من الشراكة إلى المحور.. أنقرة وطشقند تعيدان رسم أوراسيا

"20 يناير 2026 يمثل نقطة انعطاف حقيقية في العلاقات الثنائية"
دلالات استثنائية تحملها بداية عام 2026 في سياق العلاقات بين تركيا والعالم التركي عموما، وبين أنقرة وطشقند على وجه الخصوص.
ونشر مركز "أنكاسام" مقالا للكاتب التركي، محمد سيف الدين إيرول، ذكر فيه أن “التفاعلات السياسية والأمنية رفيعة المستوى التي شهدها شهر يناير/كانون الثاني 2026 لا يمكن قراءتها بوصفها تحركات دبلوماسية روتينية”.
واستدرك موضحا: "بل تمثّل لحظة تأسيسية في إعادة تعريف طبيعة العلاقات التركية–الأوزبكية، وتحويلها من إطار "الشراكة الإستراتيجية" إلى ملامح محور جيوبوليتيكي متكامل".

أربعة محاور
وفي هذا السياق، يبرز الخط الجيوبوليتيكي أنقرة–طشقند بوصفه العمود الفقري للعالم التركي، ليس فقط من حيث الامتداد الجغرافي، بل من حيث قدرته على الربط بين دوائر متعددة: البلقان، والقوقاز، وحوض بحر قزوين، وآسيا الوسطى وصولا إلى جنوب آسيا.
وأشار الكاتب إلى أن “هذا الخط لم يعد مجرد مساحة تفاعل ثنائي، بل بات مجالا لإنتاج الأمن والتنمية والاستقرار في بيئة إقليمية تتزايد فيها مستويات المخاطر وعدم اليقين”.
وشدد على أن "الاجتماعات التي عُقدت في 20 يناير 2026 تمثل محطة محورية في هذا التحول".
وأوضح إيرول أنه قد عُقد الاجتماع الرابع لـ"مجموعة التخطيط الإستراتيجي المشتركة" برئاسة وزيري خارجية البلدين، أعقبه في اليوم نفسه الاجتماع الأول لآلية 4+4، بمشاركة أبرز صناع القرار في مجالات السياسة الخارجية والأمن الداخلي والدفاع والاستخبارات من الجانبين.
ولفت إلى أن "الطابع الشامل لتشكيلة الوفدين يعكس إدراكا مشتركا بأن العلاقات الثنائية دخلت مرحلة تتطلب إدارة متكاملة للأمن والسياسة والدفاع، وليس مجرد تنسيق دبلوماسي".
وأكد إيرول أن "استقبال الرئيس رجب طيب أردوغان للوفد الأوزبكي يكتسب أهمية رمزية وعملية في آن واحد، لا سيما في ضوء التصريح الرسمي الذي أكَّد أن هذا اللقاء سيسهم في تعزيز الشراكة الإستراتيجية بين تركيا وأوزبكستان بشكل أكبر".
وذكر أن “هذا التعبير لا يعكس فقط توصيفا لحالة قائمة، بل يمثل إعلان نوايا بشأن مستقبل العلاقات، ويشير إلى انتقالها من مستوى الخطاب لمستوى البناء المؤسسي العميق، خصوصا في ظل قيادة الرئيس شوكت ميرضيائيف، والتي أعادت تعريف انفتاح أوزبكستان الإقليمي والدولي”.
وأردف الكاتب التركي بأن "آلية 4+4 تشكل حجر الزاوية في هذا التحول النوعي، فهي لا تمثل مجرد منصة حوار، بل إطارا مؤسسيا لإدارة العلاقات الإستراتيجية بصورة منتظمة ومنهجية، ويعكس هذا الإطار إدراك الطرفين بأن البيئة الأمنية في آسيا الوسطى ومحيطها لم تعد تسمح بالاستجابات الظرفية أو الفردية".
وأوضح أن "آلية 4+4 ترتكز على منظومة متكاملة من أربعة محاور رئيسة تشكّل معا الإطار العملي لبناء شراكة إستراتيجية متقدمة بين الطرفين، وتمنح التعاون الثنائي بعدا مؤسسيا يتجاوز الصيغ التقليدية".
تفاصيل المحاور
أولى هذه المحاور، يتمثل في التقييم المشترك لمخاطر الأمن الإقليمي؛ حيث تهدف الآلية إلى إنشاء فهم موحّد ودقيق لطبيعة التهديدات القائمة والمحتملة في البيئة الإقليمية المحيطة.
وأن هذا التقييم لا يقتصر على رصد المخاطر الآنية فحسب، بل يشمل أيضا تحليل اتجاهات التحول الأمني ومصادر عدم الاستقرار والتحديات الناشئة، وهذا يسمح للطرفين بتطوير رؤى إستراتيجية متقاربة تقوم على إدراك مشترك للواقع الأمني ومتغيراته.
أما المحور الثاني، فيتعلق بتطوير مواقف منسقة تجاه بؤر الأزمات الإقليمية، لا سيما تلك الموجودة في آسيا الوسطى ومحيطها الجغرافي المباشر.
ويعكس هذا المحور إدراكا متزايدا لأهمية التنسيق السياسي والأمني في التعامل مع الأزمات، سواء كانت أزمات داخلية في دول الجوار أو صراعات ذات أبعاد إقليمية ودولية.
ويهدف هذا التنسيق أيضا إلى تقليص التباينات في المواقف، وتعزيز القدرة على التأثير المشترك، وتفادي الفراغات التي قد تستغلها أطراف أخرى لفرض وقائع غير مرغوبة. وفق الكاتب إيرول.
أمّا البعد الثالث فيتمحور حول تعميق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وذلك بوصفه ركيزة أساسية لتعزيز القدرات الذاتية والاستقلالية الإستراتيجية للبلدين، يشمل ذلك تبادل الخبرات التقنية وتطوير مشاريع مشتركة ونقل التكنولوجيا.
وهو ما يسهم في تقليل الاعتماد على الخارج، ورفع مستوى الجاهزية الدفاعية، وتحقيق تكامل صناعي يخدم المصالح الأمنية والاقتصادية في آن واحد.
بينما المحور الرابع يركّز على إنتاج ردود فعل مشتركة في مواجهة الإرهاب والتطرف والتهديدات العابرة للحدود، وهي تهديدات تتسم بطابعها المعقّد والمتغيّر، ولا يمكن التعامل معها بفعالية عبر جهود أحادية.
من خلال هذا المحور، تسعى آلية 4+4 إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الإجراءات الأمنية، وتطوير مقاربات موحدة لمكافحة الشبكات الإرهابية والأنشطة غير المشروعة التي تتجاوز الحدود الوطنية.
بهذا المعنى، تمثل آلية 4+4 نقلة نوعية في طبيعة العلاقات الثنائية؛ إذ تنقلها من إطار التشاور التقليدي إلى مستوى التخطيط المشترك المنهجي، ومن منطق الاستجابة اللاحقة للأزمات إلى منطق الفعل الاستباقي القادر على توقع التحديات واحتوائها قبل تحولها إلى أزمات مفتوحة.
![]()
مرحلة جديدة
وشدد الكاتب على أنه “لا يمكن فصل البعد الأمني عن البعد الاقتصادي في هذه الشراكة الناشئة”.
وأوضح أن “الاتفاقيات الموقعة في 20 يناير 2026 ركزت بشكل واضح على قضايا النقل واللوجستيات والربط الجغرافي، وهو ما يعكس إدراكا مشتركا بأن الجيوبوليتيك المعاصر يُدار عبر الممرات وسلاسل التوريد بقدر ما يُدار عبر التحالفات العسكرية”.
في هذا الإطار، يحتل "الممر الأوسط" موقعا إستراتيجيا محوريا، بوصفه مسارا بديلا وآمنا للتجارة بين الصين وأوروبا، وأداة لدمج آسيا الوسطى في سلاسل التوريد العالمية. بالإضافة إلى أنه ركيزة لتعزيز فاعلية العبور عبر بحر قزوين.
وقال إيرول: إن هذا الممر يمنح العالم التركي صفة "العمود الفقري الجيوبوليتيكي"، ويحوّل التعاون التركي–الأوزبكي إلى عنصر فاعل في معادلة التوازن الأوراسي، بما يتجاوز المصالح الثنائية ليشمل الاستقرار الإقليمي الأوسع.
وأضاف أن "هذه الشراكة تأتي في وقت تنتهج فيه أوزبكستان سياسة خارجية أكثر فاعلية؛ حيث تمتد إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، وتسعى من خلالها إلى تنويع شراكاتها التجارية والسياسية".
واستطرد: “هنا تبرز أهمية تركيا بوصفها شريكا يمتلك خبرة تاريخية ومؤسسية عميقة في هذه الجغرافيا، وقادرا على تسهيل اندماج أوزبكستان في شبكات أوسع من التفاعل الإقليمي والدولي”.
بذلك، لا تقتصر آلية 4+4 على إدارة التحديات القائمة، يؤكد إيرول، بل تفتح المجال أمام توسيع الأفق الإستراتيجي للعلاقات الثنائية، وتحويلها إلى منصة إنتاج نفوذ واستقرار في محيط جغرافي متشابك.
ولفت إلى أن "يوم 20 يناير 2026 يمثل نقطة انعطاف حقيقية في العلاقات التركية–الأوزبكية".
وأوضح أنه "فمن خلال تفعيل آلية 4+4، أعلن البلدان بوضوح انتقالهما إلى مرحلة جديدة تقوم على بناء محور إستراتيجي مؤسسي متعدد الأبعاد واستباقي في مقاربته للأزمات."
وفي مرحلة بلغ فيها عدم اليقين الإقليمي والعالمي ذروته، تحمل هذه الآلية رسالة سياسية وأمنية واضحة؛ وهي بأن تركيا وأوزبكستان لا تكتفيان بالتكيف مع التحولات، بل تسعيان إلى إدارتها وصياغتها.
من هنا، يمكن فهم الرسالة الضمنية التي اختتمت هذا المسار، وهي "نحن مستعدون ليس فقط لمواجهة التحديات، بل لصناعة الاستقرار في قلب أوراسيا".















