لماذا فشلت إسرائيل في بناء "شبكة وكلاء" تابعة لها في الشرق الأوسط؟

"تشغيل قوى وكيلة ينطوي على صعوبات ومخاطر"
“هل يمكن لقوة عسكرية (زرقاء وبيضاء) شبيهة بحزب الله أن تفيد إسرائيل في مواجهة إيران، وما احتمالات هذا السيناريو؟”، بهذا التساؤل استهل معهد عبري حديثه عن ظاهرة الوكلاء العسكريين في الشرق الأوسط.
وأشار معهد “مسغاف” إلى أن "مسألة تشغيل إسرائيل قوات بالوكالة محفوفة بعوامل كثيرة يجب دراستها بعناية".
فكرة مغرية
وقال المعهد: إن "موضوع استخدام القوى بالوكالة برز في العامين الأخيرين بسبب (حلقة النار) التي بنتها إيران حول إسرائيل، في محاولة للقضاء على (الكيان الصهيوني) عبر منظمات تابعة لها تحيط بإسرائيل من كل الجهات".
وأضاف أن "هذه الممارسة شائعة في مناطق عديدة من العالم، قديما وحديثا، وبالتأكيد في الساحة الإقليمية، فهي ليست اختراعا إيرانيا وليست جديدة".
وذكر أمثلة عديدة، أبرزها النزاع الأخير في اليمن؛ حيث كان بين مجموعات مدعومة من السعودية والإمارات، وتصارعت فيما بينها باسم داعميها للسيطرة جنوب البلاد.
وأردف: "عالميا، قوات المرتزقة مثل مجموعة فاغنر تعد بدورها نوعا من الوكلاء لصالح روسيا".
"بل حتى إسرائيل، كما يقول البعض، تعد بمثابة ذراع عملياتية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط". وفق المعهد.
وعن موقع الكيان المحتل وسط هذا المشهد، قال المعهد: "منذ بداية الحرب، وبحسب تقارير أجنبية، زودت إسرائيل بعض العشائر في غزة وكذلك الدروز في سوريا بالسلاح".
وتابع: "وإذا صحَّت هذه التقارير، فإن هؤلاء يصبحون بشكل ما وكلاء لها أو شركاء في تحالف معها".
ومع ذلك، يرى أنه "باستثناء الدعم الواضح لجيش لبنان الجنوبي، فإن محاولات إسرائيل السابقة لاستخدام هذه الطريقة لم تحقق نجاحا كبيرا".
وعزا ذلك إلى عدة أسباب، أبرزها "الكراهية الواسعة لإسرائيل في المنطقة، وغياب التمويل الكافي، والتفكير قصير المدى".
واستدرك: "غير أنه في عصر يخوض فيه الجيش الإسرائيلي معارك على جبهات متعددة، وتتزايد فيه المهام ويستنزف فيه الضغط المستمر القدرات؛ تبدو فكرة تقاسم العبء مع مجموعات محلية لها مصالح متقاربة فكرة مغرية".
التحالف والوكيل
وتطرق المعهد للحديث عن الفرق بين التحالفات والوكلاء قائلا: "دول كثيرة ترى نفسها قوى إقليمية أو عالمية تعقد تحالفات مع قوى محلية لتعزيز مصالحها، وكسب دعم شعبي في دول أخرى، أو لضمان وجود ذراع محلية تنفذ سياساتها".
وأضاف: "أحيانا يكون الأمر مجرد تحالف، لكن في حالات كثيرة تتحول هذه القوى إلى منفذين مباشرين لأوامر الدولة الراعية دون نقاش أو اعتراض".
بدوره، يرى الباحث في مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية بجامعة بار إيلان، إيال بينكو، أن "المصالح المشتركة هي أساس التعاون الإقليمي، لكنه يميز بين التحالف وبين الوكيل العسكري، فبينما التحالف ممارسة شائعة وشرعية، فإن الوكيل هو أداة أقل شرعية".
وأضاف بينكو: "التحالف هو اتفاق بين طرفين، قد يكونان دولتين أو غير ذلك، لتحقيق هدف مشترك يخدمهما معا، مثل إسرائيل والدروز أو إسرائيل ومصر، أو تحالف دفاعي بين أطراف أخرى في المنطقة والعالم".
فعلى سبيل المثال، لا يُعد بينكو "التعاون بين تركيا والجانب الغربي من ليبيا استخداما لوكيل، بل هو تعاون بين حكومة انتقالية في ليبيا والأتراك".
فالوكيل، بحسب وجهة نظره، يعد "بمثابة مندوب عن الطرف الرئيس، ينفذ مهامه مقابل تمويل وتدريب وتسليح".
واستطرد: "إيران مثلا تدرب وتمول الحوثيين وحزب الله، وتزودهم بالسلاح، وهم ينفذون سياساتها رغم امتلاكهم دوافع خاصة بهم".
وأكد بينكو أن إِسرائيل "ليس لديها وكلاء بالمعنى المباشر، حتى لو أن بعض العشائر في غزة قد تصنف كذلك".
وبخصوص علاقتها مع الأكراد أو الدروز في جنوب سوريا، فوصفها الباحث الأكاديمي بـ"علاقات تحالف".
أما في حالة غزة، فيقدر أن إسرائيل "استغلت خلافا بين العشائر، ودعمت إحداها المعارضة لحماس بما يخدم أهدافها".
وحول البعد القانوني لعمل الوكلاء، يرى الخبير في القانون الدولي والمحاضر في كلية سابير، رافائيل بيتون، أن "المسألة معقدة".
وقال: "استخدام هذا النموذج قد تكون له تبعات قانونية، لكنه في جوهره قضية علاقات دولية وإدارة نزاعات مسلحة أكثر من كونه مسألة قانونية بحتة".
ورأى بيتون أن “الحالات تختلف من بلد إلى آخر، وقد يكون الهدف هجوما أو إرهابا، أو دفاعا كما في حالة جيش لبنان الجنوبي”.
واستطرد: "الأهداف متنوعة، فقد يسعى الوكيل للسيطرة على دولته جزئيا أو كليا، أو لضرب دولة ثالثة".

خيانة غبية
وأبرز المعهد العبري الفوائد العسكرية التي يمكن أن تجنيها إسرائيل من استخدام وكلاء أو عقد تحالفات مع قوى محلية.
ويعتقد اللواء المتقاعد عوزي ديان، الذي شغل منصب نائب رئيس الأركان وقائد المنطقة الوسطى ورئيس مجلس الأمن القومي، أن "هناك منطقا وحاجة كبيرة لامتلاك وكلاء، لكن لا يوجد حاليا مثل هذه القوى".
وأضاف: "هناك فرص قليلة في المنطقة، وأحيانا يمكن استغلال فرصة مثل في أرض الصومال، لكن ليس هناك وفرة كما نشاء".
وشرح ديان الفوائد المحتملة للتنظيمات الوكيلة قائلا: "بما أن جزءا من هذه الحرب هو ضد الإرهاب على المدى البعيد وفي مناطق بعيدة مثل الحوثيين في اليمن، فإن وجود تعاون مع طرف أقرب إلى المكان يقلص المسافات ويزيد من قدرة الهجوم".
وبحسب وجهة نظره، فإن الخيار الأنسب لمواجهة حزب الله هو "تعزيز التعاون قدر الإمكان لدعم الحكومة اللبنانية التي تكافح حزب الله وتواجه صعوبات في هذا الشأن".
وشدد الخبير العسكري على أن "هذا ينطبق على كل ما يمكن أن يساعد في مواجهة تهديدات جديدة مثل تهديدات الحوثيين، وكذلك (التنظيمات) الموالية لإيران في سوريا والعراق".
وهنا يبرز -وفقا له- "العلاقة الجيدة مع الدروز، إذ إن من مصلحة إسرائيل دعمهم حتى إلى حد المطالبة بالحكم الذاتي؛ لأن نزع السلاح من جنوب سوريا ضروري لنا أيضا عبرهم، لضمان ممر آمن نحو إيران".
أما القائد السابق لهيئة الأركان العامة ولواء المدرعات السابع، اللواء المتقاعد غيرشون هكوهين، فيقول بحدة: "إسرائيل غبية، الوكيل الأكثر أهمية الذي كان لدينا، جيش لبنان الجنوبي، أضعناه بخيانة حمقاء".
وأضاف: "يجب دائما محاولة بناء مثل هذه القوى، في كل مكان وفق لعبة المصالح المشتركة، والنظر أين يمكن عقد مثل هذه التحالفات".
ونوه إلى أنه "حتى الحوثيون يفعلون ذلك لمصلحتهم، لا يوجد وكيل يعمل بلا مصالح، هكذا كان الأمر مع جيش لبنان الجنوبي، حيث كانت لهم مصالح مشتركة مع إسرائيل".
من جانبه، قدر المعهد أن "تشغيل قوى وكيلة ليس أمرا سهلا، بل ينطوي على صعوبات ومخاطر".
وتابع موضحا: "إسرائيل حليفة للولايات المتحدة، والمحور الغربي كله يقاتل إيران بدعوى أنها تمول قوى إقليمية لخدمة مصالحها ضد خصومها".
واستطرد: "في مثل هذا الوضع، قد يُنظر إلى خطوة مشابهة من إسرائيل على أنها نفاق وإضرار بالمبادئ التي يروج لها المعسكر الأميركي".
غياب الرؤية
على النقيض، لا يرى اللواء المتقاعد ديان أن "الأميركيين قد يمانعون في تحالفات محلية".
وعزا ذلك قائلا: "في الحرب العالمية الحالية، توجد ثلاث مقاربات عامة، الأولى هي المقاربة الأميركية (البراغماتية)، حيث يمنحون لكل طرف شيئا ليكسبوا ولاءه".
أما المقاربة الثانية، وفق وجهة نظره، فهي "مقاربة (الشر)، التي تتجسد في الإرهاب الذي يقتل كل من لا يدعمه".
وبحسبه، فإنه في هذه المقاربة، "يمكنك الاستسلام للإرهابيين بشروط معينة، وإلا سيشنون حربا عليك".
وأخيرا، "هناك المقاربة الإسرائيلية، التي سماها اللواء المتقاعد (البحث عن العدالة)".
ووفق ادعاءه، تهدف هذه المقاربة إلى "التعاون مع أي طرف في المنطقة للعمل من أجل العدالة والسلام في الشرق الأوسط".
وقدر أن "الأميركيين يعملون مع إسرائيل وفق هذه المقاربة في بعض المستويات وبعض الأماكن".
وأضاف: "لا يزعجهم أن يُقتل الأكراد في شمال سوريا وأن يستقبلوا في الوقت ذاته أحمد الشرع في البيت الأبيض، ولا يزعجهم إنشاء مجلس سلام في غزة رغم أنه لن يجلب سلاما أو أمنا".
وحول أسباب غياب التفكير الإسرائيلي في بناء مثل هذه التحالفات، يرى بينكو أنه "عندما ننظر إلى وضع الشرق الأوسط، نجد أن كل شيء متقلب وغير مستقر، ومن الصعب في ظل ذلك صياغة إستراتيجية كبرى طويلة الأمد".
وتابع: "في حمضنا الوراثي السياسي وبحكم واقعنا، لا نملك القدرة على التفكير الإستراتيجي".
وأضاف بينكو: “في الثقافة العربية والإسلامية، ينظرون إلى الأمام لعشرات السنين ويبنون إستراتيجيات، كما في خطة المئة عام التي وضعتها جماعة الإخوان المسلمين للسيطرة على أوروبا والولايات المتحدة”. وفق قوله.
هذه الخطة، بحسبه، "تقوم على الصبر، وخطوات واضحة، وتمويل، وتفكير مستقبلي/ وكذلك يفعل الإيرانيون، فهناك أيضا نظام حكم مستقر لا يتغير باستمرار، وغير منشغل بالبقاء السياسي، ما يسمح بصياغة سياسة متواصلة".
وتابع: "هل كان ينبغي علينا التفكير إستراتيجيا؟ نعم، بالتأكيد، لكن ثقافتنا تدفعنا إلى التركيز على ما سيحدث في الأسبوع المقبل، ولذلك يصعب علينا بناء إستراتيجية منظمة".
![]()
صدمة كبيرة
من جانبه، يرى اللواء المتقاعد هكوهين أن القضية أبسط من ذلك بكثير، قائلا: "لدينا اعتقاد بأن أي تحالف يجب أن يكون أبديا، لكن التحالف يمكن أن يكون مؤقتا، وغدا يوم جديد، قد يكون مع الأكراد في شمال العراق أو بإيران أو في سوريا، الذين ربما لا نجرؤ على مساعدتهم بسبب إملاءات أميركية".
وأضاف: "إحدى مشكلات إسرائيل، باستثناء جهاز الموساد، أننا لا نفهم ألعاب التغلغل والعمل السري والأساليب التي تدار بها".
واستطرد: "في السابق كنا نفهم ذلك، البريطانيون يعملون دائما بهذه الطريقة، ولا يزالون إمبراطورية تبني تحالفات رغم أن جيشها محدود، فجهاز المخابرات البريطاني (MI6)، على سبيل المثال، موجود في أوكرانيا للتدريب والتعلم وبناء منظومة استخباراتية".
في نهاية المطاف، قدّر المعهد العبري أن "السبب لا يعود فقط إلى غياب الرغبة، بل أيضا إلى الكلفة العالية لتشغيل القوى الوكيلة والعمل السري".
وأوضح مقصده قائلا: "فقد تعرضت الحكومة، ووزير الدفاع آنذاك أرييل شارون، لصدمة كبيرة بسبب المجزرة التي ارتكبتها مليشيات الكتائب (اللبنانية، المسيحية) في صبرا وشاتيلا خلال ثمانينيات القرن العشرين، والتي اعتبرها العالم آنذاك أدوات تابعة لإسرائيل".
إضافة إلى ذلك، فإن "الالتزام في مثل هذه العلاقات يكون متبادلا، فإذا طلبت من قوى محلية تنفيذ مهام لصالحك، فعليك لاحقا أن تتكفل برعايتها، من إعادة التوطين، والسكن، والتعليم، والخدمات الصحية، وغيرها، وهو عبء لا ترغب إسرائيل بالضرورة في تحمله".
"كما تضررت سمعة إسرائيل كحليف بعد قضية جيش لبنان الجنوبي خلال الانسحاب من لبنان، في ظل الانطباع السائد بأن هذا التنظيم تُرك لمصيره من قبل الجيش الإسرائيلي"، يقول المعهد.
وأكمل: "وإذا أضفنا إلى ذلك قلة الجهات الإقليمية الموثوقة المستعدة للعمل مع إسرائيل، ومحدودية المعروض من القوى الفاعلة والمؤهلة، نحصل على واقع يجعل هذا الخيار غير ناضج بما يكفي".
ومع ذلك، لم يستبعد المعهد "الافتراض القائل أن إسرائيل تقيم تحالفات من هذا النوع أو عمليات تشغيل لقوى خارجية عن بعد، لكننا لا نعرف عنها شيئا بسبب متطلبات السرية، فقد تميزت إسرائيل دائما بالعمليات السرية، ولم تحظ علاقاتها غير المعلنة بتأييد إقليمي واسع".
وبحسب تقديره، فإن "هذا يعني أنه حتى لو وجدت جهات إقليمية ساعدت إسرائيل في عمليات عسكرية مختلفة، فليس بالضرورة أن يكون هناك استعداد لكشف ذلك أو تسليط الضوء عليه علنا".












