق مسيرة غير مرخصة نظمها أنصار التنظيم، حيث رفع المشاركون رايات تمثل “قسد”، وردوا على الشرطة التي استخدمت خراطيم المياه برشق الحجارة ومواد مؤذية.

وفي لندن، تجمع عدد من أنصار التنظيم عند مدخل شارع “داونينغ ستريت”؛ حيث مقر رئاسة الوزراء، قبل أن يتوجهوا سيرًا نحو مبنى البرلمان البريطاني وينفذوا اعتصامًا عند التقاطع المقابل له.

أما في باريس، فقد استهدف أنصار التنظيم الشرطة بالألعاب النارية، لترد الأخيرة باستخدام الغاز المسيل للدموع، فيما نظم المحتجون تجمعًا في ساحة “الإنفاليد”.

وفي مدينة ستراسبورغ الفرنسية، نظم أنصار التنظيم الملثمون مسيرة غير مرخصة، ورفعوا رايات تمثل التنظيم، وحاولوا التوجه نحو محيط القنصلية الأميركية، قبل أن يشتبكوا مع الشرطة التي ردت باستخدام الغاز المسيل للدموع.

كما أفادت شرطة برلين، في بيان رسمي، بأن عناصر الحراسة قرب السفارة رصدوا، قرابة منتصف الليل، قيام مجموعة من نحو 40 شخصًا بإلقاء الطلاء على الأسوار الحديدية لمبنى السفارة في شارع تييرغارتن.

الدفاع تحذّر

وفي السياق ذاته، حذرت وزارة الدفاع السورية تنظيم “قسد” من مغبة عدم الالتزام بوقف إطلاق النار، أو استهداف الجيش السوري وقوات الأمن الداخلي.

وقال المتحدث باسم الوزارة، العميد حسن عبدالغني، في كلمة نشرها على منصة “إكس”: إن على قوات “قسد” الالتزام الكامل ببنود اتفاق 18 يناير/كانون الثاني الجاري، وبالمدة الزمنية المحددة لوقف إطلاق النار.

وأكّد عبدالغني للمواطنين الأكراد “التزام الدولة بحمايتهم وصون ممتلكاتهم”، داعيًا إياهم إلى البقاء في منازلهم “معززين مكرمين”.

وأوضح أن وزارة الدفاع تمضي بروح عالية من المسؤولية الوطنية في تنفيذ التفاهم المتعلق بمستقبل محافظة الحسكة، وما رافقه من وقف لإطلاق النار.

وشدد على حرص الوزارة الصادق على حقن الدماء، وبناء حل سلمي يحفظ وحدة سوريا وأمنها واستقرارها، مؤكدًا أن “سوريا الجديدة تتسع لجميع أبنائها”.

ولفت إلى أن الدولة كانت وما تزال في مواجهة مباشرة مع تنظيم “داعش”. مشيرًا إلى جاهزية وزارة الدفاع لتسلّم سجون التنظيم في المنطقة، وتسليمها لوزارة الداخلية.

وفي مؤشر على التحول في الموقف الأميركي، قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، في منشور على منصة “إكس”: إن “أعظم فرصة للأكراد في سوريا تكمن اليوم في ظل الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع”.

وأضاف أن هذه المرحلة “تفتح مسارًا نحو الاندماج الكامل في دولة سورية موحدة، مع ضمان حقوق المواطنة، والحماية الثقافية، والمشاركة السياسية، وهي حقوق حُرم منها الأكراد لعقود طويلة”.

وأوضح باراك أن الوجود العسكري الأميركي في سوريا كان مبررًا سابقًا في إطار الشراكة لمكافحة تنظيم “داعش”، وأن قوات “قسد” لعبت دورًا مهمًا في هذا السياق.

واستدرك بالقول: “اليوم تغيّر الوضع جذريًا؛ إذ باتت سوريا تمتلك حكومة مركزية معترفًا بها، وانضمت إلى التحالف الدولي لهزيمة داعش، ما يعكس توجهًا غربيًا للتعاون مع الدولة السورية”.

وأكَّد أن هذا التطور أنهى الغرض الأصلي من الشراكة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية، بوصفها قوة ميدانية رئيسة لمكافحة التنظيم.

وشدَّد على أن الولايات المتحدة لا ترغب في وجود عسكري طويل الأمد في سوريا، وأن أولويتها الحالية تتمثل في هزيمة تنظيم الدولة، ودعم المصالحة الوطنية، وتعزيز وحدة سوريا، بعيدًا عن النزعات الانفصالية والفيدرالية.

شهادة وفاة

طرح صحفيون ومحللون سياسيون قراءات وتحليلات لما ورد في بيان المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، ويرون أنه بمثابة نعي سياسي لتنظيم قسد. مشيرين إلى أن الخطاب الأميركي هذه المرة موجَّه إلى الأكراد بوصفهم مكوّنًا سوريًا لا إلى قسد كتنظيم، مع تجديد الدعوة إلى الاندماج في الدولة السورية، والتأكيد على أن الإدارة الأميركية تميّز بين الأكراد كجزء أصيل من المجتمع السوري، وبين قسد كتنظيم مسلح.

ورأى هؤلاء، عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصات "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها: #توم_باراك، #قسد، #الشرع، أن تخلي الولايات المتحدة عن قسد كان متوقعًا بعد أن أدّى التنظيم دوره الوظيفي.

وأكد ناشطون أن هذا السلوك يندرج ضمن القاعدة الثابتة في سياسات القوى العظمى؛ حيث يُستغنى عن الأدوات بعد انتهاء وظيفتها، ويرون أن ما تعرضت له قسد هو المصير الحتمي لأي تنظيم يستقوي بواشنطن، ويتوهم أنه شريك في القرار الدولي، بينما هو في الواقع أداة مرحلية في لعبة المصالح.

سقوط القناع

في السياق ذاته، شنّ خبراء وناشطون هجومًا حادًا على تنظيم قسد، متناولين نشأته وحقيقة أهدافه، ودوره في صناعة الفوضى والعنف في سوريا، وافتعال الأزمات والنعرات الطائفية. مؤكدين أنه تنظيم إرهابي وظيفي يفتقر إلى أي رؤية إستراتيجية أو قراءة واقعية للمتغيرات السياسية، وأن قناعه سقط مع تخلّي الولايات المتحدة عنه.

وأشاروا إلى أن قسد لم تسقط لأنها ضعيفة عسكريًا فحسب؛ بل لأنها بنت مشروعًا سياسيًا غريبًا عن المجتمع الذي تحكمه، لافتين إلى أن التجربة السورية تؤكد استحالة فرض هوية أو مشروع سياسي بالقوة، أو تجاوز إرادة الناس تحت شعارات الديمقراطية.

وداعا للفوضى

قدّم باحثون وناشطون ثوريون قراءات لمآلات المشهد السوري وانعكاساته الإقليمية. وقال عبد الملك عبود: إن عملية تفكيك قسد قد بدأت، وستجري على مرحلتين أساسيتين:
الأولى، عملية مشتركة مع التحالف الدولي للسيطرة على سجون تنظيم داعش.
أما الثانية، فستكون سورية خالصة، تستهدف ما تبقى من معاقل قسد وصولا إلى كامل الحدود العراقية والتركية.

وأضاف أن "الدولة تفرض كلمتها بالقوة، ووداعًا لمرحلة الاتفاقيات".

بدوره، توقع الباحث في العلوم السياسية محمد السكري أن تعود الحكومة السورية، بعد حسم ملف قسد إلى التركيز على ملف السويداء. مشيرًا إلى أن "أمام الهجري خيارات صعبة"، مع إمكانية العودة إلى مسار تفاوضي هذه المرة بصورة حاسمة، وفي حال التعطيل قد يُطبَّق سيناريو مشابه يعتمد عمليات عسكرية جراحية متدرجة تتراوح بين التفاوض والعمل الميداني.

وقال الناشط السياسي محمد سرميني: إن قسد أمامها مهلة 4 أيام فقط قبل استئناف العمليات العسكرية، لكنها الآن فقدت كل نقاط قوتها.

وأكد سرميني أن واشنطن لم تعد تثق بدور قسد فها هي تسحب منها حراسة سجون ومراكز احتجاز عناصر وعوائل تنظيم داعش لتسليمها للحكومة السورية.

وسلّط ناشطون الضوء على تصعيد أنصار قسد في عدد من الدول الأوروبية، ولجوئهم إلى الفوضى والعنف والتخريب، بما في ذلك الاعتداء على الممتلكات العامة ومحال السوريين، ويرون أن هذه التصرفات تعكس فكرًا متطرفًا، وتقدّم ذريعة إضافية لتصنيفهم ووصمهم بالإرهاب، ورفضهم كشركاء سياسيين.

ووصف ناشطون هذه السلوكيات بـ"الغباء السياسي"، مؤكدين أنها تُسرّع في عزل التنظيم دوليًا، فيما عبّر أكراد عن تبرؤهم من هذه الأفعال. مشددين على أن العنف لا يمثلهم ولا يعكس تطلعاتهم داخل سوريا الموحدة.

الكلمات المفتاحية