تآكل الثقة عبر الأطلسي.. كيف تقود واشنطن الناتو نحو النهاية؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

على وقع تصاعد الخلاف بين الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب ودول الاتحاد الأوروبي، عقب مطالبة واشنطن بضم جزيرة غرينلاند إلى أراضيها، برز مصير حلف شمال الأطلسي (الناتو) بوصفه السؤال الأبرز في المرحلة الراهنة، لا سيما في ظلّ حالة التباعد وعدم الانسجام المتزايد بين الولايات المتحدة وأوروبا.

وتتمتع غرينلاند التابعة للدنمارك بحكم ذاتي، بموقع جغرافي وإستراتيجي فريد؛ إذ تُعد أكبر جزيرة في العالم وتقع بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي. ورغم كونها جغرافيًا جزءًا من قارة أميركا الشمالية، فإنها تُصنَّف سياسيًا وجيوسياسيًا ضمن الفضاء الأوروبي بحكم تبعيتها للمملكة الدنماركية.

تلويح بالقوة

في مقابلة مع صحيفة نيويورك بوست، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: إن “واشنطن ستفرض سيادتها على مناطق في غرينلاند تضم قواعد عسكرية أميركية”. موضحا: “سنحصل على كل ما نريده.. لدينا بعض المحادثات المثيرة للاهتمام الجارية الآن”.

وأضافت الصحيفة، في 24 يناير/ كانون الثاني 2026، أن “أحد المقترحات المطروحة للنقاش لا يصل إلى حد الملكية الأميركية الكاملة، لكنه يتيح للولايات المتحدة فرض سيادتها على القواعد العسكرية في الجزيرة، مثل قاعدة بيتوفيك الفضائية”.

وفي 22 يناير/ كانون الثاني، أعلن ترامب أنه عقب اجتماعه مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته، تم وضع الخطوط العريضة لاتفاقيات محتملة بشأن غرينلاند. مشيرًا إلى أن “هذا الاتفاق، في حال إتمامه، سيكون حلا مميزا بالنسبة للولايات المتحدة وجميع دول حلف الناتو”.

وكان ترامب قد برر ضرورة استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند بمزاعم تفيد بأن الجزيرة “محاطة بسفن صينية وروسية”. محذرًا من احتمال وقوعها تحت سيطرة إحدى الدولتين في حال لم تتحرك واشنطن.

وفي 24 يناير/ كانون الثاني، نشر البيت الأبيض صورة معدلة بالذكاء الاصطناعي للرئيس الأميركي دونالد ترامب برفقة بطْريق يحمل العلم الأميركي في جزيرة غرينلاند.

ونُشرت الصورة على منصة “إكس” مرفقة بتعليق: “عانقوا البطريق”، كما نُشر مقطع فيديو مشابه على تطبيق “تيك توك”، رغم أن طيور البطريق لا تعيش في غرينلاند.

وعلى الصعيد ذاته، أفاد مسؤولون أوروبيون بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبّخ رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن بسبب ملف غرينلاند لمدة 45 دقيقة، خلال مكالمة هاتفية جرت في يناير/ كانون الثاني 2025. وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز.

وبحسب تقرير نشرته الصحيفة في 25 يناير، كشف المسؤولون أن ترامب صرّح في 7 يناير 2025، وقبل تنصيبه رسميًا، للمرة الأولى بأنه لا يستبعد استخدام القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند. وفي الأسبوع التالي، أجرت فريدريكسن مكالمة هاتفية وُصفت بالحادة مع ترامب، قام خلالها بتوبيخها لنحو 45 دقيقة، بحسب المصادر.

من جهتها، قالت رئيسة الوزراء الدنماركية في مقابلة مع الصحيفة: إن ترامب “قادر على التحدث بوضوح شديد”، مؤكدة في الوقت ذاته أنها قادرة أيضًا على الرد. لكنها اكتفت بالتعليق على المكالمة بالقول: “يجب أن تبقى المحادثة الهاتفية بين زميلين مجرد محادثة هاتفية بين زميلين”.

بدوره، أكد رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن، خلال مؤتمر صحفي في 13 يناير، أن سكان غرينلاند لا يرغبون في أن يكونوا جزءًا من الولايات المتحدة، مضيفًا: “إذا كان علينا الاختيار الآن بين الولايات المتحدة والدنمارك، فإننا نختار الدنمارك”.

وشدد نيلسن على أن “أمرًا واحدًا يجب أن يكون واضحًا للجميع: غرينلاند لا تريد أن تكون تابعة للولايات المتحدة، ولا أن تُحكم من قبلها، ولا ترغب في أن تكون جزءًا منها”.

الاختبار الأصعب

وبشأن مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ظل العلاقات المتوترة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ودول الاتحاد الأوروبي، رأى الكاتب والمحلل السياسي الأردني حازم عياد أن ترامب يضع الحلف أمام اختبار بالغ الصعوبة من خلال مطالبته بضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة.

وقال عياد، في حديث لـ“الاستقلال”: إن “ما يجري ليس الاختبار الأول من نوعه؛ فقد سبقته سلسلة من الاختبارات، كان أبرزها مطالبة ترامب دول الحلف بتحمّل مسؤوليات أكبر ورفع مساهماتها المالية في ميزانيته”.

وأوضح أن ترامب لطالما انتقد دور الدول الأوروبية، ورأى أن حلف الناتو فقد أهميته وقيمته بالنسبة للولايات المتحدة، إلا أن اختبار غرينلاند يُعد الأخطر، خاصة أنه يأتي في مرحلة ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية، إلى حدّ باتت معه بنية الحلف وفلسفته ودوافع تأسيسه محل نقاش داخلي واسع، مؤكدا أن الناتو لم يكن يوما في حالة هشاشة وضعف وتفكك كما هو عليه الآن.

وتوقع عياد أن تتفاقم حالة التراجع في القيمة الإستراتيجية للحلف لدى مختلف أطرافه، لا سيما أن عددا من الدول الأوروبية بدأ يبحث عن بدائل لهذا التحالف، كما بات يعيد تعريف علاقته بالولايات المتحدة على نحو مختلف عما كان عليه سابقا.

وأشار إلى أن بعض الدول الأوروبية لم تعد تنظر إلى الولايات المتحدة كشريك تحالفي تكاملي، بل كخصم أو منافس، وهو ما يبرز بوضوح في المواقف من روسيا والصين؛ إذ تفضّل بعض الدول الأوروبية الانفتاح على الصين، فيما تسعى أخرى لإيجاد مخرج سياسي للعلاقة مع روسيا بعيداً عن النفوذ الأميركي.

وأضاف: “من هنا، فإن ما جرى بشأن جزيرة غرينلاند يُعد اختبارا جديدا يفاقم مأزق حلف الناتو، ويعمّق في الوقت نفسه أزمة العلاقة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية”.

وبحسب عياد، فإنه “لا يُعوَّل كثيراً على حدوث تغييرات داخل الولايات المتحدة تنعكس إيجابا على موقف الدول الأوروبية من حلف الناتو، الذي خضع لاختبارات متكررة في أكثر من ملف، سواء في الحرب الأوكرانية، أو في العلاقة مع الصين، أو في سياق العلاقات الأميركية الأوروبية عموما”.

وخلص إلى أن “هناك تحولا في الفلسفة والأهداف، إلى جانب تصاعد الاضطراب في العلاقة الأميركية الأوروبية، وهو اضطراب لا يرتبط فقط بشخص ترامب، بل بوجود تيار واسع داخل الولايات المتحدة يدعو إلى العزلة وإعادة تعريف المصالح، مقابل تيار أوروبي آخذ في الاتساع يطالب بإعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة ومع العالم”.

حافة الانهيار

في تطور غير مسبوق يهز أركان حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كشفت تقارير صحفية أميركية أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بدأت تنفيذ خطوات عملية لتقليص المشاركة الأميركية في آليات عمل الحلف، في خطوة يرى خبراء في الأمن الدولي أنها قد تمثل بداية تفكك أقوى تحالف عسكري في التاريخ الحديث.

وأفادت صحيفة واشنطن بوست، في 21 يناير/ كانون الثاني 2026، بأن وزارة الدفاع الأميركية تخطط لتقليص مشاركتها في إحدى المجموعات الاستشارية التابعة للناتو، في أحدث مؤشر على توجه إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو خفض الوجود العسكري الأميركي في أوروبا.

وبحسب الصحيفة، سيؤثر القرار على نحو 200 فرد عسكري، كما سيقلل من المشاركة الأميركية في قرابة 30 هيئة ومنظمة تابعة للحلف، من بينها مراكز تميز تُعنى بتدريب قوات الناتو على مجالات مختلفة من أنماط الحروب الحديثة.

ولن يتم الانسحاب بشكل فوري؛ إذ تعتزم وزارة الدفاع الأميركية عدم استبدال الأفراد عند انتهاء فترات خدمتهم، وهي عملية قد تمتد لعدة سنوات. وتشمل التخفيضات مجموعات استشارية مختصة بالأمن الطاقي للحلف، والحرب البحرية، والعمليات الخاصة، والاستخبارات.

وتأتي هذه التطورات في سياق تصعيد لافت من الرئيس ترامب تجاه حلفاء الولايات المتحدة؛ إذ هدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 10 بالمئة على جميع السلع القادمة من دول الاتحاد الأوروبي بدءا من 1 فبراير/ شباط 2026، على أن ترتفع إلى 25 بالمئة بحلول 1 يونيو/ حزيران، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن جزيرة غرينلاند.

من جهتها، حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن من أن أي هجوم أميركي على دولة حليفة في الناتو قد يعني نهاية الحلف ذاته، مؤكدة صعوبة تصور تعافي الحلف من خرق صادم للمعاهدة يقوم فيه حليف بمهاجمة حليف آخر للاستيلاء على أراضٍ تابعة له.

وبحسب واشنطن بوست، تمثل التهديدات الأميركية أخطر أزمة يواجهها الناتو في تاريخه الممتد لـ77 عاما. ونقلت الصحيفة عن الخبير الأميركي ستيفن دورلوف قوله: إن هذه الخطوات تمثل نهاية فعلية للناتو بصيغته المعروفة، مشيراً إلى أن الحلف يقوم أساساً على الالتزامات الموثوقة بين أعضائه.

وأضاف دورلوف أن هذه السياسات ستسرّع من تصاعد العداء تجاه الولايات المتحدة عالميا. موضحا أنه حتى في حال فوز الديمقراطيين في انتخابات 2028، فإن احتمال عودة رئيس يتبنى نهجا مشابها لترامب سيؤدي إلى تآكل الثقة بشكل دائم.

بدورها، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، في 24 يناير/ كانون الثاني 2026، أن حلف الناتو “بشكله التقليدي يقترب من نهايته”، في ظل التحول السلبي في نهج الولايات المتحدة تجاه أمن الضفة الأطلسية.

وقالت الصحيفة في تقريرها: “لا ينبغي أن يساور أحد أي شك: الناتو بالشكل الذي نعرفه – التحالف الذي شكّل حجر الزاوية للأمن عبر الأطلسي لأكثر من 75 عاما – يقترب من نهايته”.

وأضافت أن قادة أوروبيين، عقب مشاركتهم في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أدركوا أن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بضمان أمن أوروبا، بل وقد تتحول إلى مصدر تهديد لها.

ويأتي ذلك في أعقاب تصريحات أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في 22 يناير، قال فيها إن واشنطن “لم تكن بحاجة إلى الناتو أبداً”، ولم تطلب من التحالف أي شيء على نحو جدي.

كما كتب ترامب، عبر حسابه على منصة “تروث سوشيال” في 20 يناير/ كانون الثاني 2026، قائلا: “لم يقم أي شخص، ولا أي رئيس، بما قمتُ به من أجل الناتو. لولا ظهوري، لما كان الناتو موجودا اليوم، ولكان انتهى في مزبلة التاريخ”. مضيفا أن ذلك “أمر محزن لكنه حقيقي”.