مرحلة ما بعد "قسد".. كيف توظف دمشق العلاقة مع موسكو لترسيخ الدولة؟

"تبدو روسيا معنية باستثمار مرحلة ما بعد قسد لتعزيز نفوذها الاقتصادي بسوريا"
تؤكد الزيارة الثانية التي يجريها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى روسيا، ولقاؤه نظيره فلاديمير بوتين، أن موسكو ما تزال لاعبا رئيسا في المشهد السوري، وأن دورها لا يقتصر على البعد السياسي فحسب، بل يمتد ليشمل ملفات الأمن والاستقرار والطاقة، فضلا عن إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد وصل إلى موسكو في 28 يناير/كانون الثاني 2026؛ حيث التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، وبحثا العلاقات الثنائية والملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية المشتركة بين البلدين.

ملفات متعددة
قال الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في موسكو: إن بلاده تمكنت خلال العام الأخير من تجاوز العديد من العقبات، كان آخرها تحدّي توحيد الأراضي السورية.
وأضاف الشرع: "أنا سعيد جدًا بهذه الزيارة الثانية، وأعتقد أن هذه هي الزيارة رقم 13 التي تجرى بين الوفود الروسية والسورية منذ السنة الماضية". لافتا إلى أن مواقف موسكو خلال العام الماضي كانت مؤيدة لوحدة الأراضي السورية.
وشدّد الرئيس السوري على أن بلاده "تضطلع بدور تاريخي في وحدة واستقرار الإقليم بأكمله"، معربًا عن أمله في أن تستمر هذه الجهود بما يسهم في انتقال الشرق الأوسط "من حالة الخراب والدمار إلى حالة الاستقرار والتنمية".
من جانبه، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "سعداء أن نراكم من جديد في موسكو". مشيرًا إلى أن الفترة التي أعقبت اللقاء السابق شهدت جهودًا كبيرة لإعادة تنشيط العلاقات الثنائية، لا سيما في المجال الاقتصادي.
واستحضر بوتين الجذور التاريخية للعلاقات بين البلدين، موضحًا أن العلاقات السورية–الروسية تعود إلى عام 1944، حين وقّع الاتحاد السوفيتي وسوريا اتفاقيات تعاون خلال الحرب العالمية الثانية.
وأضاف: "في الظروف الجديدة، وبفضل جهودكم الشخصية، تتطور العلاقات الروسية السورية، وهناك العديد من الملفات قيد النقاش، فيما تعمل الوزارات والهيئات في البلدين بنجاح".
وأكد الرئيس الروسي سعي بلاده إلى زيادة حجم التبادل التجاري مع سوريا ورفع مستوى التعاون في مختلف المجالات. مشيرًا إلى أن التبادل الاقتصادي سجل نموًا بنسبة 4.5% خلال الفترة الماضية، مع وجود رغبة مشتركة في رفع هذه النسبة مستقبلًا.
كما أعلن بوتين استعداد موسكو للمساهمة في إعادة إعمار سوريا، مؤكدًا أن الشركات الروسية في مجالات البناء والطاقة والبنية التحتية جاهزة للعمل داخل البلاد، لا سيما في المشاريع الإستراتيجية المتعلقة بالكهرباء والمياه والمنشآت الصناعية.
وتابع: "نحن نتابع عن كثب جهودكم الرامية إلى إعادة سلامة ووحدة الأراضي السورية، ونهنئكم بنجاح هذه العملية وتزايد وتيرتها، وندعمها بشكل كامل".
وختم بوتين بالقول: "إنني آمل أن تكون عودة شرق الفرات إلى أحضان دمشق خطوة مهمة في هذا الاتجاه، تسهم في استكمال وحدة الأراضي السورية".
وتعد هذه الزيارة الثانية للرئيس أحمد الشرع إلى روسيا منذ توليه الحكم عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد، بعد زيارة أولى جرت في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2025.

ما بعد "قسد"
جاءت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى روسيا في سياق تطورات ميدانية لافتة شهدها شمال وشرق سوريا، لا سيما بعد استعادة الجيش السوري مساحات واسعة كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في محافظات حلب ودير الزور والرقة، مع تقليص نفوذها إلى عدد محدود من المدن داخل محافظة الحسكة شرقي البلاد، بالتوازي مع سريان مهلة زمنية مدتها 15 يوما لتحقيق اندماج قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وتكشف هذه الزيارة عن انتقال العلاقات السورية–الروسية إلى مرحلة أكثر براغماتية، باتت محكومة مباشرة بميزان القوى الجديد على الأرض، بعيدا عن الصيغ التقليدية للتحالف التي سادت خلال السنوات الماضية.
ويكتسب توقيت الزيارة أهمية خاصة؛ إذ جاءت بعد يومين فقط من الانسحاب الروسي السريع من مطار القامشلي شمال شرقي سوريا، عقب توسع سيطرة الجيش السوري على مناطق واسعة في تلك الجغرافيا، وطرد مليشيا قسد منها. وقد تداولت مصادر أن إخلاء المطار تم بطلب من دمشق، في إطار إعادة تموضع القوات الروسية داخل قواعدها الرئيسة، لا سيما قاعدة حميميم الجوية في ريف اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية.
وفي 27 يناير/كانون الثاني 2026، سحبت روسيا معدات وقوات من مطار القامشلي الذي اتخذته قاعدة عسكرية لها منذ عام 2019 ضمن مناطق نفوذ قسد، في خطوة عكست تحولا عمليا في مقاربة موسكو للوجود العسكري شمال شرقي سوريا.
اللافت أن الرئيسين لم يتطرقا علنا إلى ملف الوجود العسكري الروسي، رغم تصريحات سابقة للمتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أكد فيها أن المحادثات ستشمل “مسألة وجود القوات الروسية في سوريا”. ولا يزال مستقبل هذا الوجود يكتنفه الغموض، على الرغم من تقارير صحفية تحدثت عن دور روسي في الجنوب السوري، يتمثل في ضبط التوترات بين سوريا وإسرائيل على الحدود.
ويرى مراقبون أن موسكو تنظر إلى زيارة الشرع بوصفها فرصة لترسيخ ملامح العلاقة الجديدة مع دمشق، بما يتوافق مع الواقع السياسي والميداني المستجد في سوريا، مع الحفاظ على مصالحها العسكرية والاقتصادية والنفوذ الإستراتيجي داخل البلاد.
وفي ظل تراجع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد، يسعى الرئيس فلاديمير بوتين إلى ضمان مستقبل القاعدتين البحريّة في طرطوس والجوية في حميميم، وهما الموقعان العسكريان الوحيدان لروسيا خارج فضاء الاتحاد السوفيتي السابق، في عهد السلطات السورية الجديدة.
وعلى هذا الأساس، لم تعد موسكو تنظر إلى دمشق بوصفها حليفًا عسكريًا فحسب، بل كشريك سياسي يعمل على تثبيت وحدة الدولة وإعادة تشكيل الخريطة الأمنية، بما يقلّص أدوار الفاعلين المحليين المنافسين، وفي مقدمتهم مليشيا قسد.
ويتمثل التحول الأبرز في إعادة تموضع الوجود العسكري الروسي، كما بدا في الانسحاب السريع من مطار القامشلي بطلب سوري، في إشارة إلى اعتراف روسي عملي بتعاظم قدرة الدولة السورية على إدارة المناطق المستعادة دون حاجة إلى انتشار روسي مباشر في مختلف الجبهات. وفي المقابل، تسعى موسكو إلى الحفاظ على نفوذها الإستراتيجي عبر تعزيز حضورها في قاعدتي حميميم وطرطوس، وتكريس دورها كضامن أمني في الجنوب السوري، ولا سيما في ملف ضبط التوتر مع إسرائيل.
بالموازاة، تعمل دمشق على ترجمة هذا التحول الميداني إلى مكاسب إستراتيجية، من خلال منح روسيا حصة وازنة في مشاريع إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية، مقابل استمرار الدعم السياسي والعسكري الروسي.
وتبدو موسكو معنية باستثمار مرحلة ما بعد “قسد” لتعزيز نفوذها الاقتصادي طويل الأمد، بما يربط استقرار سوريا بإعادة إنتاج دور روسيا كقوة إقليمية مؤثرة في الشرق الأوسط.
وعليه، يمكن القول: إن العلاقة السورية–الروسية دخلت طورًا جديدًا، يقوم على معادلة “السيادة مقابل الشراكة”، في ظل واقع ميداني يؤشر إلى تراجع الأدوار الموازية وصعود الدولة السورية لاعبا وحيدا في المناطق التي كانت خارج سيطرتها.

فواعل مشتركة
في هذا السياق، قال الباحث السياسي السوري عمار جلو لـ«الاستقلال»: إن الزيارة الثانية للرئيس أحمد الشرع إلى روسيا جاءت غير مجدولة وغير معلنة مسبقًا، ما يضفي عليها أهمية نوعية، لا سيما في ظل التطورات الميدانية المتسارعة في سوريا على صعيد توحيد البلاد وبسط سيادة الدولة.
وأوضح جلو أن الوضع الداخلي السوري، لا سيما الأحداث الأخيرة في شمال شرقي البلاد ووسطها، وبسط سيطرة الدولة على تلك المناطق، شكّل أحد محاور النقاش الأساسية، نظرًا لانعكاساته المحتملة على مناطق أخرى من الجغرافيا السورية، سواء في الجنوب أو حتى في الساحل.
واستدرك بالقول: إن روسيا كانت لاعبًا فاعلًا في تلك المناطق. مشيرًا إلى أن الدور الروسي في الجنوب السوري تراجع نسبيًا بفعل تفاهمات غير مباشرة بين باريس ودمشق وتل أبيب برعاية أميركية، إلا أن موسكو ما تزال مرشحة للاضطلاع بدور معين، قد يكون مرتبطًا بملفات الحدود وضبط التوترات.
ولفت جلو إلى أن الدور الروسي قد يسهم في بسط سيادة الدولة في الجنوب السوري وإنهاء ملف السويداء، سواء عبر تفاهمات إقليمية أو دولية، مرجّحًا أن يكون لموسكو دور في هذا الإطار.
أما المحور الآخر من النقاشات بين دمشق وموسكو، فيتعلق – بحسب جلو – بالساحل السوري، لا سيما مسألة إعادة ضبط الاستقرار الأمني الهش، في ظل تداول تقارير إعلامية تتحدث عن نشاطات لفلول نظام الأسد البائد تهدف إلى إحداث إرباك أمني، أو حتى محاولة استعادة السيطرة على بعض مناطق الساحل.
وأضاف جلو أن هذا الملف يتطلب موقفًا حاسمًا من موسكو بعدم دعم رموز النظام السابق، مشيرًا إلى أن التزام القيادة الروسية بذلك قد يشكّل عاملًا حاسمًا في تعزيز الاستقرار وإنهاء هذه الإشكالية.
وفي هذا الإطار، كانت وكالة «رويترز» قد نقلت عن مسؤول سوري – لم تسمّه – أن الرئيس الشرع يسعى خلال زيارته الجديدة إلى موسكو للحصول على ضمانات روسية بعدم السماح لكبار الموالين للأسد وضباط الجيش السابقين الذين لجؤوا إلى روسيا باستخدام ملاذهم الآمن لتمويل أو تنظيم هجمات مسلحة ضد الدولة السورية، لا سيما في المناطق الساحلية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، وبعد سنوات من سيطرة مليشيا «قسد» على أبرز حقول النفط السورية، تمكنت الدولة السورية الجديدة منذ 18 يناير/كانون الثاني 2026 من بسط نفوذها على جزء مهم من هذه الثروة الإستراتيجية، في تطور لافت أعاد قطاع الطاقة إلى واجهة المشهد مع بدء استئناف الإنتاج.
وشكّل ضخ النفط من الحقول المُحررة في محافظات دير الزور والرقة والحسكة إلى مصافي التكرير خطوة ذات دلالات اقتصادية وسياسية عميقة، تتجاوز بعدها الفني والتشغيلي، وتعكس تحولا في معادلة السيطرة على الموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، لم يقتصر التقدم الميداني للجيش السوري على تغيير خرائط السيطرة الجغرافية، بل أسهم أيضًا في إعادة رسم معادلة النفوذ على الثروات الطبيعية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على إعادة تأهيل الحقول النفطية ومحاولة إنعاش الاقتصاد المنهك، رغم التحديات الفنية والاستثمارية القائمة.
وبحسب جلو، تسعى الحكومة السورية في هذه المرحلة إلى تنويع مصادر الاستثمار، وقد يتم منح روسيا حصة وازنة في مشاريع إعادة الإعمار، استنادًا إلى العلاقات التاريخية بين البلدين، والبنية التحتية العسكرية والتقنية المرتبطة بروسيا منذ عقود، لا سيما في مجالات الطاقة والصناعة والتدريب العسكري وقطع الغيار للمنشآت السيادية الكبرى.
وأكد جلو أن سوريا تولي قطاع الطاقة أهمية خاصة، وأن روسيا قادرة على المساهمة في تطويره، لا سيما في شمال شرقي البلاد حيث تتركز الموارد، مشيرًا إلى أن موسكو، بحكم تأثيرها في أسواق الطاقة العالمية، تعد طرفا رئيسا في الاستثمارات والمشاريع المرتبطة بهذا القطاع.
وأشار جلو إلى أن الأكثر أهمية في مقاربة القيادة السورية الجديدة هو التأكيد على عدم الانخراط في المحاور الدولية أو الإقليمية، والسعي لإقامة علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، التي تشهد العلاقة معها تطورًا متسارعًا، إلى جانب محاولة تجاوز الإرث الدموي لدور موسكو في دعم نظام الأسد.
ورأى أن تطور العلاقات السورية–الروسية بات مسارًا دوليًا عامًا غير مرتبط بنظام سياسي بعينه، وهو ما تجلّى في زيارة الشرع الأولى إلى موسكو.
ومن الملفات الأخرى التي تهم دمشق، وفق جلو، ملف الأمن الغذائي، حيث قدمت روسيا دعمًا في هذا المجال خلال السنوات الماضية، سواء في عهد النظام السابق أو في المرحلة الحالية.
وعلى الصعيد الإقليمي، أشار جلو إلى أن الحديث عن ضربة محتملة ضد إيران، سواء من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة، منفردتين أو مجتمعتين، يضيف تعقيدًا جديدًا للمشهد الإقليمي، مع احتمال انعكاس تداعياته على سوريا، بوصفها نقطة وصل جغرافية وسياسية بين إيران ولبنان.
وختم جلو بالقول: إن هذه الملفات مرشحة لتكون حاضرة بقوة في مباحثات موسكو، إلى جانب مناقشة الرؤية الروسية لضرورة عدم تحويل سوريا إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين، سواء داخليًا أو عبر صراعات إقليمية تنعكس على استقرارها.















