ترامب يخطط لتحويل مونديال 2026 إلى مختبر أمني للقبة الذهبية.. ما القصة؟

"المونديال سيفتح شهية شركات السلاح والمراقبة للتنافس على عقود حكومية بمليارات الدولارات"
"قد يصبح مونديال 2026 في الولايات المتحدة أكبر مختبر عملي لمشروع القبة الذهبية الذي يطرحه دونالد ترامب، إلى جانب كونه واجهة لتسويق تقنيات مراقبة متقدمة، مثل التعرّف على الوجوه، بما يفتح شهية شركات السلاح والمراقبة للتنافس على عقود حكومية بمليارات الدولارات"
على هذا النحو تشير مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية إلى أن ملايين المشجّعين سيكونون حقل تجارب فعليا، مع تحوّل كأس العالم لكرة القدم 2026 إلى منصة ربحية لتجريب تقنيات الدفاع والمراقبة.
وفي تقرير لها، قالت المجلة: أن هذا الحدث الضخم ينتظر أن يجذب في صيف 2026 ملايين المشجعين من أنحاء العالم إلى الولايات المتحدة التي تستضيف كأس العالم للمرة الثانية في تاريخها.
وتعمل الولايات المتحدة على مدار الساعة لتعزيز الحماية والأمن، لا سيما من خلال أنظمة الدفاع الجوي المتطورة وتقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة، وذلك نظرا للخطر الذي قد تُشكّله المسيّرات غير المصرح بها أو الهجمات الإلكترونية على المباريات.
وعليه، تسارع شركات الصناعات الدفاعية إلى الترويج لتقنياتها، بل إن بعضها طرح هذه البطولة بوصفها فرصة لإطلاق مشروع "القبة الذهبية"، وهو نظام اعتراض صاروخي تقترحه إدارة ترامب، ويهدف إلى حماية كامل الأراضي الأميركية القارية من التهديدات الجوية.

استعدادات عسكرية
وقالت المجلة: إن "الاستعدادات لتنظيم كأس العالم هذا العام اتخذت طابعا عسكريا واضحا. فقد عقدت القيادة الشمالية للجيش الأميركي اجتماعات مع ممثلين عن 11 مدينة مستضيفة، بهدف تنسيق الترتيبات الأمنية واللوجستية الخاصة بالبطولة".
وكان التركيز على التقنيات العسكرية لافتا في هذه التحضيرات. ففي 12 يناير/كانون الثاني 2025، أنشأت وزارة الأمن الداخلي الأميركية مكتبا جديدا مخصصا لشراء ونشر تقنيات الطائرات المسيّرة ومكافحتها، استعدادا لكأس العالم.
كما أعلنت أخيرا عن استثمار بقيمة 115 مليون دولار في تقنيات مواجهة المسيّرات، لاستخدامها خلال البطولة وفعاليات الذكرى الـ 250 لاستقلال الولايات المتحدة.
من جهتها، خصصت الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA) نحو 250 مليون دولار لـ 11 ولاية مستضيفة لكأس العالم، إضافة إلى واشنطن العاصمة، وذلك عبر برنامج مِنَح جديد لمكافحة أنظمة الطائرات غير المأهولة، أُنشئ خصيصا لكأس العالم واحتفالات "أميركا 250".
وتشمل تقنيات مكافحة المسيّرات التي شهدت تطورا كبيرا خلال الحرب في أوكرانيا، برمجيات التتبع، وأسلحة الليزر، والموجات الدقيقة، بل وحتى رشاشات ذاتية التشغيل.
في المقابل، تعتمد بعض أساليب كشف المسيّرات المكثفة على تقنيات مراقبة قادرة على جمع بيانات شخصية، بما في ذلك صور للمدنيين.
ورغم أن القليل فقط من عقود الأمن المرتبطة بكأس العالم المقبلة كُشف عنه علنا، ولا تزال طبيعة القدرات المضادة للمسيّرات التي ستُنشر خلال المباريات غير واضحة، فإن من المرجح -وفق المجلة- أن تشمل شركات كبرى مهيمنة على هذا القطاع، مثل "أندوريل"، و"نورثروب غرومان"، و"لوكهيد مارتن"، و"أل 3 هاريس".
وتسعى الشركات الرائدة في صناعة الأسلحة إلى استغلال هذه الفرصة لتسويق تقنياتها في السوق المحلية. فعلى سبيل المثال، ستوفر شركة "بوز ألين هاميلتون" نظاما يتيح مشاركة البيانات التي تجمعها الطائرات المسيّرة لأغراض الاستخبارات والتنسيق، في عدد من الملاعب المستضيفة لكأس العالم.
بدورها، روّجت شركة "سكايديو"، التي استُخدمت تقنياتها المعتمدة على الطائرات المسيّرة في حربي أوكرانيا وغزة، لخدماتها الأمنية وخدمات إنفاذ القانون القائمة على المسيّرات، مؤكدة جاهزيتها لدعم "جميع مراحل الاستعداد لبطولة فيفا".
أما شركة "داتامينر"، فقد تفاخرَت على موقعها الإلكتروني بأن تقنيات المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تطورها، والتي استخدمتها إسرائيل في مراقبة الفلسطينيين في غزة، قادرة على المساهمة في تأمين الحدث.
وفي هذا السياق، يرى روبرتو غونزاليس، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة سان خوسيه الحكومية، ومؤلف كتاب "War Virtually" الذي يتناول كيف تُعيد التكنولوجيا والأتمتة تشكيل الحروب، أن حالة الاندفاع المحموم المرتبطة بكأس العالم قد تدر مكاسب كبيرة على الشركات العسكرية الناشئة.
وقال غونزاليس لمجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت": "لن أستغرب إطلاقا إذا انتهت بطولة كأس العالم هذا العام إلى تحقيق عوائد طويلة الأمد لشركات تقنيات المراقبة والدفاع الناشئة".
فرصة ذهبية
وبينما تفتح بطولة كأس العالم المقبلة الباب أمام توسيع استخدام تقنيات عسكرية جرى اختبارها سابقا، يرى بعضهم أن الحدث قد يُستغل لاختبار نسخة أولية من "القبة الذهبية"، في ظل التقاطع بين أهدافها المعلنة بحماية مساحات واسعة من التهديدات الجوية ومتطلبات الأمن المرتبطة بالبطولة.
فمثلا، كتب الرائد بيتر ميتشل في موقع "Breaking Defense" أن أنظمة مكافحة المسيّرات، إذا جرى التخطيط لها بشكل محكم عبر مدن كأس العالم المختلفة، يمكن أن تتحول إلى نواة لمنظومة أوسع للدفاع الجوي الداخلي، بما يسهّل إطلاق هذه الأنظمة بالتوازي مع مشروع "القبة الذهبية".
وفي السياق نفسه، درست "قوة المهام 401" التابعة للجيش الأميركي، والمسؤولة عن جهود مكافحة الطائرات المسيّرة وتنسيق أمن كأس العالم، إمكانية ربط عمليات تبادل البيانات الخاصة بها بمشروع "القبة الذهبية" المقترح، لتعزيز القدرة على مواجهة التهديدات الجوية في حال دخوله الخدمة.
وقال مدير القوة، العميد مات روس، خلال إحاطة إعلامية في ديسمبر/كانون الأول 2025: "يجب ربط منظومة مكافحة المسيّرات المتكاملة داخل الولايات المتحدة بالقبة الذهبية، وسنحرص على تحقيق ذلك".
من جانبه، رأى ويليام هارتونغ، الباحث البارز في "معهد كوينسي" الأميركي، أن كأس العالم قد يوفر لإدارة ترامب فرصة مثالية لتبرير مشروعها للدفاع الصاروخي، الذي قد تصل كلفته الإجمالية إلى تريليونات الدولارات.
وأضاف: "يمكن للإدارة أن تقول إنها تستخدم هذه التكنولوجيا لحماية حدث عالمي مهم، بعدّ ذلك خطوة أولى نحو بناء نظام دفاعي يحمي البلاد بأكملها".

مراقبة شاملة
ويحذّر خبراء من أن المخاطر الأوسع لا تكمن فقط في التقنيات التي تُنشر خلال بطولة كأس العالم، بل فيما سيبقى منها بعد انتهائها.
فأنظمة المراقبة وتقنيات مواجهة الطائرات المسيّرة التي تُقدَّم بوصفها إجراءات أمنية مؤقتة قد تتحول إلى أدوات دائمة، ما يطمس تدريجيا الحدود بين تقنيات الدفاع العسكري ومتطلبات الأمن اليومي. بحسب المجلة.
وفي هذا السياق، حذّر غونزاليس من أن توسّع برامج وزارة الأمن الداخلي الأميركية في مجال الطائرات المسيّرة ومكافحتها، سواء خلال كأس العالم أو بعده، ينطوي على خطر تطبيع استخدام تقنيات مراقبة ذات طابع عسكري تحت ذريعة السلامة العامة.
وقال: إن "البرامج الجديدة للطائرات المسيّرة ومضاداتها تهدد بتوسيع شبكة المراقبة التابعة للوزارة، وتؤدي إلى مزيد من تآكل خصوصية المواطنين العاديين".
وأضاف: "وبذريعة حماية الأميركيين، يبدو أن وزارة الأمن الداخلي تخطط لاستخدام أدوات مراقبة عالية التقنية تمس حقوقا دستورية للمواطنين الأميركيين".
وخلص إلى أن "الوزارة تستغل كأس العالم 2026 والذكرى الـ 250 لاستقلال الولايات المتحدة لبناء نظام مراقبة شامل على مستوى البلاد".
من جانبهم، يسعى متعاقدو الصناعات الدفاعية إلى الترويج لاستمرار استخدام خدماتهم في المجال العام. وفق المجلة.
فشركة "سكايديو"، على سبيل المثال، تؤكد على موقعها الإلكتروني أن أي من خدماتها الأمنية المستخدمة لدعم تأمين كأس العالم يمكن أن تظل مفيدة للعملاء "لفترة طويلة بعد انصراف الجماهير".
















