ياكير غباي.. ملياردير إسرائيلي غامض يقيم بقبرص الرومية ويظهر بمجلس غزة

"ما يراهن عليه غباي فعليا هو أن الظروف المادية تشكّل الإمكانات السياسية"
حتى قبل أسابيع قليلة، لم تكن تسمع دول غرب آسيا وشمال إفريقيا بـ"ياكير غباي"؛ إذ لم يكن معظم المتابعين للسياسة في المنطقة يعرفونه، وهذا بالضبط ما كان يُفضّله.
جمع غباي ثروته الطائلة بهدوء من عقارات أوروبية، ومجمعات سكنية في ألمانيا، من تلك الأصول غير البراقة التي تُدرّ دخلا ثابتا ولا تتصدر عناوين الأخبار.
ويُدير أعماله من قبرص الرومية، لا من القدس، وأسهمه مدرجة في بورصة فرانكفورت، بعيدا عن الأضواء والصفحات الأولى. وعلى مدى عقدين من الزمن، ظلّ بعيدا عن السياسة الإسرائيلية، حتى إنه لم يُدلِ بصوته في الانتخابات خلال السنوات الأخيرة. ثم جاء السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وتغير كل شيء.
هكذا قدّمت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية لـ "ياكير غباي"، الملياردير الإسرائيلي، عضو مجلس السلام في غزة، الذي اختاره الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.

مَن هذا الرجل؟
وقالت الصحيفة، في تقرير لها: "خلال أيام قليلة، بدأ غباي في صياغة ما سيصبح لاحقا خطة إعادة الإعمار المرتبطة الآن بإطار "مجلس السلام" لغزة الذي يتبناه الرئيس ترامب".
فقد وضع البيت الأبيض اسمه ضمن "المجلس التنفيذي لغزة"، وفجأة صار السؤال مطروحا بقوة: مَن هذا الرجل؟ وماذا يعرف مستثمر عقاري عن إعادة إعمار منطقة خرجت للتوّ من الحرب؟
وتابعت: "عندما يتحدث غباي عن الخطة بالعبرية خلف الأبواب المغلقة، وبحماسة شخص أمضى الـ 16 شهرا الماضية وهو لا يفكر في شيء سواها، يبدو وكأنه يشرح هيكل صفقة مالية معقدة، لا إطارا لإنهاء حرب".
أما كيف يرى ترامب ومبعوثه جاريد كوشنر معنى "النصر"، فهو يقوم على ثلاث ركائز: إعادة الرهائن إلى ديارهم، وعدم العودة إلى القتال، وتفكيك حماس. غير أن الركيزة الأخيرة هي الأصعب: نزع السلاح.
وبحسب جيروزاليم بوست، فإن غباي يدرك الثغرة الواضحة، حيث يمكن لحماس ببساطة أن تتغلغل داخل قوة الشرطة الجديدة، بسلاحها وعناصرها. لكنه يرى مع ذلك أن هناك مسارا ممكنا. فالقوة الشرطية، برأيه، لن تضم عناصر من حماس فقط، بل سيكون فيها آخرون.
وقد سُمع أكثر من مرة يقول: "سيكون هناك عدد كاف من القوات". كما يحب أن يطرح السؤال: "هل كل شيء مثالي؟" ثم يجيب: عادة "لا، لكن البديل أسوأ. فالعودة إلى القتال ليست خيارا جيدا".
من وجهة نظره، فإن ترتيب المراحل يفرض منطقه الخاص. فإذا فشلت المرحلة الأولى، أي نزع السلاح طوعا عبر ضغوط تمارسها مصر وتركيا وقطر والمجتمع الدولي، فإن الجيش الإسرائيلي سيتدخل عندها لتفكيك ترسانة حماس بالقوة.
لكنه يعتقد أن هناك فرصة أن تنجح الضغوط، وأن حماس، المعزولة والمطوّقة من قِبل الدول العربية الموقعة على الإطار، ستختار البقاء على المقاومة.
ويُسمع صوته في أروقة دافوس وهو يقول: "حماس معزولة الآن. وتوقف سقوط جنودنا قتلى وجرحى. وحتى لو اضطر الجيش الإسرائيلي للعودة، فهذا جزء من الاتفاق. حتى أسوأ السيناريوهات الحالية أفضل من الوضع قبل خمسة أشهر".

عراب الإعمار
وأفادت الصحيفة بأنه كتب بنفسه الجزء المتعلق بإعادة الإعمار وإعادة البناء، لا الشقّ الأمني، ولا مسألة نزع السلاح. وهو حاسم في هذا التفريق.
ويشرح أن الخطة بُنيت على مدى أكثر من عام، بمشاركة رجال أعمال من مختلف أنحاء العالم، من بينهم شخصيات مثل توني بلير. وقد اكتسبت زخما خلال حملة ترامب الانتخابية، ثم تسارعت وتيرتها في الأشهر الأخيرة.
وتولى جاريد كوشنر، صهر ترامب، إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، جمع الفريق الأساسي. ويقول: "لكل شخص خبرته المختلفة. والجميع يقدّم رأيه ونصيحته بشأن القضايا المطروحة".
وبحسب ما أعلنه كوشنر في 22 يناير/كانون الثاني 2026، فإن هناك مهلة زمنية محددة لنزع سلاح حماس، تمتد إلى "مئة يوم"، وإن كانت مصحوبة بتحفظات. فالأمر ليس نقلا حرفيا لما قيل، لكن الفكرة أنهم لن يسمحوا بإطالة العملية إلى ما لا نهاية، وفق التقرير.
فإذا رأوا أن سلوك حماس لا يعكس تعاونا، فإن هدفهم هو منحها فرصة. وغباي، بدوره، يؤمن بإمكانية نزع السلاح طوعا.
ويتابع غباي الشؤون العسكرية والأمنية والسياسية عن كثب منذ عقود، لكنه لا ينخرط فيها. ويرى أن الطريقة الكارثية التي انتهت بها الجولات السابقة مع ما يسميه "محور الشر" بقيادة إيران، كانت خطأ فادحا، يعتقد أن هذه الحرب جاءت لتصحيحه.
ويقول: عادةً إن السابع من أكتوبر أيقظه وحثه على العمل. ويقول: إنه فكّر حينها بأن هذه المرة، بإمكانه تغيير الواقع.
وقد سمع رجال أعمال آخرون عن عمله قبل عام ونصف العام. وطلب منه البيت الأبيض تطوير مشروع ما حتى خلال فترة رئاسة جو بايدن، كما تربطه علاقات جيدة بتوني بلير وكوشنر، وعندما فاز ترامب بالانتخابات، أصبح من الأسهل عليه طرح القضية. فهذا النموذج من الإدارة، برأيه، ينسجم معه أكثر: القبضة القوية، والمنطق التجاري.
وتابعت جيروزاليم بوست: "إنها المرة الأولى التي يشارك فيها علنا في أي نشاط سياسي. فهو لا يحب الأضواء، وهذا أحد الأثمان التي يدفعها منذ أن كُشف عن اسمه".
وقالت الصحيفة: "هو من رجال الأعمال الذين يدفعون على الأرجح لضمان عدم ظهور أسمائهم في وسائل الإعلام، لا العكس. لكن تجربة بلورة الأفكار، وتحويلها إلى عروض تقديمية ومقاطع مصورة، والجلوس مع مختلف الأطراف، ثم رؤية هذه الأفكار تتحول إلى واقع، تمنحه شعورا بالرضا والحماسة".
وغالبا ما يقول لمن يتحدثون معه في هذه القضايا إن كل ما يقوم به عمل تطوعي. ويستحوذ هذا الأمر على معظم وقته الآن، وهو ثمن تدفعه عائلته أيضا. لكن بالنسبة له، هو إسهام كبير، ومصدر سعادة غامرة، وفق وصف الصحيفة العبرية.

موقفه من تركيا وقطر
وقالت الصحيفة: "من الأمور التي تُحيّر المراقبين من خارج المشهد، أن تركيا وقطر، الداعمتين لحماس، جزءٌ من هذا الإطار. غير أن غباي يرى أنها ميزة، لا عيب".
ويقول: إن طرح ترامب لـ "مجلس السلام" حظي بإجماع كامل من مختلف الأطراف. ويصف ذلك بأنه "النموذج الأميركي" الذي نجح حتى الآن، بما يتجاوز مشكلة حماس.
ويوضح لمن يسألونه، ومعظمهم من الإسرائيليين أنه "لولا وجود تركيا وقطر في مجلس السلام، لكنا واجهنا فيتو في مجلس الأمن"، ويطمئنهم بأن "90 بالمئة من أعضاء مجلس السلام يدعمون أفكارنا".
وبالفعل، صادق مجلس الأمن الدولي على منح "مجلس السلام" مهمة إدارة مسار السلام في غزة، بدلا من أن تتولاها الأمم المتحدة نفسها، التي تضم غالبية كاسحة معارضة لإسرائيل.
وعندما سُئل عن هذا الكيان الجديد خلال نقاشات دافوس، قال: إن مجلس السلام "يشبه كيانا ذا سيادة"، أي هيئة تمتلك صلاحيات حقيقية.
ويضيف أن غياب الفيتو في مجلس الأمن كان أمرا لافتا، بل شبه معجزة. مشيرا إلى أن الدول العربية دعمت القرار في اليوم السابق للتصويت. أما "تركيا وقطر فهما قطرة في بحر". بحسب تعبيره.
وأفادت الصحيفة بأن موقف غباي من القضايا الأمنية متشدد للغاية، لكنه في الوقت نفسه مستعد لتحمّل المخاطر عندما يتعلق الأمر بأطر لها احتمالية نجاح.
كذلك، فإن البعد اليهودي في هويته كان حاضرا دائما: تعليم يهودي، ونشاط خيري، وعشرات، إن لم يكن مئات من أشكال الدعم المالي والخيري.
وهو يشارك في رئاسة حفل المجلس الإسرائيلي–الأميركي في نيويورك (Israeli-American Council) إلى جانب المليارديرة الإسرائيلية الأميركية ميريام أديلسون. وبعد السابع من أكتوبر، ازداد نشاطه.
وقالت الصحيفة: إن ما يراهن عليه غباي فعليا هو أن الظروف المادية تشكّل الإمكانات السياسية. فإذا أمكن تحقيق إعادة الإعمار بسرعة كافية وعلى نطاق واسع، وإذا رأى سكان غزة المدارس تُفتح والعيادات تعمل، فإنّ الرغبة في حياة طبيعية ستتغلب على الرغبة في المقاومة.
وهو يراهن أيضا على أن مصر ستكون المفتاح. فهو يعتقد أن المصريين يتعاونون بشكل كبير، وأنهم العامل المهيمن في اللعبة.
"ويراهن أيضا على أنه، حتى لو ساءت الأمور، فسيظل الواقع أفضل من الوضع السابق. فهذا التحول الجذري، من حرب لا نهاية لها إلى سلام مشروط بآليات إنفاذ، يُعدّ بحد ذاته تقدما". تختم الصحيفة.














