عائلات المعتقلين السياسيين بتونس في مواجهة مباشرة مع قيس سيعد.. ما القصة؟

عالي عبداتي | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أمام تضاعف عددهم لأرقام غير مسبوقة في تونس، لم تجد عائلات المعتقلين السياسيين من بديل غير تشكيل تنسيق للمطالبة بإطلاق سراح ذويها، وذلك تزامنا مع تخليد ذكرى ثورة الياسمين لعام 2011، والتي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

وأعلِن في 14 يناير/كانون الثاني 2026، عن تأسيس "التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات السياسيين/ات"، وهي التنسيقية التي شكلتها أحزاب ومنظمات وعائلات الموقوفين السياسيين.

وتُعنى التنسيقية بالدفاع عن كل السجناء والسجينات، المتابعين سياسيا، سواء من أطياف المعارضة السياسية أو العمل المدني أو النقابي والصحافة أو عموم المواطنين.

استهداف للمعارضين

وقال مؤسسو التنسيقية خلال ندوة صحفية بالمناسبة في العاصمة تونس: "إزاء آلة القمع التي لا تستثني أحدا، تبدو الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى لتكثيف وتوحيد الجهود من أجل الدفاع على إطلاق سراح المساجين والسجينات السياسيّين/ات، بمن فيهم مساجين النشاط المدني والرأي".

وأشاروا إلى "ترسّخ النظام الاستبدادي الذي حوّل البلاد إلى سجن كبير، بفعل سلطة لا تعرف أمام مشاكل البلاد سوى المؤامرة تفسيرا والحبس حلا".

وأكدت التنسيقية أن "معركة إطلاق سراح المساجين لا يُمكن اختزالها في الجانب القانوني-القضائي، في ظلّ غياب أبسط ضمانات المحاكمة العادلة".

ورأت أن معركة إطلاق سراح المساجين لا يمكن خوضها أساسا أمام الرأي العام الوطني، وتُعيد افتكاك الفضاء العام إزاء محاولات مصادرته، إلا بتنظيم العمل المشترك، لمواجهة استبداد السلطة.

وذكرت أن قضية المعتقلين السياسيين بتونس، هي قضية جماعية واحدة، وهو ما يفترض تكثيف الطاقات والمجهودات وتجميعها وتطويرها، بغاية إطلاق سراح المعتقلين المودعين في السجون في محاكمات سياسية تفتقد لأدنى ضمانات المحاكمة العادلة وفي مقدمتها استقلال القضاء.

تأسيس هذه التنسيقية يأتي في الوقت الذي يقبع بالسجون التونسية عدد كبير من السياسيين والحقوقيين، من جميع العائلات الفكرية والسياسية، والذين تلاحقهم تهم مختلفة أبرزها “التآمر على أمن الدولة”.

وتتصاعد بتونس في ظل حكم الرئيس قيس سعيد الملاحقات القضائية وإصدار الأحكام السجنية والتي توصف بـ"الثقيلة"، بحق عدد واسع من المعارضين.

وصدرت أحكام ثقيلة ضد عدد من الرموز السياسية، منها، رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، ورئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي، والوزير السابق أمين عام حزب التيار الديمقراطي غازي الشواشي، والقيادي السابق بالنهضة عبد الحميد الجلاصي، والوزير السابق العياشي الهمامي.

وتدعي السلطات أن “المتهمين يُحاكمون بتهم جنائية وإنها لا تتدخّل في عمل القضاء”، بينما ترى المعارضة أنها محاكمات سياسية يُستخدم فيها القضاء لملاحقة الرافضين لإجراءات سعيد الانقلابية.

وفي 25 يوليو/ تموز 2021 بدأ سعيد، فرض إجراءات انقلابية شملت حل مجلس النواب، وإصدار تشريعات بأوامر رئاسية، وإقرار دستور جديد، وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة.

وحدة المحنة

وأكد محامي الدفاع عن المعتقلين في أكثر من ملف قضائي، كريم المرزوقي، أن التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين تنطلق من وحدة المحنة الحقوقية التي تفترض وحدة المواجهة.

وأضاف المرزوقي في تدوينة عبر فيسبوك في 14 يناير، أن التنسيقية تنطلق تأسيسا من تقدير جوهري مفاده أن قضية المعتقلين السياسيين في تونس هي قضية جماعية واحدة.

وشدد على أن هذا البعد يفترض تكثيف الطاقات والمجهودات وتجميعها وتطويرها، وذلك بغاية إطلاق سراح المعتقلين المودعين في السجون، بعد محاكمات سياسية تفتقد لأدنى ضمانات المحاكمة العادلة وفي مقدمتها استقلال القضاء.

ونبه المرزوقي إلى أن التنسيقية جامعة لكل المعتقلين، لعائلاتهم ولجان مساندتهم، دون أي استثناء وذلك بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية وخلفيات محاكماتهم.

ورأى أن “تحفيز العمل المشترك الآن هو السقف الذي يطرحه إطار التنسيقية، وذلك هو الواجب الأخلاقي الأدنى من أجل المعتقلين داخل السجون. ونظلّ مدعوّين، كل من موقعه، لتجاوز المحنة بالقدر الممكن والمشروع والناجع أيضا”.

مواقف حزبية

في المقابل، جاءت بيانات متوالية لأحزاب معارضة، تؤكد عمق الأزمة التي تعيشها تونس، على مستوى الحقوق والحريات، داعية إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووقف المحاكمات السياسية.

وفي هذا الصدد، طالبت حركة النهضة عبر بيان في 14 يناير، "بإطلاق سراح كل الموقوفين السياسيين والتوقف عن عقد المحاكمات السياسية الظالمة".

كما طالبت بـ"رفع كل التضييقات عن الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والكفّ عن خنق الحريات ودوس الحقوق وضرب المكاسب التي حققها شعبنا بفضل ثورته المجيدة".

وأكدت الحركة "تمسكها بالنضال السلمي المدني القانوني من أجل استعادة المسار الديمقراطي، وإنقاذ البلاد مما وصلت إليه من تدهور في شتى ميادين الحياة الوطنية".  

كما دعت "مختلف الأطراف السياسية وقوى المجتمع المدني للتنسيق وتوحيد الصفوف وتجميع الجهود من أجل استعادة الديمقراطية والحفاظ على روح الثورة وقيمها المتمثلة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، رغم كل مخاطر الانتكاس ومحاولات الطمس التي يمارسها الانقلاب".

وجدّدت الحركة دعوتها إلى "ضرورة إجراء حوار وطني شامل غير إقصائي بين كل القوى الديمقراطية المتمسكة بالمسار الديمقراطي من أجل إنقاذ تونس، وفق برنامج وطني تشاركي يعالج القضايا والمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطروحة".

بدوره، أكد "الحزب الجمهوري"، أن تونس تعيش تحت وطأة منظومة 25 يوليو، التي أعادت إنتاج الاستبداد، وشرعت في تصفية منهجية للحريات العامة والفردية.

وأضاف الحزب في بيان 14 يناير، كما شرع نظام سعيد "في توظيف القضاء أداة للقمع والانتقام من السياسيين المعارضين والصحفيين ومعتقلي الرأي، في ضرب صارخ لمكاسب الثورة ولأسس دولة القانون".

وأكد أن "الحرية لا تُجزأ ولا تُقايض وأن أي إفراج أو إجراء ظرفي لا يمكن أن يحجب حقيقة وجود مئات المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي القابعين في السجون ضحايا إيقافات تعسّفية وإيقافات تحفظية مطوّلة ومحاكمات كيدية، في خرق فاضح للقوانين والمواثيق الدولية وتنصل واضح من مطالب ثورة الحرية والكرامة".

وحمل الحزب "منظومة الحكم القائمة المسؤولية الكاملة عن هذا الانحدار الخطير، وعن تجريم العمل السياسي والمدني والصحفي، وعن ضرب استقلالية القضاء وتحويله إلى أداة للتصفية السياسية".

وخلص البيان إلى أن "معركة الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية ستتواصل، إلى حين إسقاط منظومة القمع، وفرض دولة القانون والمؤسسات، وتحقيق أهداف الثورة كاملة غير منقوصة".

من جانبه، قال الأمين العام لحزب "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" خليل الزاوية، إن تونس دخلت منعطفا تاريخيا مهما، بدأ فيه باب الانفتاح والحريات يغلق شيئا فشيئا.

ووفق ما نقل موقع "بوابة تونس" في 14 يناير 2026، ذكر الزاوية أن البلاد تعيش وضع محاصرة للحرّيات والصحافة والمحاكمات السياسية، كما تعيش في ظل أحكام قضائية صعبة وثقيلة تمس نشطاء سياسيين ومدنيين.

واسترسل، كما "نمر أيضا بوضع اجتماعي واقتصادي لا يطاق، من غلاء المعيشة وانحسار سوق الشغل وفرص العمل وضيق العيش، ما أدّى إلى نفور الشباب عن الاهتمام بالشأن العام، ورغبته في الهجرة، خاصة منه الشباب المتعلم، الذّي يمثل عماد الدولة من مهندسين وأطباء بحثا عن حياة كريمة تضمن مستقبله".

وشدد الزاوية أن "الأمل باق في استرجاع المسار الديمقراطي وعودة دولة القانون والمؤسسات، الدولة التي تفصل بين السلطات وتمكّن السلطة القضائية من أن تكون مستقلة ونافذة وتطمئن المواطن على حقوقه".

وأعرب عن أمله في أن يتغير هذا الخطاب، وأن تكون البلاد في السّنة المقبلة في مرحلة انتقالية تشرف شهداء الثورة وصورة تونس في الخارج.

انحرافات خطيرة

في قراءته السياسية للسياق العام الذي تعيشه البلاد، قال الناطق باسم حزب "ائتلاف الكرامة"، زياد الهاشمي، إن تونس اليوم تشهد انحرافا خطيرا عن شعار الحرية والكرامة والعدالة التي رفعتها ثورة 2011.

وشدد الهاشمي لـ"الاستقلال"، على أن “الظلم في عهد الرئيس المنقلب قيس سعيّد أصبح لا يفرّق بين المواطنين، وتحوّل إلى سياسة ممنهجة تطال الجميع بلا استثناء، ومن مظاهرها تنامي الاعتقال السياسي للمعارضين والناشطين”.

وأكد القيادي الحزبي بأن "القمع في ظل حكم الرئيس الحالي لم يعد حكرا على فئة أو تيار، بل صار سيفا مصلتا على كل صوت حر، فيما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لتزيد من معاناة الشعب".

وعن الأفق المستقبلي لمعالجة هذا الوضع، قال الهاشمي: إن "الحل الأساس يكمن في مراجعة ذاتية شجاعة من جميع المكونات الوطنية، والاعتراف بأن الوطن لا يُبنى إلا بالتوافق على قيم مشتركة". 

وأضاف “وأيضا بإرساء نظام يضمن لكل فرد أن يكون مواطنا كامل الحقوق والواجبات، بعيدا عن منطق الهيمنة أو الانتقام، أو الإقصاء أو تغذية الانقسام”. 

ودعا الهاشمي كل القوى إلى "رفض كل أشكال الاستبداد والانفراد بالسلطة، مهما كانت المبررات، والعمل على تجاوز الحسابات الضيقة، وصولا إلى مشروع جامع يضمن الحرية والكرامة والعدالة لكل التونسيين".

وخلص المتحدث ذاته إلى الدعوة “لحوار بين مكونات الوطن السياسية منها والمدنية، لإيجاد مخرج لأزمة لا تتحمل الحياد”. 

وأكد أن قضية المعتقلين السياسيين في تونس “مظهر سلبي للأزمة المتحدث عنها، تستدعي تكاتف القوى لجعله من الماضي”.