صراع الأجنحة.. صحيفة عبرية تشرح أسباب تعثر التطبيع مع السعودية

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

“لم تعد السعودية ترى في الاصطفاف العلني مع إسرائيل أولوية ملحة، لا سيما بعد سنوات من المشاهد والصور المشحونة القادمة من قطاع غزة”، هكذا وصفت صحيفة عبرية تغير موقف الرياض من التطبيع.

جاء ذلك في تقرير نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست"، بقلم كبير محللي الشؤون الأمنية فيها، إريك ماندل، المعروف بتقديمه إحاطات دورية لأعضاء الكونغرس الأميركي ووزارة الخارجية ومستشاريهما في شؤون السياسة الخارجية.

وفي سبتمبر/أيلول 2023، بدا أن إسرائيل والسعودية على وشك تطبيع العلاقات، وهو اختراق إستراتيجي كان من شأنه أن يُعيد تشكيل الشرق الأوسط.

وقال ماندل: "كان المسؤولون السعوديون واضحين معي آنذاك، وأكدوا أن الرياض لن تلتحق باتفاقيات أبراهام بوصفها مجرد تابع للإمارات، بل كانت المملكة مصممة على رسم مسارها الخاص (في التطبيع)، بصفتها القوة العربية الأبرز".

وتابع: "كان هذا المنطق الإستراتيجي مقنعا؛ فالتطبيع مع إسرائيل كان كفيلا بتسريع تنفيذ (رؤية 2030) لولي العهد محمد بن سلمان، عبر الجمع بين رأس المال والطموح السعودي من جهة، والابتكار الإسرائيلي والخبرة الأمنية من جهة أخرى، تحت مظلة دعم إستراتيجي أميركي".

آثار 7 أكتوبر

وادعى ماندل أن "الاعتراف السعودي-الإسرائيلي المتبادل كان يحمل وعدا بزيادة النفوذ والازدهار لكلتا الدولتين، مع تحجيم خصمهما المشترك الأبرز، إيران، ودفع الاستقرار الإقليمي خطوة إلى الأمام".

وقال: إن "إيران وأذرعها الجهادية، أدركت تماما خطوة الموقف. وفي السابع من أكتوبر/تشرين الأول، انتزعت حماس زمام اللحظة وسيطرت على مجرى التاريخ".

وتابع: "الهجوم المفاجئ، أدى على الأقل في المستقبل المنظور، إلى عرقلة التطبيع السعودي-الإسرائيلي".

وأردف: "رغم نجاحات إسرائيل اللاحقة في غزة ولبنان وضد إيران نفسها، يبقى السابع من أكتوبر انتصارا إستراتيجيا لحماس وطهران، فقد توقف التطبيع".

وأوضح ماندل أنه "في أعقاب ذلك مباشرة، بدا أن قنوات التواصل التي كانت مفتوحة سابقا مع مسؤولين سعوديين قد أصابها قدر واضح من الفتور".

واستطرد: "أقرّ أحد كبار المسؤولين السعوديين، في حديث خاص، بأن الرياض قللت من تقدير عمق العداء الشعبي، لا سيما لدى فئة الشباب، تجاه إسرائيل. وكانت أسباب ذلك واضحة للعيان دائما، سواء في المناهج الدراسية، أو خطب المساجد، أو وسائل الإعلام".

وأشار ماندل إلى أنه "لطالما بالغ مراقبون غربيون في تصوير أن المجتمع السعودي يتجه نحو الاعتدال، متجاهلين طبيعته المحافظة العميقة، فرغم أن بعض الإصلاحات حقيقية، فإن عددا كبيرا من الأئمة في السعودية لا يزالون يروّجون خطابا عدائيا صريحا تجاه اليهود".

كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي، معززة بتغطية قناة الجزيرة القطرية، في زيادة "تعصب" الشباب العربي في مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك داخل المملكة. وفق التقرير.

وتلعب توجهات الرأي العام والحسابات السياسية الداخلية دورا مهما في صياغة الموقف السعودي، وقد قرأ ابن سلمان المشهد السياسي بعناية، وهو ليس في عجلة من أمره لتطبيع العلاقات مع إسرائيل -بحسب تقييم ماندل- لا سيما أنه لم يعتلِ العرش بعد.

وأكد أنه "مع بقاء الملك سلمان على قيد الحياة، وإن كان ضعيفا، يبقى ولي العهد عرضة للخطر".

من جهة أخرى، "يعود شعور السعودية بأن الولايات المتحدة تخلت عنها على المستوى الإستراتيجي إلى عام 2019، عندما هاجمت إيران منشآت أرامكو، واختارت إدارة دونالد ترامب عدم الرد عسكريا".

وأكد ماندل أن "هذا كان بمثابة صدمة للرياض، فتاريخيا، كان مثل هذا الهجوم سيستدعي ردا أميركيا للدفاع عن حليف إستراتيجي ومورد حيوي للطاقة".

وأردف: "بحثا عن شركاء في مواجهة النظام الشيعي الإيراني التوسعي -الذي يكنّ العداء للسعودية ويستاء من ولايتها على مكة والمدينة- اتجهت أنظار السعوديين بشكل متزايد نحو إسرائيل".

وأفاد بأن "التعاون الهادئ في مجالات الاستخبارات والدفاع الصاروخي والأمن السيبراني والابتكار كان جاريا بالفعل. وكان من شأن التطبيع أن يعزز هذا التعاون، لكن السابع من أكتوبر أسدل الستار على ذلك الفصل الأول".

مخاطر داخلية

وقال ماندل: "بالانتقال إلى عام 2026، بعد سبعة أشهر من الحرب التي استمرت 12 يوما بين إسرائيل وإيران، والتي جرت بدعم أميركي، تبدو طهران اليوم مثخنة بالجراح ومقيدة إستراتيجيا، وبالنسبة إلى السعودية ودول الخليج، تراجع التهديد الإيراني المباشر".

وأضاف "بناء عليه، ترى الرياض أن الاصطفاف العلني مع إسرائيل، لا سيما بعد سنوات من الصور التحريضية القادمة من غزة، لم يعد أولوية ملحة، لقد بدأ الفصل الثاني، لكن ولي العهد يرى أن كلفته السياسية، في هذه اللحظة، أعلى من عوائده".

وتابع: "تلك المخاطر داخلية بالأساس، فابن سلمان يواجه خصوما نافذين داخل الأسرة المالكة، لم ينسوا بعد عملية تركيز السلطة التي قادها، بما في ذلك اعتقال أمراء منافسين في فندق "ريتز كارلتون" عام 2017.

"ومع رحيل الملك سلمان، ستخرج السكاكين إلى العلن، حرفيا ومجازيا"، وفق وصف ماندل.

وقال: إن "ولي العهد يدرك هذه المعادلة جيدا، واتخذ على أساسها خيارا محسوبا يتمثل في تحييد خصومه عبر تبني خطاب علني أكثر تشددا تجاه إسرائيل، ومجاراة النزعة المعادية للصهيونية بين الشباب السعودي، ورفع لواء دعم الدولة الفلسطينية".

هذه المقاربة -وفق التقرير- تسحب من منافسيه هامش المناورة السياسية، بل ذهب ابن سلمان أبعد من ذلك، عبر تدفئة العلاقات مع تركيا، ومغازلة ترتيبات أمنية محتملة تشمل باكستان، وهي مسارات يفترض أن تثير قلق واشنطن.

في هذا السياق، أكد ماندل أنه ينبغي على ترامب إعادة النظر في فكرة منح السعودية مقاتلات "إف-35" المتقدمة، ما لم تُقدَّم ضمانات قاطعة تتعلق بترتيبات خلافة العاهل السعودي، وبالتموضع الإستراتيجي طويل الأمد للمملكة.

"فالسعودية لا تزال تُدار ضمن إطار ديني، صحيح أنه جرى تهذيبه منذ هجمات 11 سبتمبر، لكنه ما زال حاضرا ومؤثرا"، وفق التقرير.

والسؤال الذي يجب طرحه، هل يتعين على الولايات المتحدة أن تضع أكثر تقنياتها العسكرية تطورا في يد دولة لا تزال الأيديولوجية الإسلامية ضاربة في جذورها؟

وختم ماندل بالقول: "صحيح أن التعاون السعودي–الإسرائيلي في مجالي الأمن والتكنولوجيا مستمر بعيدا عن الأضواء، غير أن هذا المستوى من التنسيق وحده، لا يكفي لخدمة المصالح الإستراتيجية الأميركية".