تحولات الصراع في اليمن.. من مواجهة الانقلاب إلى كبح الانفصال

تقسيم مسار التدخل والصراع في اليمن إلى ثلاث مراحل تاريخية رئيسية
عقدٌ كامل مضى منذ إعلان التحالف السعودي-الإماراتي تدخّله العسكري في اليمن تحت عنوان استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي. وخلال هذه السنوات، لم تشهد البلاد إطالة أمد الحرب وحسب، بل تحوّلت تدريجيًا إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح وتنافس دولي متشابك، دون أن يتمكن أي طرف داخلي من حسم المعركة بصورة نهائية.
وخلال هذه السنوات، تآكل نفوذ الحكومة الشرعية، وانحسرت سلطتها شمالًا لصالح جماعة الحوثي التي نجحت في ترسيخ نفسها كسلطة أمر واقع، وجنوبًا لصالح الانتقالي المدعوم إماراتياً.
ومع أن هذا الأخير تمكن في مرحلة ما من فرض سيطرته على أجزاء واسعة من الجنوب، إلا أنه أخفق لاحقًا في تثبيت مكاسبه، وتعرض لانتكاسات سياسية وعسكرية قلّصت نفوذه بشكل ملحوظ.
ومع هذه التحولات، تبدّلت بوصلة الصراع داخل اليمن بصورة لافتة، حيث انتقل مركز الثقل- مرحليًا على الأقل- من المواجهة مع جماعة الحوثي وإيران إلى التصدي للانتقالي والإمارات، في مشهد دراماتيكي عكس تفكك تحالفات الحرب، وتضارب المصالح بين حلفاء الأمس الذين وجدوا أنفسهم، بحكم الوقائع السياسية والعسكرية، في موقع الخصومة والصراع.

مراحل التدخل والصراع
اتّخذ التدخل السعودي–الإماراتي في اليمن، منذ اندلاع ما عُرف بالربيع اليمني وحتى المرحلة الراهنة، أنماطًا وأشكالًا متعددة، تماهت في كل مرحلة مع الأهداف المعلنة وغير المعلنة للتدخل، وتبدّلت تبعًا لتحولات السياق السياسي والميداني.
ويمكن، في هذا الإطار، تقسيم مسار التدخل والصراع في اليمن إلى ثلاث مراحل تاريخية رئيسة: مرحلة ما قبل الانقلاب الحوثي، مرحلة ما بعد الانقلاب الحوثي. ومرحلة ما بعد سقوط حضرموت والمهرة، والتي عكست تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع الدائر ومساره.
اتسم التدخل الإقليمي في هذه المرحلة بطابع سياسي غير مباشر، تمحور حول احتواء تداعيات ثورة 2011 وإجهاض مشروعها قبل أن يتحول إلى واقع سياسي جديد.
لم يكن التركيز آنذاك على جماعة الحوثي، بل على قوى الثورة والأحزاب الداعمة لها، وفي مقدمتها حزب التجمع اليمني للإصلاح، بوصفه القوة الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا في المشهد الجديد.
اتخذ هذا التدخل أدوات سياسية متعددة، أبرزها المبادرة الخليجية التي قُدّمت كحل انتقالي، لكنها عمليًا أعادت تدوير النظام القديم واحتوت عملية التغيير.
كما جرى الدفع بمؤتمر الحوار الوطني خارج سياقه الزمني والسياسي، بما أسهم في تعطيل نقل السلطة الفعلي وإفراغ المرحلة الانتقالية من مضمونها الإصلاحي.
انتهت هذه المرحلة بسقوط الدولة نفسها عبر انقلاب الحوثيين في سبتمبر 2014، في سياق إقليمي ودولي متساهل، بل ومتواطئ.
وقد شكّل الحوثيون إلى جانب شبكات الدولة العميقة المرتبطة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح، شريكًا موضوعيًا في تقويض الدولة اليمنية الناشئة، ضمن توازنات التقت فيها مصالحهم مع حسابات إقليمية أوسع.
وأسهمت مباركة مجلس التعاون الخليجي لاتفاق السلم والشراكة في إضفاء غطاء سياسي على الانقلاب، ما مهّد لمرحلة جديدة من الصراع المفتوح.
ما بعد الانقلاب الحوثي
مع سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء في سبتمبر 2014، دخل اليمن طورًا جديدًا من الصراع اتسم بالعسكرة وتدويل المواجهة، مع إعلان التحالف السعودي-الإماراتي تدخله العسكري في مارس 2015 تحت شعار استعادة الشرعية ومواجهة النفوذ الإيراني.
غير أن مسار الحرب أظهر انحرافًا واضحًا عن هذا الهدف، إذ انصبّ التركيز على تأمين المحافظات الجنوبية، مقابل ترك الشمال تحت سيطرة الحوثيين، مع تسجيل استهدافات متكررة للجيش الوطني، بنيران صديقة، وتدخلات إقليمية ودولية حالت دون انهيار الجماعة في لحظات حاسمة.
وبالتوازي، شرعت الإمارات في بناء قوى عسكرية وسياسية موازية خارج إطار الدولة، تُوّجت بإعلان المجلس الانتقالي الجنوبي في 2017، ثم شرعنته باتفاق الرياض 2019، ثم إنشاء المكتب السياسي للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي في 2021، ما كرّس تعدد مراكز القوة خارج سلطة الشرعية. ورغم رفع شعار مواجهة الحوثي، كشفت الوقائع أن المرحلة شهدت إضعافًا ممنهجًا للشرعية المنتخبة، انتهى باستبدالها بشرعية سياسية مُعيّنة في أبريل 2022، ضمن توافق سعودي-إماراتي.
وفيما يتصل بأهداف تدخل التحالف في اليمن، فقد انطلقت السعودية من تقديرات جيوسياسية وأمنية بالدرجة الأولى، مرتبطة بأمن مضيق باب المندب، وحماية خطوط إمداد الطاقة، ومنع تشكّل تهديدات إستراتيجية على حدودها الجنوبية.
في المقابل، تمحورت الأهداف الإماراتية حول بسط النفوذ على الموانئ والجزر والممرات البحرية الحيوية، إلى جانب السعي لإعادة هندسة المشهد السياسي اليمني، عبر إضعاف قوى ثورة فبراير، وفي مقدمتها حزب الإصلاح، بما يخدم مشروعاً سياسياً وأمنياً معادياً للإسلام السياسي.
وخلال تلك المرحلة، رُفع شعار مواجهة جماعة الحوثي والتصدي للتمدد الإيراني بوصفه العنوان المعلن للصراع الذي يقوده التحالف، غير أن مسار الأحداث كشف أن جوهر هذا الصراع كان موجهاً في الواقع ضد الشرعية اليمنية ذاتها، بهدف تطويق الدولة اليمنية، والتحكم في قرارها السياسي، ووضع البلاد عملياً تحت وصاية سعودية- إماراتية. ونتيجة لذلك، تراجع الهدف المعلن المتمثل في دحر الانقلاب واستعادة الدولة، لصالح سياسات أفضت إلى تفكيك مؤسسات الشرعية، وإنتاج سلطات موازية.

حضرموت والمهرة
شكّل الصراع في حضرموت نقطة تحوّل حاسمة؛ إذ انتقل الخلاف السعودي–الإماراتي من إدارة مشتركة للحرب إلى تنافس مباشر على الجغرافيا والقرار، ما أنهى عمليًا التحالف العربي بصيغته السابقة، وحوّل مسار الصراع في اليمن من مواجهة الحوثيين وإيران إلى صدام مع الإمارات وأذرعها، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي.
لقد مثّل دخول الانتقالي حضرموت القشة التي قصمت ظهر البعير، فتلك القشة كسرت ظهر التحالف فعلياً وأبانت حجم العداء والتربص بين طرفيه، وحرفت مسار العلاقات بينهما من التحالف والشراكة إلى التنافس والصراع.
رأت السعودية في تحركات الانتقالي للسيطرة على حضرموت والمهرة، بدعم إماراتي، اختراقًا لأمنها الإستراتيجي ودخولًا لفاعل خارجي إلى عمقها الجيوسياسي.
ويعكس قصف شحنات أسلحة إماراتية والمطالبة بانسحاب أبوظبي من اليمن حجم التهديد الذي مثّله هذا المسار، إذ لم تعد الرياض تنظر إلى الانتقالي كفصيل محلي، بل كذراع جيوسياسية لمشروع إماراتي يستهدف تطويقها وتهديد مصالحها الأمنية.
تنظر السعودية إلى حضرموت بوصفها عمقًا أمنيًا وحدوديًا حيويًا ومنفذًا محتملًا نحو بحر العرب لمشاريع الطاقة، وتخشى أن يؤدي تمكين أذرع الإمارات إلى فقدان السيطرة على شرق اليمن، وإضعاف نفوذها في منطقة ذات ثقل اقتصادي ونفطي، وتحويلها إلى ساحة نفوذ أمني خارج القرار السعودي.
في المقابل، سعت الإمارات إلى استكمال طوق نفوذها البحري من خليج عدن إلى بحر العرب عبر حضرموت، والسيطرة على الموانئ والجزر والمنافذ الحيوية، وتأمين حضور طويل الأمد في مناطق الموارد، إلى جانب إعادة تشكيل المشهد السياسي شرق اليمن عبر قوى محلية موالية تضمن لها نفوذًا مستقلًا عن السعودية.
كما استخدمت اليمن منصة جيوسياسية لدمج المصالح الإسرائيلية في أمن البحر الأحمر وباب المندب، ضمن شبكة أمنية بحرية أوسع تُدار بمنطق حماية الملاحة الدولية، الأمر الذي مثّل تهديداً مباشراً لأمن المملكة تطلب مواجهته وكبحه.
وبهذا، تحوّل اليمن إلى ساحة تنافس إقليمي مباشر بين الرياض وأبوظبي، في ظل سعي كل طرف لترسيخ موقعه الجيوسياسي والاقتصادي، وتراجعت أولوية مواجهة الحوثيين واستعادة الدولة لصالح إدارة النفوذ وتقليص نفوذ الانتقالي، ما أعاد توجيه بوصلة الحرب من مشروع استقرار إلى صراع على السلطة والجغرافيا السياسية، على حساب الشرعية اليمنية.

مآلات الصراع
لا تعني استعادة السعودية زمام السيطرة في جنوب اليمن وتراجع نفوذ الإمارات وأذرعها المسلحة توجّهًا سعوديًا جادًا نحو دعم يمن موحد أو حسم المعركة ضد جماعة الحوثي. فذلك لا ينسجم مع الإستراتيجية السعودية طويلة الأمد القائمة على إدارة يمن هشّ ومجزأ، محدود السيادة والقرار.
كما لا تشير المعطيات إلى انزلاق الرياض وأبوظبي نحو صراع عسكري مفتوح على "غنائم اليمن"، بل إلى تنافس منضبط يُدار بأدوات سياسية وأمنية غير مباشرة.
تسعى السعودية إلى إعادة الإمساك بمفاصل القرار الأمني والسياسي في شرق وجنوب اليمن، انطلاقًا من تقديرات أمن قومي وعمق جيوسياسي، وبهدف توظيف الجنوب لاحقًا كورقة ضغط في مواجهة الحوثيين. غير أن هذه المقاربة تكرّس في الوقت ذاته ارتهان القرار السيادي اليمني للتفاهمات الخارجية، وتُفضي عمليًا إلى تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ إقليمية، مع إفراغ مفهوم السيادة الوطنية من مضمونه.
في هذا السياق، دخل المجلس الانتقالي مرحلة تآكل سياسي بعد بلوغه ذروة تمدده، إذ يواجه تحديات وجودية متصاعدة، أبرزها تراجع الغطاء الإقليمي، وتصاعد الضغوط السعودية، وعجزه عن التحول من كيان عسكري–أمني إلى مشروع دولة قابل للحياة.
والراجح عدم السماح له بإعلان الانفصال، مع العمل على تفكيك نفوذه تدريجيًا عبر سحب الصلاحيات، وتفكيك تشكيلاته المسلحة، وإدماجه قسرا في ترتيبات سياسية أوسع تنهي دوره كفاعل منفرد.
وفي هذا الإطار، يرى عبد الرحمن الراشد أن التغييرات الأخيرة في الجنوب تمثل "تصحيحًا لمسار عسكري وسياسي خاطئ" أعاق استعادة الدولة، وأن الهدف يتمثل في إنهاء حالة التشظي وضمان أمن الممرات المائية الحيوية، بما يتسق مع المصالح الدولية المرتبطة بأمن البحر الأحمر وسلاسل الإمداد العالمية.
في المقابل، تبرز جماعة الحوثي بوصفها المستفيد الأكبر من الصراع السعودي–الإماراتي. فقد أتاح انشغال خصومها بصراعات الجنوب فرصة لتعزيز سيطرتها في الشمال، وترسيخ موقعها كسلطة أمر واقع أكثر تماسكًا.
ومع غياب جبهة موحدة، واستمرار تفكك معسكر الشرعية، وتراجع أولوية مواجهتها عسكريًا، تمكنت الجماعة من تعزيز قدراتها ورفع أسهمها كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية، منتقلة تدريجيًا من موقع "الانقلاب" إلى فاعل إقليمي يُدار دوليًا. ويضع الراشد الحوثيين في إطار دولي أوسع، معتبرًا أنهم باتوا "قضية دولية" مرتبطة مباشرة بتهديد أمن الممرات البحرية الحيوية.
وبصورة عامة، يكشف مسار الصراع في اليمن عن انتقاله عبر مراحل متعاقبة، بدأت بمواجهة قوى ثورة فبراير وتيار الإسلام السياسي، ثم تحوّلت إلى مواجهة جماعة الحوثي وإيران بوصفهما الخطر المعلن، قبل أن تنتهي في مرحلتها الراهنة إلى صراع مباشر مع المجلس الانتقالي والإمارات.
ونتيجة لهذا التحوّل المستمر في بوصلة الصراع، يتجه اليمن نحو نمط من «التفتيت المستدام» وتسوية سياسية ناقصة تُكرّس موازين القوى القائمة بدل تفكيكها، بما يفضي إلى تآكل فرص استعادة الدولة الوطنية الموحدة، وتعزيز موقع الحوثي كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه، وارتهان مستقبل البلاد للتفاهمات الإقليمية الكبرى، مع تهميش شبه كامل للفاعل اليمني الداخلي.
المصادر
- التدخلات الخارجية في الأزمة اليمنية في الفترة من (2011 – 2022)
- السعودية والإمارات في اليمن: تنافس أم توزيع أدوار؟
- أزمة العلاقات السعودية - الإماراتية والصراع في اليمن
- ما هي مآلات اليمن بعد تراجع النفوذ الإماراتي وهزيمة المجلس الانتقالي الجنوبي وزيادة النفوذ السعودي؟
- اليمن والممرّات البحرية: ساحة لتنافس استراتيجي بين السعودية والإمارات
- قراءة في “عقيدة الاستقرار” السعودية.. عبد الرحمن الراشد يفكك شفرة التحولات الكبرى في الملف اليمني















