مقامرة إندونيسيا في غزة.. لماذا يثير مجلس السلام قلق جاكرتا؟

"التحدي يكمن في الغموض الذي يكتنف الأهداف الحقيقية للمجلس"
انضمام إندونيسيا إلى ما يسمى "مجلس السلام" الجديد يتطلب تقييما دقيقا لمواقفها في السياسة الخارجية؛ إذ يتوقع العالم اليوم المزيد من جاكرتا، وفق الدبلوماسي الإندونيسي المتقاعد، سيمون هوتاغالونغ.
جاء ذلك في مقال له نشره موقع "يوراسيا ريفيو" الأميركي، حمل عنوان: "مقامرة إندونيسيا في غزة".
ويُعد هذا المجلس إطارا دوليا يتضمن أيضا "دعم الاستقرار في قطاع غزة خلال مرحلة ما بعد الإبادة الإسرائيلية، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار، رغم الشكوك والانتقادات الموجهة له".
كما يعزز تنامي النفوذ الدبلوماسي لإندونيسيا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التزامها الثابت باستقلال فلسطين، بوصفه مبدأ أساسيا في سياستها الخارجية، وفق المقال.

شعب داعم
ويحظى دعم حقوق الفلسطينيين بتأييد شعبي واسع في إندونيسيا، وهو موقف حافظت عليه الحكومات المتعاقبة في جميع بياناتها الرسمية، سواء على المستوى المحلي أو في المحافل الدولية.
وأوضح هوتاغالونغ أن إندونيسيا تواجه خيارا دقيقا بين توظيف دعمها الأخلاقي والسياسي العميق لاستقلال فلسطين، وما يحظى به هذا الموقف من تأييد شعبي، لتعزيز نفوذها الدولي ورصيدها المعنوي عبر الانخراط في "مجلس السلام"، وبين المخاطر المحتملة المترتبة على هذا الانخراط.
وقال هوتاغالونغ: "يكمن التحدي الرئيس الذي يواجه إندونيسيا في الغموض الذي يكتنف الأهداف الحقيقية لمجلس السلام، إذ تُقدّم هذه المبادرة نفسها كمنصة لبناء السلام، إلا أن أنظمة صنع القرار داخلها وآليات التمويل وأهدافها المستقبلية لا تزال غير واضحة".
وأضاف "تواجه السياسة الخارجية الإندونيسية، القائمة على عدم الانحياز والتعددية والاتساق الأخلاقي، مشكلة هيكلية كبيرة بسبب هذا الوضع الضبابي".
ويتعين على جاكرتا -وفق المقال- أن تُقرر ما إذا كان المجلس سيساعدها على تحقيق أهدافها في غزة، أم أنه سيُضفي شرعية على مبادرة تُسيطر عليها دول أقوى.
وحذر من أن “حساسية هذا القرار تزداد في ظل الدعم الشعبي الواسع الذي يحظى به الفلسطينيون داخل المجتمع الإندونيسي”.
واسترسل: "فأي خطوة غير محسوبة من الحكومة قد تثير ردود فعل سلبية داخليا، بما ينعكس سلبا على الثقة في السياسة الخارجية، ويُضعف موقع إندونيسيا داخل العالم الإسلامي".
واستدرك هوتاغالونغ: "رغم هذه الهواجس، تظل المكاسب المحتملة للمشاركة في هذا المجلس كبيرة؛ إذ من شأن انخراط الحكومة الإندونيسية أن يمنحها نفوذا أكبر في تحديد شكل الحوكمة المستقبلية في غزة، وآليات توزيع المساعدات الإنسانية، وخطط إعادة الإعمار بعد الحرب".
واستطرد: "يحظى الدور الإندونيسي باعتراف دولي بوصفها أكبر ديمقراطية ذات أغلبية مسلمة في العالم، ودولة تشارك بانتظام في مهام حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، مع حفاظها في الوقت نفسه على صورة قوة أخلاقية ذات كفاءة عملية".
وتابع: "كما أن هذه المبادرة قد تسهم في ترسيخ مكانة إندونيسيا بوصفها قوة متوسطة صاعدة في العالم النامي، من خلال إثبات قدرتها على الانخراط في مفاوضات السلام الدولية".
"وفي ظل سعي جاكرتا الحثيث إلى تعزيز حضورها العالمي عبر رئاستها لمجموعة العشرين، وجهودها الدبلوماسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتوسيع شراكاتها التنموية، فإن عضوية المجلس تفتح المجال لتوسيع نطاق تأثيرها الدولي". وفق المقال.
وأضاف: "كذلك، يمكن توظيف هذا الانخراط لبناء علاقات أكثر متانة مع شركائها الرئيسين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الشرق الأوسط، بما يعزز التعاون في مجالات الأمن والتنمية والعمل الإنساني".
مشاركة رمزية
وشدد هوتاغالونغ على أنه "يجب موازنة هذه المزايا في مقابل جوانب سلبية جوهرية لا يمكن تجاهلها؛ حيث تتمثل الإشكالية الرئيسة في محدودية القدرة على التأثير في عملية صنع القرار".
ورأى أنه "حتى مع انضمام إندونيسيا إلى المجلس، قد يبقى خاضعا لهيمنة دول كبرى تمتلك أهدافا إستراتيجية مختلفة عن الرؤية الإندونيسية تجاه القضية الفلسطينية. وفي هذه الحالة، تجد جاكرتا نفسها أمام مشاركة رمزية لا تقابلها قدرة فعلية على التأثير في مسار القرارات الأساسية".
"كما أن أي برنامج غير واضح المعالم أو محل جدل داخلي من شأنه أن يثير ردود فعل سلبية من منظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، وقيادات سياسية تستند مقاربتها لغزة إلى تقديرات أخلاقية بالدرجة الأولى، لا إلى حسابات إستراتيجية".
"إضافة إلى ذلك، فإن تحركات المجلس إذا جاءت خارج أطر الأمم المتحدة أو مواقف منظمة التعاون الإسلامي، قد تقوض مصداقية إندونيسيا بوصفها دولة ملتزمة بالعمل متعدد الأطراف". بحسب المقال.
كذلك، يستلزم الانضمام إلى هذه المبادرة التزامات مالية وتشغيلية، ربما تشمل إرسال كوادر للمشاركة في العمل الإنساني وجهود إعادة الإعمار، من دون ضمان الحصول على نفوذ متناسب في توجيه مخرجات هذه المشاريع.
ويترتب على ذلك خطر موازٍ -وفق المقال- يتمثل في المساس بسمعة إندونيسيا؛ إذ قد ينتهي بها الأمر إلى دعم قرارات يرفضها الفلسطينيون أنفسهم، أو تبدو وكأنها تخدم مصالح خارجية أكثر مما تلبي احتياجات سكان غزة.
وأضاف: "يواجه مجلس السلام تحديات إضافية ناتجة عن احتمال امتلاك بعض أعضائه دوافع خفية، فلربما تسعى قوى بعينها إلى توجيه المسار السياسي لغزة بما يخدم أهدافها الإستراتيجية".
:quality(75)/https://asset.kgnewsroom.com/photo/pre/2025/12/22/88a86231-b956-44bb-a0c4-eef4e759583d_jpg.jpg)
تقييم دقيق
وأوضح هوتاغالونغ أن "عقود إعادة الإعمار التي ستُطرح بعد انتهاء الصراع تمثل حافزا اقتصاديا محتملا لهذه الدول، فيما يعمل المجلس كآلية تحكم وانتقاء تنظم توزيع هذه الفرص على شركات ودول بعينها".
وتنطوي المبادرة على أبعاد جيوسياسية واضحة؛ حيث تُستخدم لترسيخ نفوذ في مناطق ذات أغلبية مسلمة، في سياق منافسة النفوذ الإيراني والتركي والقطري، ودعم مقاربات شرق أوسطية محددة تتبناها تكتلات دولية مختلفة.
وفي هذا الإطار، تُوظَّف الوساطة السلمية كأداة سياسية تتيح لهذه الأطراف بناء صورة علنية إيجابية، بينما تستمر في السعي وراء أهداف إستراتيجية غير معلنة.
وأمام هذا المشهد، أكد الدبلوماسي الإندونيسي السابق أنه يتعين على حكومة بلاده تقييم جميع الخيارات المتاحة بدقة، انطلاقا من متطلبات سياستها الخارجية التي تقوم على حماية السيادة الوطنية، بالتوازي مع الحفاظ على ثوابتها الأخلاقية ومبادئها المعلنة.
ويرى هوتاغالونغ أنه يتعيّن على الحكومة الإندونيسية اعتماد نهج المشاركة المشروطة بوصفه الأداة الأساسية لتحقيق أهدافها.
إذ ينبغي لإندونيسيا أن تحدد شروط واضحة ومُلزمة بعد الانضمام في 21 يناير/ كانون الثاني 2026، تشمل ضمان شفافية الحوكمة، والالتزام بأطر الأمم المتحدة، وتكافؤ حق اتخاذ القرار بين جميع الأعضاء، والتأكيد على أن يتولى الفلسطينيون قيادة هذه المبادرة.
فهذا النهج يتيح لإندونيسيا الحفاظ على هامشها الدبلوماسي وحماية رصيدها الأخلاقي، كما يمنحها القدرة على التأثير في مسار المبادرة منذ بدايتها، وفق المقال.
كذلك، يبعث هذا النهج برسالة واضحة إلى الرأي العام الإندونيسي والمراقبين الدوليين مفادها أن إندونيسيا تدعم قيمها الجوهرية من خلال انخراط عملي ومسؤول، لا عبر الاصطفاف خلف مبادرات تفتقر إلى الوضوح، بحسب هوتاغالونغ.














