تدمير آبار وتجريف خطوط.. كيف تحوّل الماء إلى سلاح حرب في القطاع المحاصر؟

انحدرت حصة المياه المتاحة للفرد الغزي إلى مستويات بالغة التدني
خارج خيمته المهترئة في حي النصر شمال مدينة غزة، يقف أحمد الهبيل (45 عامًا)، وإلى جواره صفوف من الجالونات الفارغة، ينتظر بحسرة وصول عربة المياه التي اعتاد قدومها، لكنها تأخّرت هذه المرة.
ويقول الهبيل، في حديثه لـ"الاستقلال"، بنبرة يطغى عليها الألم: "تحولت حياتنا إلى دوران لا ينتهي بين انتظار عربة المياه كل بضعة أيام، والركض خلف صهاريج التوزيع"، في ظلّ النقص الحاد في المياه منذ اندلاع الحرب.
وتعاني غزة منذ أكثر من عامين أزمة مياه غير مسبوقة، جعلت الحصول على المياه تحديًا يوميًا يثقل كاهل سكانها، غير أن هذه المعاناة تفاقمت خلال الشهر الأخير، حتى مع سريان اتفاق إطلاق نار هش في القطاع.

طوابير المياه
ينتظر كثيرون لساعات طويلة في طوابير تمتد أمام نقاط توزيع المياه التي تديرها البلديات أو المنظمات الإغاثية، على أمل تعبئة أوعية تكفي بالكاد ليوم واحد.
ويضيف أحمد الهبيل: "نحاول تخزين كل قطرة نحصل عليها في جالونات صغيرة، خوفا من تأخر وصول المياه أو انقطاعها لاحقًا. نحن نعيش على حافة العطش".
ويتابع: "نقتصد في كل شيء؛ في الاستحمام، وفي غسل الملابس والأواني، حتى نتمكّن من توفير المياه للضروريات فقط".
ويتناوب أفراد أسرته الأربعة على استخدام ما يتوافر لديهم من ماء بحذر شديد؛ إذ تُمنح الأولوية للشرب والطهي، بينما يتحول الاستحمام إلى ترف مؤجل لأسبوع أو أكثر.
أمّا حسن الشافعي (54 عامًا)، من سكان مخيم النصيرات وسط القطاع، فتبدأ رحلته اليومية مع الماء قبل بزوغ الفجر.
يحمل عدة أوعية بلاستيكية كبيرة، ويجرّ عربة يد قديمة، لينطلق في مسير شاقّ نحو إحدى نقاط توزيع المياه التي تبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن خيمته.
ويقول الشافعي لـ"الاستقلال": "أخرج قبل طلوع الشمس لأسبق الزحام. أصل ومعي العربة الفارغة، فأجد عشرات الأشخاص مثلي ينتظرون دورهم أمام الصهريج".
في بعض الأيام، يتمكّن حسن من ملء جالون أو اثنين قبل نفاد المياه من الشاحنة أو انتقالها إلى منطقة أخرى، بينما يعود في أيام أخرى وجالوناته شبه فارغة، بعد ساعات من الانتظار دون جدوى.
ويصف الوضع قائلا: "نشعر وكأننا نطارد سرابًا. الماء بات يُوزّع بالقطّارة". ورغم معاناته من آلام في مفاصله، يواصل جرّ عربته الثقيلة يوميًا، لعدم وجود بديل.
ويضيف: "الماء حياة. لا أستطيع أن أرى أولادي عطشى. رغم أن ركبتي تؤلمانني، أتجاهل الوجع وأواصل المشي، فكل لتر ماء أجلبه هو طوق نجاة لعائلتي".
ويختم حديثه متسائلًا: "إلى متى سنظل نبحث عن الماء بهذه الطريقة؟ نحن لا نطلب المستحيل، فقط ماءً نظيفًا نشربه ونعيش به".
ورغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بعد عامين من العدوان الإسرائيلي، ظل سؤال حسن وغيره من سكان قطاع غزة العطشى معلّقًا بلا إجابة واضحة، فيما يستمر حصار المياه، وتتواصل معه معاناة أكثر من مليوني إنسان يكافحون يوميًا من أجل أبسط مقومات الحياة.
وأدّى التدمير الممنهج للبنية التحتية المائية، وعرقلة الاحتلال عمليات إصلاحها، إلى انخفاض كمية المياه المتاحة بأكثر من 94 بالمئة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. وفق تقرير صادر عن منظمة "أوكسفام" الدولية.
وأمام هذا الواقع، انحدرت حصة الفرد من المياه في غزة إلى مستويات متدنية للغاية؛ إذ تقدّر بلدية غزة أن نصيب الفرد لا يتجاوز حاليًا 5 لترات يوميًا في كثير من المناطق، وهي كمية بالكاد تكفي للشرب، وأقل بكثير من الحد الأدنى الإنساني اللازم للبقاء على قيد الحياة.
وقد دفع هذا الوضع عشرات آلاف العائلات إلى اتخاذ تدابير قاسية لتدبير احتياجاتها المائية؛ حيث تضطر أسر كاملة إلى التقشف والتخلي عن استخدام المياه للاستحمام أو الغسيل، من أجل توفيرها للشرب والطهي.

تدمير الآبار
تفاقمت أزمة المياه في قطاع غزة بصورة حادة أواخر يناير/ كانون الثاني 2026، بعد خروج خط مياه شركة "ميكروت" الإسرائيلية – المصدر المائي الأكبر لمدينة غزة – عن الخدمة، إثر تعرّضه للكسر نتيجة عمليات تجريف نفذتها قوات الاحتلال شرق المدينة.
ووفق ما أعلنت بلدية غزة في 28 يناير، كان هذا الخط يزوّد المدينة بنحو 70 بالمئة من احتياجاتها المائية خلال فترة العدوان.
وجاءت هذه الكارثة في سياق دمار واسع طال البنية التحتية المائية خلال عامي العدوان؛ إذ دُمّر قرابة 85 بالمئة من آبار المياه داخل مدينة غزة، ما أدى إلى تقليص حاد في حجم الإمدادات المتاحة للسكان.
ومع انقطاع هذا الخط، حُرمت مناطق واسعة من المياه بشكل كامل، شملت أحياء رئيسة مثل الزيتون والشجاعية والبلدة القديمة وتل الهوى والصبرة والمناطق الغربية، الأمر الذي وضع معظم أنحاء المدينة في حالة عطش جماعي.
وأوضحت بلدية غزة أن الاحتياج اليومي للمدينة من المياه قبل الحرب كان يتجاوز 100 ألف متر مكعب، في حين لا يتوافر حاليًا سوى جزء ضئيل من هذه الكمية، بعجز يصل إلى نحو 90 بالمئة مقارنة بالمستويات السابقة.
وأدخل هذا النقص الحاد غزة في أزمة عطش غير مسبوقة، دفعت البلدية إلى التحذير من كارثة وشيكة، في ظلّ شلل شبه كامل لمنظومة المياه، لا سيما أن المدينة اعتمدت خلال الحرب وما بعدها بشكل أساسي على خط "ميكروت" لتعويض فقدان مصادرها المحلية.
ولم تبدأ معاناة غزة مع المياه بانقطاع خط "ميكروت" الأخير فحسب، بل تُعد امتدادًا لسياسة ممنهجة طالت قطاع المياه طوال فترة العدوان؛ حيث استخدمت إسرائيل، بحسب منظمات حقوقية، سياسة "التعطيش" كسلاح حرب عبر الاستهداف المتكرر لمصادر المياه.
وفي هذا السياق، دُمّر أكثر من 1675 كيلومترًا من شبكات المياه والصرف الصحي، واستُهدف نحو 719 بئر مياه بشكل مباشر، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة. وفق تقرير صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
وبحسب إحصاءات المركز، تعرّض أكثر من 89 بالمئة من مرافق قطاع المياه والصرف الصحي لأضرار كلية أو جزئية خلال الحرب.
ونتيجة لذلك، حُرم أكثر من 91 بالمئة من سكان غزة من الوصول الآمن إلى المياه، واضطر 65 بالمئة منهم للاكتفاء بأقل من ستة لترات للفرد يوميًا.
وتصف منظمات حقوقية هذه الممارسات بأنها حملة متعمدة لتحويل المياه إلى أداة إخضاع جماعي، محذّرة من أن استخدامها كسلاح حرب يهدف إلى جعل قطاع غزة منطقة غير قابلة للحياة، ودفع سكانه نحو الهجرة القسرية.
ولم يسلم أي جزء من منظومة المياه في غزة من التدمير، إذ دُمّر نحو 70 بالمئة من محطات الضخ، وخرجت جميع محطات معالجة مياه الصرف الصحي عن الخدمة، كما تضررت مختبرات فحص جودة المياه الرئيسة. وفق تقرير منظمة "أوكسفام" المشار إليه سابقًا.
وفي بعض المناطق الأكثر تضررًا، مثل مدينة غزة، بلغت نسبة تدمير الآبار نحو 88 بالمئة، إضافة إلى تدمير جميع محطات تحلية مياه البحر فيها.
كما أفاد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأن 71 بالمئة من محطات تحلية المياه الصغيرة خرجت من الخدمة، وتضرر نحو ثلثي خزانات المياه العامة.
وأدّى هذا الدمار الشامل إلى انخفاض إنتاج المياه في قطاع غزة بنسبة 84 بالمئة، ما وسّع فجوة العجز المائي إلى مستويات تنذر بكارثة صحية وبيئية، في ظل تصاعد مخاطر الأمراض المرتبطة بتلوث المياه وانعدام شروط النظافة الأساسية.

عرقلة الإصلاحات
وعلى الرغم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، يواصل الاحتلال الإسرائيلي استهداف البنية التحتية ومنع جهود ترميمها، ما حال دون تسجيل أي تحسّن يُذكر في أزمة المياه.
وخلال العدوان، سيطر جيش الاحتلال على مساحات واسعة شرقي قطاع غزة، ودمّر أحياء كاملة وبُناها التحتية، في خرق واضح لبنود الاتفاق، شمل استمرار أعمال التجريف والتخريب في المناطق الحدودية.
وتنعكس هذه الانتهاكات بشكل مباشر على الواقع المائي؛ إذ تعيق قوات الاحتلال أي محاولات لإصلاح ما دمرته خلال الحرب.
وفي هذا السياق، كشفت الأمم المتحدة أن سلطات الاحتلال منعت فرق الصيانة الفلسطينية والدولية من الوصول إلى آبار "الصفا" الحيوية شرق مدينة غزة لإصلاحها في 19 يناير/ كانون الثاني 2026.
كما يماطل الاحتلال في السماح بإدخال قطع الغيار والمواد اللازمة لإعادة تأهيل الشبكات المدمرة، ما يُبقي نحو 60 بالمئة من المياه مهدورة؛ إذ تتسرّب عبر الأنابيب المثقوبة بدلًا من وصولها إلى السكان.
ولا تقتصر العقبات على المنع المباشر لفرق الصيانة، بل تشمل أيضًا الحصار المشدد المفروض على إدخال المعدات الثقيلة والتقنيات الضرورية لإعادة حفر الآبار أو تشغيل القائم منها.
ويشير مسؤولون في البلديات إلى أن الاحتلال يمنع إدخال الحفارات والجرافات والمولدات اللازمة لتشغيل الآبار وصيانة خطوط المياه.
كما أسهمت القيود المفروضة على توريد الوقود في تفاقم الأزمة؛ إذ أدى شح الوقود إلى الحدّ بشدة من قدرة البلديات على تشغيل المضخات والآبار الاحتياطية التي لم تُدمَّر.
وأكّدت بلدية غزة أنها تعمل بـ"إمكانات شبه معدومة"، في ظل نقص حاد في مواد البناء وقطع الغيار الأساسية، وبعد تدمير معظم آلياتها خلال الحرب.
وتبقى هذه الحلول الإسعافية المحدودة عاجزة عن مواجهة حجم الدمار، ما يُبقي مساحات واسعة من القطاع تحت وطأة انقطاعات متكررة للمياه وشحّ شديد في الإمدادات.
وإلى جانب الكميات المحدودة، تعاني غزة من تدهور حاد في نوعية المياه المتاحة؛ إذ تعتمد معظم الآبار القليلة التي لا تزال تعمل على الخزان الجوفي الساحلي، الذي يعاني أصلًا من تلوّث وتملّح شديدين، ما يجعل نحو 97 بالمئة من مياهه غير صالحة للشرب الآدمي. وفق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا".
وفي محاولة يائسة لتأمين المياه، يلجأ بعض السكان إلى حفر آبار سطحية بدائية قرب الساحل، غير أن المياه المستخرجة تكون غالبًا شديدة الملوحة أو ملوثة بمياه الصرف الصحي، نتيجة تدمير منظومات المعالجة.
ويزيد الانقطاع المستمر للكهرباء ونقص الوقود من صعوبة تشغيل محطات التحلية الصغيرة أو أجهزة التنقية المنزلية، لتتحول مياه الشرب النظيفة إلى ترف نادر في قطاع محاصر.
وأمام هذا الواقع، حذّرت منظمات دولية، من بينها منظمة الصحة العالمية، من أن استهلاك المياه الملوثة وتراجع مستويات النظافة بسبب شح المياه بدآ يتسببان في تفشي أمراض خطيرة بين السكان، من بينها الإسهالات الحادة، وأمراض الجلد، والتهابات الجهاز التنفسي، لا سيما بين الأطفال.
وفي السياق ذاته، قدّرت سلطة المياه الفلسطينية كلفة إصلاح قطاع المياه والصرف الصحي في غزة بنحو 2.7 مليار دولار، مؤكدة الحاجة العاجلة لإدخال المعدات الثقيلة والمواد الأساسية لبدء عمليات إعادة التأهيل.
المصادر
- Israel using water as weapon of war as Gaza supply plummets by 94%, creating deadly health catastrophe: Oxfam
- Israel Continues to Destroy Water Sources: Civilians Targeted While Digging Well in North Gaza
- غزة تعيش أوضاعاً كارثية غير مسبوقة وانقطاع المياه يعمق الأزمة اقرأ المزيد عبر المركز الفلسطيني للإعلام: https://palinfo.com/news/2026/01/29/990789/
- Gazans struggle to find water as clean sources become increasingly scarce
- Gaza Humanitarian Response | Situation Report No. 63
- بلدية غزة: نعاني من أزمة مياه خطيرة بعجز يتجاوز 75 بالمئة













