"يشرب من كأس الاستبداد".. لماذا أوقف قيس سعيّد برلمانيا مواليا للنظام؟

عالي عبداتي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بين مُطالب بإطلاق سراحه وضمان حريته في التعبير، وقائل إنه يشرب من “كأس الظلم” التي سقى منها غيره، وجد برلماني تونسي نفسه في سجون الرئيس قيس سعيّد بعد تدوينات ناقدة للنظام.

الأمر يتعلق بعضو البرلمان أحمد السعيداني الذي اعتقلته الشرطة في 4 فبراير/شباط 2026، بعد أن تحول إلى منتقد شرس للرئيس سعيّد.

وأعلن النائب بلال المشري عن توقيف زميله السعيداني من قبل السلطات الأمنية دون توضيح الأسباب، بينما لم يصدر عن السلطات أي تعليق بشأن الاعتقال.

مخالفة مطلقة

وقبل اعتقاله بيوم، نشر السعيداني تدوينة عبر حسابه على "فيسبوك"، انتقد فيها الرئيس سعيّد واصفا ‌إياه بأنه "القائد الأعلى ‌للصرف ⁠الصحي وتصريف مياه الأمطار".

تدوينة السعيداني تأتي على خلفية زيارات الرئيس لعدد من المدن بعد الفيضانات التي شهدتها البلاد وتسببت في مصرع 5 أشخاص وخلفت أضرارا كبيرة.

وقال في التدوينة: إن "الرئيس سعيد قرر توسيع اختصاصه رسميا إلى الطرقات والمواسير، على ما يبدو اللقب الجديد سيكون القائد الأعلى للصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار".

وأضاف: "طبعا هذا ليس سخرية من سيادته ولا تهكما على رجل وطني يعمل رئيس بلدية وعمدة وموظفا بديوان التطهير في آن واحد فقط، نحن نتابع بذهول هذه الإنجازات العظيمة".

وعلق قائلا: "بهذه الخطوة العملاقة سيتجاوز سيادته اختزال إنجازاته في المسبح والنافورة والحديقة إلى القائد الأعلى للصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار ولن يتعب الذباب الأخضر بعد ذلك في تعداد إنجازاته أنبوبا أنبوبا وماسورة ماسورة".

يذكر أن السعيداني عضو في الكتلة البرلمانية التابعة للخط الوطني السيادي (التي تضم 15 نائبا من مجموع 161 نائبا)، وهو ينشر باستمرار تدوينات ومقاطع فيديو عبر حسابه على فيسبوك، ينتقد فيها سياسات السلطات وتصريحات سعيد.

أولى ردود الأفعال على اعتقال السعيداني تمثلت في إلغاء اجتماع لجنة المالية بمجلس النواب، الذي كان مقرّرا عقده في 5 فبراير 2026.

الخطوة الاحتجاجية أعلن عنها النائب المشري، بسبب ما وصفه بـ"الإيقاف غير القانوني" لزميله السعيداني.

في المقابل، عبّرت كتلة الخط الوطني السيادي في بيان 5 فبراير عن رفضها المطلق لإيقاف النائب السعيداني بوصفها “مخالفة مطلقة لكل إجراءات الإيقاف والتحقيق وغيرها”. 

وعدت ما أقدمت عليه الجهات التي أوقفت النائب اختراقا للدستور الذي يضمن الحصانة لنائب الشعب في مواقفه وتصريحاته وأعماله.

وحمل البيان السلطات الأمنية والقضائية مسؤوليتها في كل ما ارتكب من تجاوزات رافقت عملية الإيقاف وما قد يتعرض له من مضايقات، داعيا إلى "الإطلاق الفوري لسراح النائب واعتمادها الإجراءات القانونية في عملية تتبعه".

كما حمّلت الكتلة مجلس نواب الشعب مسؤوليته الكاملة في الدفاع عن النائب السعيداني، وإيقاف كل أشكال الاعتداء التي تعرض لها عدد من النواب في محطات سابقة  شبيهة بهذه الحادثة.

إشكالية الحصانة

أمام الجدل القانوني الذي خلفته عمليه الاعتقال، أفاد المحامي حسام الدين عطية، بأن "إيقاف السعيداني تم استنادا إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات، المتعلق بتجريم الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات".

وأوضح عطية لوكالة الأنباء التونسية الرسمية، في 5 فبراير 2026، أن "الفصل المذكور ينص على عقوبة بالسجن تتراوح بين سنة وسنتين، وغرامة مالية تتراوح بين مائة وألف دينار (35-350 دولارا)".

وأكد المحامي أنه رافق موكله طوال عملية الاستماع إليه، التي جرت مساء 4 فبراير 2026 لدى الفرقة المركزية لمكافحة الجرائم الإلكترونية للحرس الوطني بمنطقة العوينة. مشيرا إلى أن "الإجراءات تمت في ظروف عادية".

ورأى المحامي أن إيقاف موكله غير قانوني، مبررا ذلك بتمتّعه بالحصانة البرلمانية.

ورجح في المقابل أن يتم الاحتفاظ به لمدة 48 ساعة قابلة للتجديد مرة واحدة، قبل عرضه على أنظار النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس، لاتخاذ القرار المناسب، سواء بالحفظ أو بالإحالة على المحكمة المختصة.

من جهته، رأى الصحفي الفاهم بوكدوس أن “ما جرى يطرح سؤالا جوهريا يتمثل في إن كان إيقاف نائب شعب أم إيقاف السياسة ذاتها”.

وأضاف بوكدوس لموقع “إلترا تونس” في 5 فبراير 2026، "القضية تتجاوز شخص السعيداني إلى مبدأ الحرية في العمل السياسي".

ورأى أن الخلافات السياسية، مهما بلغت حدّتها، لا يمكن أن تبرر المساس بالحرية أو التطبيع مع منطق الإيقاف والعقاب.

وحذر الصحفي التونسي من تحويل الخصومة السياسية إلى مبرر للملاحقة، بما يفرغ السياسة من مضمونها ويحوّلها إلى أداة ردع وإقصاء.

وبشأن النقاش حول الحصانة في قضية اعتقال السعيداني، أكد أستاذ القانون أيمن الزغدودي، أن هذه الحصانة نشأت أساسا لحماية حرية الكلام والنقد لدى النواب دون خوف من التتبعات.

ورأى الزغدودي في تدوينة عبر فيسبوك في 5 فبراير، أن أي انتقاص من هذه الحرية، تحت أي عنوان، يُعد تبخيسا لدور السلطة التشريعية وإضعافا لها.

وفي تفاعله مع الحدث، قال وزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام: إن سعيّد لن يفلح في شيء غير المحاكمات وفتح السجون والمعتقلات.

وذكر عبد السلام في تدوينة عبر فيسبوك، أن السعيداني عضو في برلمان المسار انقلب عليه المسار وابتلعته بالوعة الانقلاب الكبيرة.

واسترسل: "قلنا ونكرر إن الدكتاتورية مثل نار جهنم يأكل بعضها بعضا، ولن  يسلم منها معارض ولا مساند لأنها مجنونة وهوجاء وبلا عقل أو قلب".

وشدد الوزير الأسبق على أن "سعيّد  بنزواته الدكتاتورية ونزعاته الانتقامية لن يترك حجرا على حجر  إلى أن يسقط السقف على رأسه ويطرده الشعب شر طردة  غير مأسوف عليه مثل سلفه زين العابدين بن علي".

الوجه القبيح

مقابل هذه المواقف، يرى البرلماني السابق والناشط الحقوقي والسياسي المعارض لنظام سعيّد، زياد الهاشمي، أن ما يتعرض له السعيداني اليوم ليس أكثر من "قرصة أذن" من السلطة القائمة لواحد من أدواتها.

وأضاف الهاشمي لـ"الاستقلال"، أن “ما وقع هو أيضا ضربة تهدف إلى إهانة النائب الذي طالما زايد على الجميع بولائه لمنظومة الانقلاب”.

وشدد على أن هذا النائب سبق أن حرض سعيّد بشكل علني على إعدام المعارضين السياسيين، والزج بهم في غياهب السجون، ليجد نفسه اليوم في الموقف ذاته، مرميا في أروقة التحقيق دون أن يجد من يدافع عنه أو يحفظ كرامته.

وأوضح الهاشمي موقفه الأخلاقي والسياسي من هذه الحادثة برفضه التام لمبدأ الشماتة أو التعاطف على حد سواء، مؤكدا أن السعيداني يستحق السجن فعلا كجزاء عادل، لكنه سجن يخلو من "شرف النضال" ومن نبل معارضة الاستبداد.

ولذلك، يؤكد أن الصراع القائم بين السعيداني وقيس سعيّد ليس صراعا على المبادئ أو الحقوق أو الحريات المنتهكة، وليس انتفاضة ضد الفشل الاقتصادي والفساد الذي ينخر الدولة، بل هو مجرد عراك داخلي حول أولويات أجندة الانقلاب وكيفية تنفيذها.

وأردف: “مما يجعل الطرفين وجهين لعملة واحدة من العبث السياسي”، مشددا على أن "المتسلفة مردودة"، بمعنى أن من يعين الظالم على ظلمه سيكون أول ضحاياه.

ولفت الهاشمي إلى أن هذا المشهد السريالي الذي يمر به السعيداني “يعكس الوجه القبيح لنظام قيس سعيّد المستبد الذي لا يقبل شريكا في السلطة ولا يضمن أمانا حتى للمطبلين له”.

واستطرد: “فالمستبد بطبعه لا يكتفي بقمع معارضيه، بل يلتهم حتى الأذرع التي ساعدته على تثبيت أركان حكمه بمجرد أن تنتهي صلاحيتها أو تحاول التغريد خارج سربه الضيق”.

وأبرز الهاشمي أن هذه التطورات تأتي لتؤكد أن تونس تعيش تحت وطأة سلطة غاشمة ألغت القانون واستبدلت المؤسسات بالولاءات المتقلبة.

وخلص إلى أن "هذا المسار لن يؤدي إلا إلى مزيد من تفتيت الدولة وتعميق عزلة النظام، بانتظار اللحظة التي تنكسر فيها قيود هذا الاستبداد الجاثم على صدر الوطن".