وثائق وضغوط.. كيف حرّكت الإمارات اللوبي الصهيوني ضد السعودية؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

خلال الأيام الأخيرة من يناير/ كانون الثاني 2026، برز مصطلح "معاداة السامية" مجددًا، لكن هذه المرة بوصفه أداة في صراع سياسي إقليمي؛ إذ جرى توظيفه في مواجهة المملكة العربية السعودية، على خلفية خلاف متصاعد مع الإمارات، وتعثر واضح في مسار التطبيع السعودي–الإسرائيلي.

ولم تنطلق هذه الحملة من تصريح سعودي رسمي أو قرار حكومي معلن، بل بدأت عبر سلسلة تحذيرات وتقارير صادرة عن منظمات صهيونية أميركية ولوبيات ضغط داعمة لإسرائيل، رأت أن الخطاب الإعلامي السعودي الأخير يشكّل تهديدا مباشرا لاتفاقيات "إبراهام"، ولمكانة الإمارات بوصفها النموذج العربي الأبرز في مسار التطبيع.

ومع اتساع نطاق الحملة، انتقلت تلك التحذيرات من إطارها الإعلامي إلى اتهامات سياسية صريحة، أعقبتها دعوات غير معلنة لإعادة تقييم طبيعة العلاقة بين واشنطن والرياض، في مؤشر على توظيف الاتهام سياسيا للضغط وإعادة رسم موازين النفوذ داخل المعسكر الحليف للولايات المتحدة.

حرب معلوماتية

في 23 يناير/ كانون الثاني 2026، كانت رابطة مناهضة التشهير الأميركية (ADL) أول من أطلق صافرة الإنذار علنا. ففي بيان شديد اللهجة، حذّرت الرابطة من تصاعد ما وصفته بـ"الخطاب المعادي للسامية" الصادر عن إعلاميين ومحللين سعوديين بارزين، مشيرة إلى استخدام متكرر لنظريات مؤامرة تتحدث عن مخططات صهيونية، وإلى تصعيد ملحوظ في الخطاب ضد إسرائيل واتفاقيات التطبيع معها.

اللافت في بيان الرابطة أنه لم يقتصر على الإدانة من زاوية حقوقية أو أخلاقية، بل تجاوزها إلى ربط الخطاب بتداعيات سياسية أوسع، ويرى أن هذا المنحى يضرّ بما تسميه "التسامح الإقليمي"، ويقوّض مبادرات السلام والازدهار. وهي صياغة تضع السعودية، ضمنيًا، في موقع الطرف الذي يهدد الترتيبات الإقليمية التي ترعاها واشنطن في مرحلة ما بعد موجة التطبيع التي قادتها الإمارات.

وبعد يومين فقط، في 25 يناير/ كانون الثاني، دخلت لجنة الشؤون العامة الأميركية–الإسرائيلية (إيباك) على خط السجال، عبر إعادة نشر وترويج تغريدة للصحفي الإسرائيلي باراك رافيد، وصف فيها ما يجرى بأنه "حرب معلوماتية سعودية ضد الإمارات".

وتحدث رافيد عن مقالات في الإعلام السعودي قال: إنها تزخر بنظريات مؤامرة معادية لإسرائيل، وتستخدم لغة معادية للسامية، مضيفًا أن قناة "العربية" السعودية باتت، بحسب وصفه، تعتمد سياسة تحريرية أقرب إلى وسائل الإعلام المصنفة معادية لإسرائيل.

ولم يكن اختيار مصطلح "حرب معلوماتية" اعتباطيًا؛ إذ يحمل في الخطاب السياسي الأميركي دلالات أمنية وإستراتيجية ثقيلة، ويُستخدم غالبًا كمقدمة لتبرير الضغوط السياسية أو إعادة تقييم العلاقات مع الدول المتهمة به.

ومع إعادة الترويج من قبل إيباك، انتقلت القضية من مستوى التحذير من خطاب إعلامي إلى اتهام سياسي مباشر موجّه إلى السعودية، بما يعكس تصعيدا مقصودا في مسار الحملة وحدّة أدواتها.

تحول إستراتيجي

في 27 يناير/ كانون الثاني 2026، أضاف الإعلام الإسرائيلي بُعدا جديدا للحملة المتصاعدة، بعدما نشرت صحيفة "جيروزاليم بوست" مقالا تحليليا للسياسي والجنرال الإسرائيلي السابق إفرايم سنيه، ربط فيه بين التصعيد الإعلامي السعودي وضربة جوية سعودية استهدفت. بحسب الصحيفة، شحنة معدات عسكرية إماراتية في ميناء المكلا شرقي اليمن.

ورأى سنيه أن هذه الضربة لا يمكن التعامل معها بوصفها حادثًا عابرًا في سياق الحرب اليمنية، بل مؤشرًا على تحول إستراتيجي أوسع في توجهات السياسة السعودية.

وذهب المقال إلى أن الرياض بدأت، وفق هذا التقدير، الابتعاد عن معسكر ما تصفه إسرائيل بـ"الدول العربية المعتدلة"، مثل الإمارات والأردن، مقابل تقارب متزايد مع محور تركيا–قطر، الذي ادعى أنه يرتبط أيديولوجيا بجماعة الإخوان المسلمين.

ومع اقتراب نهاية يناير، انتقل الزخم الأكبر للحملة إلى منصة "جويش إنسايدر" الأميركية الصهيونية التي لعبت دورًا محوريًا في نقل السجال من الدوائر الإعلامية إلى عمق المشهد السياسي في واشنطن.

ففي تقرير تحليلي موسّع، تحدث الموقع عن "قلق متزايد داخل المنظمات اليهودية الأميركية" إزاء الخطاب الإعلامي السعودي. رأى أن المملكة باتت تُصنَّف، في نظر هذه الدوائر، كدولة أقل اعتدالًا مما كانت عليه في السابق.

وأشار التقرير إلى أن تصاعد الانتقادات السعودية لإسرائيل، وتنامي التشكيك باتفاقيات إبراهيم، يثيران تساؤلات جدية حول موثوقية السعودية كشريك للولايات المتحدة، وكذلك حول مستقبل أي مسار تطبيع محتمل معها.

وربط الموقع هذا التحول بالسياق الإقليمي الأوسع، لا سيما اتساع الخلاف مع الإمارات، وتزايد التقارب السعودي مع تركيا، رأى أن هذه المؤشرات تشكل مصدر قلق متنامٍ لصناع القرار في كل من واشنطن وتل أبيب.

واللافت أن "جويش إنسايدر" لم يكتف بعرض مظاهر القلق، بل نقل مواقف من منظمات ضغط وشخصيات سياسية ترى أن انضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهيم بات ضرورة إستراتيجية، وأن أي خطاب سعودي مناهض لهذا المسار ينبغي التعامل معه بجدية، وربما ربطه بشروط سياسية واضحة في إطار العلاقة بين واشنطن والرياض.

الرد السعودي

بعد اكتمال ملامح الحملة، وتحديدًا خلال الفترة بين 28 و30 يناير/ كانون الثاني 2026، بدأت ردود الفعل السعودية بالظهور بوضوح، لا بوصفها ردودًا لغوية عابرة، بل كمواقف سياسية صريحة تعكس رفضا لمنطق الضغط والابتزاز.

الصحفي السعودي المقرّب من دوائر صنع القرار في الرياض، داود الشريان، كتب عبر منصة "إكس" أن المنظمات اليهودية وجماعات الضغط في واشنطن قد تناور أو تمارس ضغوطًا، لكنها تدرك في نهاية المطاف أن التعامل مع السعودية له حدود.

وأكد الشريان أن المملكة تمثل ثقلًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه، وأن خسارتها تعني، عمليا، خسارة بوابة التأثير على العالمين العربي والإسلامي.

وتناول الأكاديمي السعودي خالد حبش طبيعة الأطراف التي تقود الحملة، وكتب عبر "إكس" أن أصواتا صهيونية نافذة في الولايات المتحدة بدأت تهاجم السعودية. مشيرًا إلى أن هذه الأصوات نفسها تواجه حالة نفور داخل المجتمع الأميركي.

وأضاف أن هذه الدوائر، خصوصًا داخل التيار المحسوب على الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، تعتمد أداة واحدة في هجومها، هي توظيف تهمة معاداة السامية، وتستخدمها اليوم في مواجهة المملكة.

وتابع حبش أن هذه الأصوات هي ذاتها التي كانت من أبرز الداعمين لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووفرت له، بحسب وصفه، غطاءً سياسيًا وإعلاميًا خلال العمليات الإسرائيلية في غزة.

وفي سياق تحديد الشخصيات المؤثرة في هذا الخطاب، أشار حبش إلى الإعلامي الأميركي مارك ليفين، عادا إياه من أبرز المحرّكين لهذا التيار الإعلامي، ولافتًا إلى دوره النشط عبر منصات التواصل الاجتماعي.

كما تحدث عن الصحفية الأميركية لورا لومر، واصفًا إياها بأنها من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الخطاب المعادي للمسلمين داخل الولايات المتحدة.

وتطرق حبش كذلك إلى السيناتور الجمهوري تيد كروز، ويرى أنه من الشخصيات السياسية التي توظف الخطاب الديني في دعم إسرائيل. ومشيرًا إلى علاقته الوثيقة بلوبيات الضغط الداعمة لتل أبيب، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك).

الجائزة الكبرى 

وقال الباحث الفلسطيني جمال حساسنة في حديثه لـ"الاستقلال": إن ما يجرى لا يمكن قراءته بوصفه سجالا إعلاميا أو خلافا عابرا، بل بوصفه مواجهة تمسّ جوهر المشروع الإسرائيلي في المنطقة.

ويوضح حساسنة أن ملف التطبيع السعودي–الإسرائيلي كان، في الحسابات الإسرائيلية، الجائزة الكبرى لاتفاقيات إبراهيم؛ إذ إن انضمام السعودية كان سيمنح هذا المشروع بعدًا عربيًا وإسلاميًا غير مسبوق، وينقله من اختراق سياسي محدود إلى إعادة صياغة شاملة للمنطقة.

ويضيف أن الرياض، في المقابل، تنطلق من رؤية مختلفة كليًا، ترى بموجبها أن التطبيع ليس التزامًا مفروضًا، وأن الخلاف مع الإمارات لا يمنح أي طرف حق الوصاية على القرار السيادي السعودي.

ووفق هذا الفهم، فإن السلوك السعودي تجاه أبوظبي لم يكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل شكّل ضربة مباشرة للمشروع الإسرائيلي الذي جرى بناؤه بالتنسيق مع الإمارات، وعلى رأسه الدور الذي اضطلع به محمد بن زايد في تسويق التطبيع إقليميًا بوصفه مدخلًا للاستقرار.

ويشير حساسنة إلى أن استحضار السعودية لمسألة التطبيع في خطابها الإعلامي، وربطه بدور الإمارات في دعم إسرائيل خلال حرب غزة، كان بمثابة صبٍّ للبنزين على النار.

فغزة، بحسب تعبيره، باتت في صلب هذا الصراع لا على هامشه، لا سيما مع تصاعد مواد إعلامية سعودية حمّلت الإمارات مسؤولية سياسية عن دعم العدوان الإسرائيلي على القطاع، في ظل علاقاتها الوثيقة مع تل أبيب.

ويرى الباحث الفلسطيني أن هذا التحول في الخطاب السعودي أصاب المشروع الإسرائيلي بشكل مباشر؛ لأنه أعاد فتح ملف التطبيع من زاوية أخلاقية وسياسية، لا بوصفه مجرد مسار أو خيار سيادي معزول.

وهو ما استدعى، بحسب حساسنة، حالة استنفار واسعة داخل المنظمات الصهيونية ولوبيات الضغط في واشنطن، التي وجدت نفسها مضطرة للتحرك بقوة لمحاصرة هذه السردية، لما تشكله من تهديد مباشر لخططها الإقليمية وإعادة عقارب الساعة خطوات إلى الوراء.

ويذهب حساسنة أبعد من ذلك بالقول: “إن ما يجرى يتجاوز ثنائية التطبيع من عدمه، ليصل إلى صراع أوسع بين مشروعين إقليميين متناقضين”.

فمن جهة، هناك تحالف تقوده إسرائيل وتسعى الإمارات إلى ترسيخه عبر شراكات مع قوى مثل الهند، بهدف تطويق ما يعده هذا المحور تحالفًا سنيًا تتصدره السعودية وباكستان وتركيا.

ومن جهة أخرى، يبرز إدراك سعودي متزايد بأن هذا المسار لا يستهدف الإمارات وحدها، بل يهدد توازنات المنطقة برمتها، ويخدم في النهاية المشروع الصهيوني.

ويخلص حساسنة إلى أن رد الفعل العنيف من اللوبي الصهيوني في واشنطن لا يعكس قوة بقدر ما يعكس خوفا حقيقيا من أن يؤدي هذا التحول السعودي إلى تقويض سنوات من العمل السياسي والإعلامي، وكسر الإجماع الذي سعت إسرائيل إلى فرضه حول التطبيع، ليس فقط في الخليج، بل في العالمين العربي والإسلامي ككل.