مصر في قلب المعركة السودانية.. قواعد سرية ومسيّرات تركية وخطوط حمراء

إسماعيل يوسف | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

منذ سقوط مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور، في قبضة قوات «الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تصاعدت المخاوف من سيناريو انفصالٍ ثانٍ في السودان، بعد انفصال الجنوب عام 2011، بما يهدد الأمن القومي للبلاد. وفي هذا السياق، برزت سلسلة تحركات عسكرية مصرية لدعم الجيش السوداني في مواجهته مع قوات الدعم السريع.

وجاء هذا التحرك المصري مدفوعًا، إلى حدٍّ كبير، بالموقف السعودي الذي دخل في مواجهة مباشرة مع ما يصفه الإعلام السعودي بـ«مليشيا حكومة أبوظبي» في السودان، الأمر الذي شجّع القاهرة على اتخاذ خطوات أكثر جرأة، بعدما كانت قد أحجمت عنها سابقًا بسبب طبيعة العلاقة الوثيقة التي جمعتها بمحمد بن زايد.

ورغم التعتيم الرسمي على هذه التحركات، كشفت تقارير ومعلومات تسربت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة عن أن الدعم المصري للجيش السوداني لم يقتصر على تزويده بالأسلحة والمعدات العسكرية لاستعادة زمام المبادرة ميدانيًا، بل شمل أيضًا تخصيص أحد المطارات المصرية القريبة من الحدود السودانية، على بُعد نحو 60 كيلومترًا، لاستخدامه قاعدةً لانطلاق طائرات مسيّرة تستهدف مواقع وقوافل قوات الدعم السريع.

ومع مطلع فبراير/شباط 2026، ظهرت تقارير وصور أقمار صناعية جديدة، أبرزها ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، كشفت عن تصاعد نشاط قاعدة مصرية للطائرات المسيّرة في استهداف تحركات قوات الدعم السريع داخل السودان.

وحددت التقارير موقع هذه القاعدة في منطقة «شرق العوينات» قرب الحدود السودانية، حيث جرى تحويل مطار مدني إلى قاعدة عسكرية سرية، تنطلق منها طائرات «بيرقدار أقنجي» التركية، التي نُقلت إلى الحكومة السودانية عبر مصر، في ظل تقارب وتوحّد الرؤى بين القاهرة وأنقرة بشأن دعم الجيش السوداني.

قاعدة سرية

بعد سلسلة لقاءات وزيارات سياسية وعسكرية متبادلة بين مصر والسودان، تكشّفت تحركات مصرية تؤكد دخول القاهرة بشكل مباشر على خط النزاع العسكري في السودان، ليس فقط عبر الدعم العسكري التقليدي، بل من خلال تشغيل قاعدة جوية سرية داخل الأراضي المصرية، مخفية ضمن مشروع زراعي ضخم في الصحراء الغربية.

وتنطلق من هذه القاعدة طائرات مسيّرة تُستخدم لدعم الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان في مواجهته مع قوات «الدعم السريع» التي يقودها محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي».

وتحت عنوان «القاعدة الجوية المصرية السرية وراء حرب الطائرات المسيّرة في السودان»، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، مطلع فبراير/شباط 2026، تقريرًا أعدّه أربعة صحفيين، من بينهم ديكلان والش، المراسل السابق للصحيفة في مصر.

وتضمّن التقرير صورًا ومقاطع فيديو عالية الدقة التقطتها الأقمار الصناعية، كشفت عن نشاط عسكري مكثف في مهبط طائرات شرق العوينات، جنوب غربي مصر. ورجّح التقرير أن الموقع يشكّل قاعدة سرية تنطلق منها طائرات «أقنجي» التركية المسيّرة لتنفيذ ضربات ضد قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات في السودان، مشيرًا إلى أن هذه الطائرات يُرجّح أنها تعمل لصالح القوات المسلحة السودانية.

وتزامنت هذه المعطيات مع تقارير تحدثت عن نشاط تركي يتم بموافقة مصرية في قاعدة شرق العوينات؛ حيث تنقل أنقرة طائرات مسيّرة إلى المطار ليجري تشغيلها من قبل الجيش السوداني في استهداف مواقع قوات حميدتي.

وسبق أن أظهرت صور أقمار صناعية، تعود إلى أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، وجود طائرات مسيّرة تركية الصنع من طراز «أقنجي AKINCI» داخل قاعدة شرق العوينات جنوبي مصر.

ويبدو أن هذا التطور نتاج تعاون عسكري جوي مصري–تركي، يهدف إلى منع تفكك السودان وتوحيد البلاد تحت سلطة الجيش السوداني، في مواجهة قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات وإسرائيل.

ووفق نيويورك تايمز، سمحت مصر لتركيا باستخدام مطار «شرق العوينات» الجنوبي كنقطة انطلاق لعمليات تستهدف قوات الدعم السريع، في إطار دعم مباشر للجيش السوداني.

ورغم غياب أي تعليق رسمي من القاهرة، سارعت لجان إلكترونية موالية للسلطات المصرية إلى تأكيد صحة ما ورد في التقرير، وترى أن «دعم السودان شرف لا ندّعيه… وتهمة لا ننفيها».

وفي 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كان موقع ميدل إيست آي البريطاني قد كشف، في تقرير حصري، أن مصر وتركيا كثفتا دعمهما للجيش السوداني عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، ويرى أن سقوط عاصمة شمال دارفور شكّل نقطة تحوّل خطيرة، لا سيما مع سيطرة حميدتي على منطقة المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا.

ونقل الموقع عن مصدر استخباراتي عسكري مصري رفيع المستوى تأكيده وجود تعاون مباشر بين الجيشين المصري والسوداني لإنشاء قوة قيادة مشتركة، تهدف إلى ردع قوات الدعم السريع ومنع أي تسلل محتمل إلى الأراضي المصرية عبر الحدود مع السودان أو ليبيا.

وأشار التقرير إلى تزويد مصر وتركيا الجيش السوداني بالأسلحة، لافتًا إلى قيام رئيس أركان الجيش المصري، الفريق أحمد فتحي، بزيارتين متتاليتين خلال 24 ساعة لكل من السعودية والسودان، في سياق تنسيق إقليمي شمل دورًا سعوديًا في تمويل صفقات تسليح تركية لصالح الخرطوم.

كما تحدث التقرير عن إنشاء غرفة عمليات مشتركة مصرية–سودانية في شمال كردفان، إلى جانب نشر أنظمة رادار وإنذار مبكر جديدة، لمواجهة تحركات قوات الدعم السريع، التي تخطط –وفق المصادر– لهجوم محتمل على مدينة أم درمان، التي تعتبرها القاهرة «خطًا أحمر».

وأكد المصدر الاستخباراتي أن غرفة العمليات المشتركة ستُمكّن الجيش السوداني من استعادة السيطرة على إقليم دارفور، الذي تصفه مصر بأنه «أمر حيوي للاستقرار الإقليمي وحماية حدودها الجنوبية».

من جانبه، قال مصدر تركي مطّلع لـميدل إيست آي: إن الجيشين المصري والتركي شرعا في تعاون مباشر داخل السودان، مع استعدادات جارية لاستعادة مدينة الفاشر والمناطق المحيطة بها، ومنع وصول أي دعم جوي أجنبي إلى قوات الدعم السريع.

وبحسب المصدر ذاته، تزوّد تركيا الجيش السوداني منذ عام 2024 بطائرات مسيّرة عسكرية وصواريخ جو–أرض ومراكز قيادة، فيما ينشط مشغلو الطائرات المسيّرة الأتراك داخل الأراضي السودانية.

منطقة عسكرية

في يناير/كانون الثاني 2025، نشرت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم انتماءها إلى «أصدقاء القوات المسلحة المصرية» معلومات تفيد بأن القاهرة حوّلت مطار شرق العوينات المدني إلى قاعدة عسكرية.

وأكدت تلك الحسابات أن صور أقمار صناعية كشفت عن أعمال إنشاء وتوسعة داخل المطار، شملت إطالة المدرجات، وإضافة مبانٍ ودُشم مخصّصة لإيواء طائرات حربية، ما يشير إلى تحوّله إلى قاعدة عسكرية مساندة لقاعدة «برنيس» قرب الحدود الليبية.

وأشارت المنشورات إلى أن «القاعدة العسكرية الجديدة في شرق العوينات ستكون مركز عمليات لتأمين الحدود الجنوبية مع السودان، وفي حال حدوث تدخل مباشر ستكون الأقرب جغرافيًا»، مع تلميحات واضحة لاستخدامها المحتمل ضد قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إذ ورد: «حتى لو لم تُستخدم في ملف الجنجويد، فإن قاعدة شرق العوينات تمثل تأمينًا مهمًا للحدود الجنوبية والغربية».

وجاء تقرير صحيفة نيويورك تايمز ليعزز هذه المعطيات، مؤكدًا بالصور ومقاطع الفيديو –نقلًا عن ما وصفه بـ«مصدر شرق أوسطي»– أن مطار شرق العوينات يعمل فعليًا في عمليات ضد قوات الدعم السريع، عبر طائرات «أقنجي» التركية المسيّرة التي تنطلق من القاعدة، وتُدار من قبل عناصر سودانية، وربما بمساندة فنية تركية ومصرية.

وأوضح التقرير أن مصر التي اعتمد اقتصادها لسنوات على الدعم والاستثمارات الإماراتية، وكانت تتعامل دبلوماسيًا مع الحرب الدائرة بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع، غيّرت موقفها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، عقب سقوط مدينة الفاشر.

ونقلت الصحيفة أن القاهرة «طوّرت قاعدة جوية مخفية داخل مشروع زراعي ضخم لزراعة القمح في الصحراء الغربية، شرق العوينات، لتجعل منها قاعدة سرية تنطلق منها طائرات مسيّرة مقاتلة اشتراها الجيش السوداني من تركيا»، وهي صفقة أكدت أنقرة تنفيذها.

وتتعلق هذه الطائرات بطراز «بيرقدار أقنجي» المتقدم، والتي تنطلق من الأراضي المصرية لتنفيذ ضربات ضد أهداف تابعة لقوات الدعم السريع داخل السودان، دون أن يحسم التقرير ما إذا كان تشغيل هذه الطائرات يتم بأيدٍ سودانية فقط أم بمشاركة مصرية مباشرة.

وبحسب أربعة مسؤولين أميركيين ومسؤول واحد من الشرق الأوسط، يتم إخفاء الطائرات المسيّرة التركية داخل مصر للحفاظ على سلامتها، خاصة في ظل تهديدات سابقة أطلقها حميدتي، توعد فيها باستهداف «أي مطار تنطلق منه تلك الطائرات»، وهو ما قد يفسر امتناع القاهرة عن إعلان هذا التحول العسكري بشكل رسمي.

وتشير نيويورك تايمز إلى أنه منذ تحذير الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في ديسمبر/كانون الأول 2025 من تجاوز «الخط الأحمر» في السودان، والحديث عن تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، بدأت طائرات «بيرقدار–أقنجي» تنفيذ ضربات عميقة داخل الأراضي السودانية، استهدفت مقاتلي الدعم السريع وقوافل إمدادهم.

في المقابل، يبدو أن قوات الدعم السريع حصلت على أنظمة صينية للتشويش على الطائرات المسيّرة، إضافة إلى أنظمة صواريخ أرض–جو، يُرجح أن داعميها الإماراتيين وفروها، وفقًا لويِم زفينينبورغ، خبير الطائرات المسيّرة في منظمة «باكس» الهولندية.

وتُظهر صور من ساحات القتال –تحققت نيويورك تايمز من بعضها– مقاتلي الدعم السريع وهم يزعمون إسقاط ما لا يقل عن أربع طائرات «أقنجي» تركية، تُقدّر كلفة الواحدة منها بنحو 25 مليون دولار، خلال الأشهر الأربعة الماضية.

وكان مطار شرق العوينات في الأصل منشأة مدنية، قبل أن يُطوَّر خلال عام 2025 ليصبح مطارًا عسكريًا، يقع جنوب غربي مصر ضمن محافظة الوادي الجديد، قرب الحدود مع السودان، وفي منطقة صحراوية نائية بعيدة عن التجمعات السكانية، على مسافة تزيد على 60 كيلومترًا من الحدود السودانية.

ورصدت صور أقمار صناعية، منذ يناير/كانون الثاني 2025، أعمال توسعة عسكرية في المطار، شملت زيادة طول المدرج من 110 إلى 151 مترًا، واستحداث مدرج إضافي وطرق جديدة، ما يعزز فرضية تحويله إلى قاعدة جوية عسكرية.

وتزامن هذا التطوير مع تصعيد الخطاب السياسي المصري بشأن السودان، ليشكل مقدمة لاستخدام المطار ضمن إستراتيجية حماية الحدود الجنوبية، في منطقة تُعد ذات أهمية قومية، لاحتضانها مشروعات زراعية كبرى ووقوعها قرب حدود ملتهبة.

وفي 10 يناير/كانون الثاني 2025، وثّقت منصة «إيكاد» بالصور أعمال التطوير والتغيرات التي طرأت على مطار شرق العوينات، بالتزامن مع حديث السيسي عن تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع السودان.

وبحسب نيويورك تايمز، كان مشروع شرق العوينات يعتمد في السابق على مدرج واحد يُستخدم لنقل العمال وتصدير المنتجات الزراعية، إلا أن صور الأقمار الصناعية تُظهر أن التوسع بدأ تدريجيًا منذ عام 2018.

وبحلول 2024 أُنشئ مدرج ثانٍ ونحو 17 حظيرة طائرات لأغراض عسكرية، مع رصد تمركز مقاتلات وطائرات مسيّرة صغيرة داخل القاعدة.

"أقنجي" التركية

وفقًا لبيانات أقمار صناعية التقطتها شركة «أورسا سبيس» الأميركية المتخصصة في استخبارات الأقمار الصناعية، هبطت طائرات شحن تركية في مطار شرق العوينات جنوب غربي مصر، مطلع يوليو/تموز 2025.

وأعقب الهبوط نشاط مكثف داخل المطار، شمل تركيب نظام اتصالات عبر الأقمار الصناعية بجوار إحدى الحظائر، ورصد مركبات يُعتقد أنها مرتبطة بمنظومة تحكم أرضي للطائرات المسيّرة، بحسب ما أفادت به الشركة.

وبعد نحو أسبوعين، أظهرت صور أقمار صناعية وجود طائرات «بيرقدار أقنجي» على أرض المطار، تزامنًا مع هبوط ومغادرة طائرات شحن تركية من مطار شرق العوينات في 21 يوليو/تموز 2025.

وكان الجيش السوداني قد أبرم بالفعل صفقات تسليح مع شركة «بايكار» التركية المصنّعة لطائرات «أقنجي»، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. وبعد سبعة أشهر من اندلاع الحرب الأهلية، وقّع عقدًا بقيمة 120 مليون دولار لشراء ست طائرات «بيرقدار TB2»، إضافة إلى 600 رأس حربي، وحزمة تدريب وصيانة.

ومنذ وصول طائرات «أقنجي» إلى مصر عام 2025 وبدء استخدامها، توفرت للجيش السوداني قدرات نوعية مكّنته من استهداف قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وقصف خطوط الإمداد التي تصلها عبر مليشيا خليفة حفتر في ليبيا.

ويتميّز هذا الطراز بمدى يتجاوز 4,500 ميل، وقدرة على حمل ما لا يقل عن ثلاثة أضعاف الحمولة القتالية التي تحملها مسيّرات «بيرقدار TB2»، وفق خبراء عسكريين، فضلًا عن أن تكلفة الطائرة الواحدة تفوق نظيرتها من طراز TB2 بأكثر من أربعة أضعاف.

وبحلول ديسمبر/كانون الأول 2025، كانت طائرتان على الأقل من طراز «أقنجي» تعملان انطلاقًا من القاعدة المصرية وتنفذان ضربات داخل السودان، بحسب مقاطع فيديو راجعتها صحيفة نيويورك تايمز. وتُظهر إحدى اللقطات طائرة تطلق قنبلة موجهة على تجمع لمقاتلي قوات الدعم السريع في إحدى قرى دارفور، على مسافة تزيد على 800 ميل من القاعدة.

وحدّد ثلاثة خبراء أسلحة نوع الذخيرة المستخدمة بأنها قنبلة موجهة من تصنيع شركة «روكيتسان» التركية، مشيرين إلى أن طائرة «أقنجي» هي الوحيدة القادرة على تنفيذ ضربة بهذا المدى.

وفي الوقت الذي كانت فيه الطائرات المسيّرة تنفذ هجماتها داخل السودان، واصلت طائرات شحن وعسكرية تركية الهبوط في القاعدة المصرية، بعضها قادم من مدينة بورتسودان، وفق بيانات تتبع الحركة الجوية.

كما سُجلت عدة رحلات انطلاقًا من قاعدة «تشورلو» التركية، حيث تطور شركة «بايكار» طائرات «أقنجي» وتُجري اختبارات التشغيل، وذلك بحسب بيانات الطيران الصادرة عن شركة «إيريون» المتخصصة في مراقبة الملاحة الجوية.

وفي هذا السياق، أشار تقرير لموقع ميدل إيست آي، نشر في 24 يناير/كانون الثاني 2026، إلى اتفاق محتمل بين مصر وتركيا يمنح أنقرة حق الوصول إلى منشآت عسكرية في جنوب مصر، وعلى رأسها مطار شرق العوينات، بهدف دعم القوات المسلحة السودانية في مواجهتها مع قوات الدعم السريع المدعومة من أبو ظبي.

اعترافات مسجلة

سبق أن أصدرت قوات الدعم السريع بيانًا، في 27 يناير/كانون الثاني 2026، حذّرت فيه من ما وصفته بـ«تورط مصري مباشر في الحرب الدائرة بالسودان»، مؤكدة امتلاكها «أدلة دامغة» على ذلك.

وتصف قوات الدعم السريع، في بياناتها، الجيش السوداني بأنه «القوات المسلحة السودانية الإرهابية التي تعمل تحت راية الحركة الإسلامية»، وتطلق عليه توصيف «مليشيات الإخوان المسلمين»، متهمة القاهرة بدعمه رغم موقفها المعلن المعادي لجماعة الإخوان.

وقالت في بيانها: «حصلت قواتنا على أدلة مادية قاطعة، تشمل مركبات قتالية مدرعة وأسلحة وذخائر مصرية الصنع، عُثر عليها بحوزة القوات السودانية والمليشيات المتحالفة معها، ما يكشف تورط الحكومة المصرية في دعم الحرب ضد الشعب السوداني».

وزعمت أن «قادة عسكريين أُسروا أدلوا باعترافات مسجلة، أقروا فيها بتلقي دعم عسكري مصري شمل شحنات أسلحة وذخائر وطائرات ومسيرات ومركبات قتالية مدرعة، إضافة إلى التدريب والدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي، فضلًا عن علاج الجرحى».

وأضاف البيان أن «مصر زوّدت القوات المسلحة السودانية، في أغسطس/آب الماضي، بثماني طائرات من طراز K-8، وصلت إلى ميناء بورتسودان، واستُخدمت لاحقًا في قصف المدنيين»،

كما اتهم القاهرة بتزويد الجيش السوداني «بقنابل أميركية الصنع تزن 250 كيلوغرامًا، استُخدمت في تدمير المنازل والأسواق والبنية التحتية المدنية»، وفق زعمه.

ووصفت قوات الدعم السريع هذا الدعم العسكري بأنه «عدوان صريح على الشعب السوداني»، محمّلة الحكومة المصرية «المسؤولية الكاملة عن الجرائم المرتكبة».

ولم تكن هذه الاتهامات الأولى من نوعها؛ إذ سبق للدعم السريع أن وجّه اتهامات مماثلة في بيان صدر في يونيو/حزيران 2025، أكد فيه امتلاكه «أدلة مادية دامغة» على تورط مصر في دعم الجيش السوداني، عبر مركبات قتالية وأسلحة وذخائر مصرية الصنع، بحسب زعمه.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، صعّد محمد حمدان دقلو (حميدتي) لهجته، مهددًا بأن «أي طائرة أو مطار تنطلق منه هجمات على قواته من دولة مجاورة سيتم عده هدفًا مشروعًا».

في المقابل، أعلنت مصر، في 18 ديسمبر/كانون الأول 2025، ما وصفته بـ«خطوط حمراء» لأمنها القومي، مؤكدة أن «أي مساس بوحدة الأراضي السودانية، أو بمؤسسات الدولة الشرعية، أو بسيادة السودان، يُعد تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري».

وجاء هذا الموقف خلال زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، عبد الفتاح البرهان، إلى القاهرة، حيث أكدت الرئاسة المصرية في بيان رسمي أن «الأمن القومي المصري يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالأمن القومي السوداني»، مشددة على أن لمصر «الحق الكامل في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة، وفقًا للقانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك مع السودان، لضمان احترام هذه الخطوط الحمراء».

ويرى مراقبون أن أهمية هذا البيان تكمن في تحديده الصريح لـ«خطوط حمراء»، وتلويحه بإمكانية التدخل العسكري المباشر، استنادًا إلى اتفاقية الدفاع المشترك، في حال تجاوز هذه الخطوط من قبل قوات الدعم السريع.