وفاة "قاضي الإعدامات" في مصر.. نهاية الوجه الأبرز لتسييس القضاء بعد الانقلاب

توفي محمد ناجي شحاتة الشهير بـ"قاضي الإعدامات" في مصر بعد انقلاب السيسي 2013
«قاضي الإعدامات».. «قاضي المؤبدات».. «قاضي العسكر».. «قاضي النظارة السوداء»… ألقاب متعددة تداولها ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي في الإشارة إلى المستشار محمد ناجي شحاتة، أحد أبرز الوجوه القضائية التي ارتبط اسمها بمحاكمات آلاف المعارضين والناشطين في مصر بعد عام 2013، وذلك عقب إعلان وفاته.
وتوفي القاضي محمد ناجي شحاتة الذي اشتهر بارتداء نظارته السوداء داخل قاعة المحكمة، يوم 6 فبراير/شباط 2026 عن عمر ناهز 71 عامًا، وشيّعت جنازته من مسجد مصطفى محمود في الجيزة عقب صلاة الجمعة.
ويُعد شحاتة من أبرز رموز تسييس القضاء في مرحلة ما بعد انقلاب رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي على الرئيس الشرعي الراحل محمد مرسي في 3 يوليو/تموز 2013؛ إذ جرى تعيينه رئيسًا للدائرة الخامسة بمحكمة جنايات الجيزة، المختصة بقضايا الإرهاب وأحداث العنف والتجمهر.
وجاءت وفاته بعد سنوات طويلة ترأس خلالها محاكم استثنائية افتقرت إلى الحد الأدنى من معايير العدالة، وأصدرت أحكاما وُصفت بالمسيسة والمشددة، وفي مقدمتها دائرة الإرهاب بمحكمة جنايات الجيزة، ومحكمة أمن الدولة العليا طوارئ، التي نظرت في قضايا شديدة الحساسية طالت معارضين سياسيين عقب عام 2013.
وخلال نحو 13 عامًا، سجّل شحاتة أعلى معدلات إصدار أحكام الإعدام بحق معارضي الانقلاب، وفي مقدمتهم أعضاء وقيادات جماعة الإخوان المسلمين، من بينهم المرشد العام للجماعة محمد بديع الذي صدر بحقه حكم بالإعدام في قضية «غرفة عمليات رابعة»، إلى جانب عدد من قيادات الجماعة.
ومن بين أبرز القضايا التي أصدر فيها أحكامًا بالإعدام أو السجن المؤبد، قضية «خلية الماريوت» التي حوكم فيها صحفيو قناة الجزيرة، إضافة إلى قضية اقتحام كرداسة التي أحال فيها أوراق 12 متهمًا إلى مفتي الجمهورية تمهيدًا لإعدامهم.
كما ترأس شحاتة محاكمة قضية أحداث مجلس الوزراء التي شملت 268 متهمًا، من بينهم الناشط السياسي أحمد دومة؛ حيث حكم عليه وعلى 229 آخرين بالسجن المؤبد، مع تغريمهم مبلغ 17 مليون جنيه، كما قضى بسجن 39 حدثًا لمدة عشر سنوات.
واشتهر شحاتة بإصداره أحكامًا جماعية غير مسبوقة؛ إذ حكم بإعدام 183 متهمًا، وبالسجن المؤبد بحق 230 آخرين خلال 48 ساعة فقط، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ القضاء المصري الحديث.
كما عُرف بتعاطفه مع الضابط الملقب بـ«قنّاص العيون» الذي تسبب في فقدان أحد المتظاهرين عينه خلال الاحتجاجات، إذ أصدر حكمًا بتبرئة 18 ضابطًا اتهموا بقتل معارضين، وهو الحكم الذي أعقبته إجراءات أمنية خاصة، تمثلت في تخصيص حراسة دائمة له من قبل وزارة الداخلية.
سجل الظلم
استعاد حقوقيون وناشطون، عبر تدوينات وتغريدات على منصتي «إكس» و«فيسبوك»، سجل المستشار محمد ناجي شحاتة، مستذكرين أحكامه التي وصفوها بالظالمة والمسيسة في قضايا رأي وسياسة، والتي نالت أطفالًا وشبابًا ونساءً وشيوخًا، فضلًا عن الغرامات المالية الباهظة التي فرضت على المحكومين.
وتصدر وسمَا #قاضي_الإعدامات و#ناجي_شحاتة منصات التواصل الاجتماعي، بوصفه أحد أكثر القضاة ارتباطًا بإصدار أحكام الإعدام والسجن المؤبد بحق معارضين بعد عام 2013، في محاكمات عدها منتقدوه تفتقر لأبسط ضمانات العدالة.
صحيفة أعمال
وتناول أكاديميون ومستشارون قانونيون سجل القضايا التي أصدر فيها شحاتة أحكامًا وُصفت بالوحشية. مشيرين إلى تساهله اللافت في إصدار أحكام القتل والسجن المؤبد، حتى إنه قضى بإعدام 183 شخصًا، والحكم بالسجن المؤبد على 230 آخرين خلال 48 ساعة فقط، في قضية واحدة، في سابقة غير معهودة في تاريخ القضاء المصري.
فاقد للنزاهة
في السياق ذاته، أشار صحفيون وإعلاميون إلى أن شحاتة واجه اتهامات تمس النزاهة والحياد، وتعرض لانتقادات حقوقية واسعة، رافقتها مطالبات بإعادة النظر في القضايا التي أصدر فيها أحكامًا مسيسة.
ولفتوا إلى أن محكمة استئناف القاهرة أصدرت حكمًا بفقدانه الحياد والنزاهة، ما أدى إلى تنحيته عن نظر قضيتين، في واقعة نادرة تعكس حجم الجدل الذي أحاط بأدائه القضائي.
روايات ضحايا
وسرد سياسيون ومعارضون تفاصيل ما وصفوه بالظلم الذي تعرضوا له خلال محاكماتهم أمام شحاتة، متحدثين عن معاناتهم الممتدة لسنوات بسبب أحكامه القاسية، وساخرين من الأدلة التي استند إليها في إدانتهم، والتي وصفوها بالهزيلة والمفبركة.
وأكد بعضهم أن الأحكام لم تستند إلى وقائع أو تحقيقات جدية، بل إلى محاضر أمنية واتهامات مرسلة، ما حوّل قاعة المحكمة، وفق تعبيرهم، إلى أداة قمع لا منصة عدالة.
وأعرب معارضون مصريون عن غضبهم العميق من الأحكام التي أصدرها شحاتة بحق مئات المصريين، معبرين عن تمنياتهم بأن يلقى حسابه أمام ما وصفوه بـ«العدالة الإلهية»، وأن يُحاسب على أفعاله التي عدوها مشاركة مباشرة في الظلم والقمع.
وبرزت دعوات غاضبة على مواقع التواصل، عكست حالة احتقان شعبي واسعة تجاه ما عدّه ناشطون سجلًا حافلًا بالأحكام التعسفية التي دمرت حياة أسر كاملة.
محاكمة هزلية
كما تداول ناشطون مقاطع مصورة من جلسات محاكمات ترأسها شحاتة، انتهت بإصدار أحكام إعدام رغم تقديم المتهمين ما قالوا إنها أدلة واضحة على براءتهم من اتهامات وُصفت بالكيدية والهزلية.
وأشاروا إلى أن القاضي الذي حكم بالإعدام على هؤلاء التحق اليوم، بحسب تعبيرهم، بمن ظلمهم، لتجتمع الخصومة عند الله؛ حيث لا حصانة ولا نفوذ.
قضاة العسكر
وامتد الغضب الشعبي ليشمل قضاة آخرين ارتبطت أسماؤهم بإصدار أحكام إعدام وسجن بحق معارضي الانقلاب العسكري في مصر، ومن بينهم شعبان الشامي، ومعتز خفاجي، وسعيد صبري، وحسن فريد؛ حيث وصفهم ناشطون بأنهم «قضاة العسكر» الذين سخّروا القضاء لإرضاء السلطة الحاكمة.
شيرين يبكي!
وسخر ناشطون من مشاهد بكاء المستشار محمد شيرين فهمي خلال تشييع جنازة شحاتة، متمنين أن يلقى المصير ذاته، ومذكرين بسجله القضائي المثير للجدل، والذي تضمن أحكامًا بالإعدام والمؤبد والسجن المشدد بحق معارضين في قضايا سياسية.
ويُعد شيرين فهمي، رئيس محكمة جنايات جنوب القاهرة، من أكثر القضاة إثارة للجدل، بسبب أحكامه التي وُصِفت بغير الحيادية فيما يعرف بقضايا «الإرهاب والرأي».
ومن أبرز القضايا التي نظرها قضية «كتائب حلوان»، التي أصدر فيها أحكامًا بإعدام 10 متهمين، والسجن المؤبد لـ56 آخرين، والسجن المشدد 15 عامًا لـ53 متهمًا.
كما ترأس محاكمة الرئيس الشرعي الراحل محمد مرسي التي أثارت انتقادات واسعة بسبب طريقة إدارته للجلسات، قبل وفاة مرسي داخل قاعة المحكمة في 17 يونيو/حزيران 2019.
ووفق تقارير حقوقية، من بينها بيانات للجبهة المصرية لحقوق الإنسان ومنظمة «الديمقراطية الآن للعالم العربي»، لعب فهمي دورًا متعمدًا في ما وصف بـ«القتل البطيء» لمرسي، عبر تجاهل شكاواه الصحية، وحرمانه من الرعاية الطبية، والإصرار على ظروف احتجاز ومحاكمة قاسية.
وأكدت منظمات حقوقية أن فهمي استخدم قوانين مكافحة الإرهاب ذات الصياغات الفضفاضة لإبقاء معارضين سلميين رهن الحبس الاحتياطي المطوّل وغير القانوني، ورأت أنه جزء من حملة أوسع استهدفت المجتمع المدني والتعددية السياسية في مصر.














