تصريحات ترامب بشأن رئاسة حكومة العراق.. تضر أم تفيد نوري المالكي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في 27 يناير/كانون الثاني 2026، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على حسابه بمنصة "تروث سوشيال" تحذيرا مفاده أنه في حال اختيار نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية، "فلن تُقدم الولايات المتحدة أي مساعدة للعراق".

وبهذا الخصوص، رأت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" أن تهديدات ترامب قد تُسهم في زيادة شعبية المالكي بين المكون الشيعي بالعراق.

منشور صادم

وقالت المجلة الأميركية، في تقرير لها: إن "منشور ترامب كان صادما"، لا سيما أنه صادر عن دولة لطالما دعت إلى انتخابات حرة ونزيهة في العراق، بعيدا عن أي ضغوط خارجية.

وقد أدت تصريحاته إلى اضطراب عملية ما بعد الانتخابات التي كانت في الأصل غير مستقرة، وأثارت احتجاجات في بلد يشهد سادس انتخابات عامة له منذ عام 2003.

ورشّح تحالفٌ من الأحزاب الشيعية، يُعرف باسم "الإطار التنسيقي"، المالكي مرشحا له. وكان من المقرر عقد جلسة برلمانية، في 27 يناير 2026، لانتخاب رئيس، يُعيّن هو بدوره رئيس الوزراء.

إلا أن الجلسة أُلغيت لعدم اكتمال النصاب القانوني. ويُرجّح فوز المالكي، لكن الأمر لم يُحسم بعد. ولهذا السبب تُلقي تصريحات ترامب بظلالها السلبية.

بدورها، قالت المتخصصة في بناء الدولة والديمقراطية في العراق بعد عام 2003، والأستاذة المساعدة للعلوم السياسية في كلية بوسطن، مارسين الشمري: "في العراق، كثيرا ما نتحدث عن ثلاثة عوائق غير رسمية أمام رئيس الوزراء: واشنطن، وطهران، والمؤسسة الدينية في النجف".

وأضافت: "ما يختلف هذه المرة هو أن التدخل لم يعد يجرى خلف الأبواب المغلقة، بل أصبح علنيا".

وبينما يزعم ترامب أن فترة حكم المالكي السابقة أضعفت العراق، وعززت نفوذ إيران، وأضرت بالمصالح الأميركية، ينظر العراقيون على نطاق واسع إلى تصريحات الرئيس الأميركي بوصفها تدخلا سافرا في النقاش السياسي الداخلي.

لا سيما في ظل التطورات الأخيرة في فنزويلا، وتهديدات ترامب المتجددة ضد إيران، وإصراره على أن الولايات المتحدة "ستمتلك غرينلاند"، مما يعزز الاعتقاد بأن الضغط العقابي لا يزال أداة أساسية في سياسته الخارجية.

وقالت المجلة: "عندما برز المالكي لأول مرة على الساحة السياسية العراقية، حظي بتأييد الرئيس جورج دبليو بوش عام 2006، واصفا إياه بأنه "الرجل المناسب للعراق".

وبين عامي 2006 و2008، تولى قيادة الدولة العراقية خلال الحرب الأهلية الطائفية، وفي عام 2008، أرسل الجيش العراقي لكبح جماح ميليشيا مقتدى الصدر. ورغم أن هذه لم تكن سوى بعض العوامل التي أنهت الحرب الطائفية الدامية، إلا أن المالكي برز كشخصية قومية عراقية قوية.

لكن صورة المالكي كشخصية وطنية مُستقرة لم تدم. فالسياسات والقرارات التي عززت سلطته زرعت أيضا بذور انهيارٍ أشد خطورة.

فبحلول يونيو/حزيران 2014، عاد تنظيم القاعدة في العراق إلى البلاد في صورة تنظيم الدولة، وكان المالكي، في نظر الكثيرين، الشرارة التي أشعلت فتيل الأحداث.

بدءا من الاشتباكات المسلحة بين جهاز الأمن العراقي -الذي بات مُسيّسا بشدة منذ انتخاب المالكي- والمتظاهرين العرب السنة عام 2013، مما أثار استياء أكبر بين العرب السنة في العراق الذين شعروا بالتمييز ضدهم منذ سقوط صدام.

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على ساحة المعركة فحسب، فمع تفاقم الأزمة الأمنية، باتت التصدعات في النظام السياسي والمؤسسات العراقية أكثر وضوحا.

وبرز جمود آخر بعد الانتخابات، شبيه بما حدث عام 2010، تمحور حول شخصية المالكي. واستمر هذا الجمود حتى صيف عام 2014، ما يعني أن العراق لم يتمكن من تشكيل حكومة في الوقت الذي شن فيه تنظيم الدولة هجومه على الموصل.

ومنذ إعلانه استقالته في أغسطس/آب 2014 بسبب تراجع دعم ائتلافه نتيجة صعود تنظيم الدولة، ظل المالكي شخصية سياسية بارزة في العراق، وفق المجلة.

ولا تمر انتخابات دون الحديث عن عودته إلى صدارة المشهد السياسي العراقي. ولم تكن عودته الأخيرة إلى الساحة السياسية مفاجئة للكثيرين، حتى مع الأداء القوي لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني.

تحديات وعوائق

ومع ذلك، يواجه المالكي تحديات كبيرة كرئيس للوزراء، حتى لو التزم الرئيس الأميركي الصمت، وفق المجلة. 

فقد استعدى المالكي الأكراد في العراق بحجب عائدات النفط، واستعدى العرب السنة بتفويضه استخدام القوة العسكرية ضد المتظاهرين عام 2013.

كما أن الطائفة الشيعية في العراق ليست موحدة خلفه. فمنذ أول مواجهة بينهما عام 2008، ظل المالكي ومقتدى الصدر خصمين لدودين.

وكان ائتلاف الصدر قد فاز بأغلبية نسبية في انتخابات 2018، لكنه مُني بهزيمة أمام "الإطار التنسيقي" الذي يقوده المالكي في تشكيل الحكومة (كما فعل المالكي عام 2010 مع إياد علاوي).

ولا يزال الصدر يتمتع بقاعدة شعبية واسعة وقابلة للتعبئة، وهو ما لا يُبشر بتوافق في الآراء، بل يُرجح أن يُؤدي إلى استمرار الاستقطاب داخل المكون الشيعي، بحسب تقييم "ريسبونسبل ستيتكرافت".

واستدركت المجلة: غير أن السيادة في العراق تظل "المقدّس السياسي" الأبرز؛ فأي محاولة يُنظر إليها على أنها تدخل خارجي في توجيه المسارات الداخلية تُغذّي الديناميات التي تتيح لشخصيات مثل المالكي استعادة حضورها. ويبدو أن الرئيس ترامب ومستشاريه قد وقعوا في هذا الفخ.

واستطردت: "ليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها ترامب فرض نتائج في العراق عبر استعراض فجّ للقوة".

ففي الساعات الأولى من يناير 2020، أمر بتنفيذ ضربة بطائرة مسيّرة أدت إلى مقتل قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، ومهندس شبكة إقليمية من الميليشيات العراقية.

والأكثر دلالة أن الضربة نفسها أسفرت أيضا عن مقتل أبو مهدي المهندس، نائب قائد "هيئة الحشد الشعبي" في العراق وزعيم مليشيا "كتائب حزب الله"، والذي كان يُنظر إليه، مع سليماني، بوصفهما منقذين للوطن في الحرب ضد تنظيم الدولة.

"وبينما أحدث اغتيال قاسم سليماني صدى واسعا في أوساط وكلاء إيران في الشرق الأوسط، كان تأثيره داخل العراق أقل حدة".

"في المقابل، كان لاغتيال المهندس صدىً كبير في جميع أنحاء العراق، مما أدى إلى هجمات على السفارة الأميركية وتصاعد قوة المليشيات هناك، وهي المليشيات نفسها التي يطالب ترامب العراق حاليا بتفكيكها".

نتائج عكسية

“وسواء جاءت عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال القوة العسكرية، يُرجَّح أن تؤدي تدخلات ترامب إلى نتائج عكسية”. وفق المجلة.

"فرغم أن نوري المالكي يظل شخصية مثيرة للانقسام داخل العراق، تُظهر التجربة أن الضغوط الخارجية العلنية، ولا سيما حين تُقدَّم في صورة تهديدات، تميل إلى تحويل النقاش من مسألة المساءلة إلى قضية السيادة".

وأضافت: "من خلال توجيه تحذيرات علنية للعراقيين بشأن خياراتهم السياسية، تخاطر واشنطن بإثارة رد فعل معاكس قد يحوّل المالكي إلى رمز لمقاومة الضغوط الخارجية".

"وبدلا من إضعاف موقعه، قد تُكسب مثل هذه التدخلات رئيسَ الوزراء السابق شرعيةً متجددة، وتؤدي إلى تصلّب المواقف، وتضيّق هامش التوصل إلى تسويات داخلية".

وأردفت: "في سعيه للتأثير في مستقبل العراق السياسي عبر الضغط العلني والدعم المشروط، من المرجح أن يؤدي منشور الرئيس ترامب على منصة "تروث سوشيال" إلى نتائج معاكسة لتلك التي استهدفها، بما يقوض مصداقية الولايات المتحدة ويعزز ديناميات الاستياء والاستقطاب المألوفة في العراق".

وختمت المجلة بالقول: "بدلا من دفع العراق إلى الأمام، قد ينتهي الأمر بترامب إلى دفعه مجددا إلى قبضة نوري المالكي".