الهروب من "مقصلة" الرسوم.. خريطة التحالفات الأوروبية للتحصّن من ترامب

أبرم الاتحاد الأوروبي مؤخراً اتفاقيات تجارية تاريخية مع تكتلات ودول كبرى
تشهد أوروبا حراكًا متسارعًا لتنويع شراكاتها التجارية عالميًا، في ظل تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة على خلفية تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، واستمراره في سياسة فرض الرسوم الجمركية على القارة العجوز.
وفي هذا السياق، أبرم الاتحاد الأوروبي أخيرًا اتفاقيات تجارية وُصفت بالتاريخية مع تكتلات ودول كبرى، من بينها تجمع ميركوسور في أميركا الجنوبية والهند، بالتوازي مع مؤشرات انفتاح حذر على الصين، في إطار مساعٍ أوروبية لتقليص الارتهان الاقتصادي لشريك واحد وتعزيز استقلالية القرار التجاري.

اتفاقيات تجارية
تُرجم التوجه الأوروبي نحو تنويع الشركاء التجاريين إلى خطوات عملية، كان أبرزها إنجاز اتفاقية التجارة الحرة مع تكتل ميركوسور في أميركا الجنوبية، بعد تعثر استمر 25 عامًا.
ففي 17 يناير/ كانون الثاني 2026، وقّع مسؤولون أوروبيون وقادة دول ميركوسور الاتفاق في عاصمة باراغواي أسونسيون، ليصبح أكبر اتفاق تجاري في تاريخ الاتحاد الأوروبي.
وتهدف الاتفاقية إلى خفض الرسوم الجمركية وزيادة حجم التبادل التجاري بين الجانبين، إلا أنها لا تزال في انتظار مصادقة البرلمان الأوروبي وبرلمانات دول ميركوسور.
وأشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالاتفاق، وترى أنه «يختار التجارة العادلة بدلاً من الرسوم»، ويؤسس لأكبر منطقة تجارة حرة في العالم.
ومن المتوقع أن تزيل الاتفاقية رسومًا تتجاوز 4 مليارات يورو سنويًا عن الصادرات الأوروبية، لا سيما في قطاع السيارات، مع فتح أسواق تضم أكثر من 700 مليون مستهلك.
وفي السياق ذاته، اختتم الاتحاد الأوروبي بنجاح، نهاية يناير/ كانون الثاني 2026، مفاوضاته بشأن اتفاقية تجارة حرة مع الهند، وُصفت بأنها “أم الصفقات كلها” نظرًا لضخامتها.
ورغم أنها أقل شمولًا من بعض اتفاقيات الاتحاد الأخرى؛ إذ تستثني قطاعات حساسة مثل السيارات والمشتريات الحكومية، فإنها تحقق تخفيضات جمركية واسعة بين سوقين يبلغ مجموع سكانهما نحو ملياري نسمة.
ويتوقع الاتحاد أن تُسهم هذه الاتفاقية في مضاعفة صادراته السلعية إلى الهند بحلول عام 2032، مع توفير نحو 4 مليارات يورو من الرسوم الجمركية.
ولم تقتصر الجهود الأوروبية على الهند وميركوسور؛ إذ أعادت بروكسل مطلع عام 2025 إحياء اتفاق حديث مع المكسيك لتحديث شراكة تمتد لعقود، كما أنهت مفاوضاتها مع إندونيسيا أواخر 2025، وتسرّع الخطى لإبرام اتفاق جديد مع أستراليا، يُتوقع أن يمنح أوروبا وصولًا أوسع إلى معادن إستراتيجية، أبرزها الليثيوم.
ويأتي هذا التسارع في إبرام الصفقات التجارية كإجراء وقائي أوروبي في مواجهة سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ تكشف المفوضية الأوروبية صراحة أن هذه الاتفاقيات صُممت لتعويض آثار الرسوم الأميركية.
وقد أثارت سياسات ترامب الأخيرة استياءً واسعًا في أوروبا، ودَفعتها إلى اتخاذ خطوات عملية لإنهاء الارتهان الاقتصادي لشريك واحد.

انفتاح على الصين
إلى جانب الشركاء السابقين، يتبنى القادة الأوروبيون نهجًا براغماتيًا يقوم على الانفتاح الحذر بدل القطيعة مع الصين، وذلك رغم استمرار الخلافات السياسية بين أوروبا وبكين.
ففي منتدى دافوس الاقتصادي خلال يناير/ كانون الثاني 2026، فاجأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحضور برسالة تصالحية تجاه بكين، قائلًا: إن «الصين مُرحَّب بها» اقتصاديًا في أوروبا، لكن بشرط زيادة حجم الاستثمار الصيني المباشر في القطاعات الأوروبية الإستراتيجية.
وأكد ماكرون ضرورة أن تسهم الصين أيضًا في نقل التكنولوجيا، بدل الاكتفاء بإغراق الأسواق الأوروبية بمنتجات مدعومة أو منخفضة الجودة. وجاءت تصريحاته في سياق انتقاده الصريح للنهج الأميركي؛ إذ اتهم واشنطن بالسعي إلى إضعاف أوروبا عبر اتفاقيات تجارية منحازة و«تراكم لا نهائي لرسوم جديدة غير مقبولة»، لا سيما حين تُستخدم كورقة ضغط تمس السيادة الأوروبية، في إشارة إلى قضية غرينلاند.
وتنسجم نبرة ماكرون مع توجه عام في بروكسل وعواصم أوروبية كبرى نحو ما تسميه المفوضية الأوروبية «خفض المخاطر» مع الصين دون فك الارتباط الكامل، بحسب تصريحات رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين.
وأكدت فون دير لاين أمام البرلمان الأوروبي أن بروكسل مستعدة لبناء علاقة «أكثر توازنًا واستقرارًا» مع الصين، تقوم على مبدأ «عدم السذاجة» وحماية المصالح الأوروبية في حال غياب المعاملة بالمثل، مع الإبقاء على باب التعاون مفتوحًا.
ويستند هذا الإجماع الأوروبي الرافض للقطيعة مع الصين إلى واقع المصالح المتبادلة؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة نحو 873 مليار يورو في عام 2024، مقابل 736 مليار يورو مع الصين، أي ما يعادل 15% من إجمالي تجارة الاتحاد مع العالم.
وبناءً على ذلك، تدرك أوروبا أن الفصل التام عن ثاني أكبر اقتصاد عالمي ليس خيارًا عمليًا، وتسعى بدلًا من ذلك إلى موازنة العلاقة عبر تنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد في بعض القطاعات الحساسة، مثل الرقائق والمواد الخام، مع الحفاظ على انفتاح الأسواق والتعاون في المجالات ذات المنفعة المتبادلة.
وعلى أرض الواقع، تُرجِم هذا الانفتاح الحذر تجاه الصين إلى دبلوماسية نشطة وزيارات رفيعة المستوى خلال السنوات الأخيرة. ففي 28 يناير/ كانون الثاني 2026، وصل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين في زيارة يلتقي خلالها الرئيس شي جينبينغ، بهدف تحسين العلاقات الثنائية، في أول زيارة لرئيس وزراء بريطاني إلى الصين منذ عام 2018.
كما أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ديسمبر/ كانون الأول 2025 زيارة رسمية إلى بكين، هي الرابعة له، بهدف «معالجة اختلالات التجارة العالمية». وسبقه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في أبريل/ نيسان من العام نفسه، في زيارة هي الثالثة له إلى الصين خلال ثلاث سنوات، سعيًا إلى «ترسيخ العلاقات الاقتصادية والسياسية» بين الجانبين.

قوة صاعدة
تجد أوروبا نفسها اليوم أمام مشهد عالمي شديد الاستقطاب، بين حليف تقليدي هو الولايات المتحدة، باتت سياساته التجارية تغرّد خارج إطار التعددية، وقوة صاعدة هي الصين، تختلف معها سياسيًا، لكنها ترى أن التعاون معها اقتصاديًا بات أمرًا لا غنى عنه.
وفي هذا السياق، تتبنى أوروبا مقاربة وسطية براغماتية تقوم على توسيع هامش الخيارات، من خلال إبرام شراكات تجارية مع قوى وأسواق جديدة، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقات متوازنة مع الشرق والغرب.
وقد لخّص رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا هذا التوجه بقوله: إن الاتفاق مع تكتل ميركوسور وغيره من الاتفاقيات «سيساعد كتلتينا على الإبحار في بيئة سياسية عالمية عاصفة دون التخلي عن قيمنا».
وعن الاتفاق الأخير مع الهند، قال كوستا: إن «للصفقة قيمة كبيرة اقتصاديًا، لكن الأكثر أهمية ربما هو الرسالة التي تبعث بها، إذ من المهم، بل من الأساسي، توفير قدر من اليقين للانخراط في التعاون بدلًا من المواجهة»، في إشارة إلى سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأضاف أنه «عندما تتكاثر العوامل الاقتصادية العالمية التي تعكّر صفو التجارة الدولية»، تصبح اتفاقيات التجارة أداة ضرورية لـ«استقرار العلاقات التجارية».
من جهتها، ترى الباحثة في الشأن الصيني رزان شوامرة أن الدول الأوروبية باتت أخيرًا تنظر إلى بكين بوصفها ورقة للمناورة مع الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب.
وقالت شوامرة لصحيفة «الاستقلال»: إن «سياسات إدارة ترامب منفّرة وتهدم الثقة لدى الحلفاء الأوروبيين، لا سيما بعد فرض الرسوم الجمركية، ولذلك بدأت بروكسل بتوسيع خياراتها وفق منطق: إذا أردتُ شيئًا من واشنطن، فعليّ الذهاب إلى بكين».
وحول ما إذا كانت بروكسل ترى في بكين بديلًا عن واشنطن، أوضحت شوامرة أن «الاتحاد الأوروبي هو في الأساس نتاج دعم أميركي أعقب الحرب العالمية الثانية، وبالتالي فإن فكرة الاستبدال غير واردة تمامًا، وما يجري لا يتعدى كونه مناورة سياسية وتوسيعًا للشراكات».
وأكدت أن «الصين ليست بديلًا عن الولايات المتحدة بالنسبة لأوروبا، لا تجاريًا ولا سياسيًا ولا عسكريًا، لأنها لا تمتلك الأدوات التي يمكن أن توفر لبروكسل عناصر الهيمنة أو الضمانات الأمنية».
وأضافت: «أوروبا والولايات المتحدة بنتا تحالفات عميقة في مختلف المجالات وعلى مدى عقود طويلة، في حين أن ما يمكن أن تقدمه الصين يظل في الغالب محصورًا في اتفاقيات اقتصادية، دون امتلاك ثقل يُذكر على الصعيد الأمني، وهو الأهم».
وتابعت شوامرة: «المؤسسات الاقتصادية العالمية المهيمنة ذات طابع أميركي، ما يجعل من الصعب أن تصبح أوروبا يومًا جزءًا من المنظومة الاقتصادية الصينية. فبروكسل تستخدم بكين أساسًا للضغط على واشنطن وإيصال رسالة مفادها أنها ليست اللاعب الوحيد في العالم».
وختمت بالقول: «مع تغير الرئيس الأميركي الحالي، من المرجح أن تتغير السياسة الخارجية لواشنطن، وأوروبا تراهن على ذلك. فهي اليوم تنوّع خياراتها، لكنها لا تريد خسارة الولايات المتحدة، في انتظار عودة حليف ديمقراطي أو حتى جمهوري لا ينتهج سياسات ترامب ذاتها».
المصادر
- كوستا لأورونيوز: اتفاق تجاري مع الهند يرسخ صوت الاتحاد الأوروبي في عالم متعدد الأقطاب
- China, EU must oppose tariff 'bullying', Xi tells Spanish PM
- China pitches itself as a reliable partner as Trump alienates US allies
- EU and Mercosur sign trade deal after 25 years of negotiations
- EU adds India in rush for trade deals after Trump's return














