سرقة أراضٍ بـ"القانون".. ماذا تغير قرارات الكابينت الأخيرة في واقع الضفة؟

لا يخرج الموقف الدولي عن نطاق الإدانة ودعوة إسرائيل إلى التراجع عن خطواتها
منذ احتلالها الضفة الغربية عام 1967، أبقت إسرائيل على مجموعة من القوانين العثمانية والبريطانية والأردنية التي تنظّم ملكية الأراضي، من أهمها قانون أردني يعود إلى عام 1953 يجرّم بيع الأراضي لغير العرب.
لكن منذ 8 فبراير/شباط 2026، لم تعد حكومة الاحتلال الإسرائيلي تعترف بهذا القانون الذي كان يهدف إلى حماية المجتمع الفلسطيني من فقدان أراضيه لصالح المستوطنين، في خطوة تأتي ضمن سلسلة قوانين لتوسيع الاستيطان.

قرارات الكابينت
فقد أعلن وزيرا المالية بتسلئيل سموتريتش والجيش يسرائيل كاتس سلسلة قرارات صادق عليها المجلس الأمني المصغر (الكابينت) تهدف إلى تعميق السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية.
على رأس القرارات الجديدة يأتي إلغاء القانون الأردني الذي كان يحظر بيع الأراضي لغير العرب؛ إذ أشارت التقارير الإسرائيلية إلى أن الكابينت سمح للمستوطنين بشرائها كما يفعل نظراؤهم في “تل أبيب”.
فالنص الجديد يلغي أيضا شرط الحصول على "رخصة صفقة" ويحصر المتطلبات في شروط مهنية بسيطة.
صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية أوضحت أن الحظر على بيع الأراضي "لمن ليسوا عربا" كان يفرض على اليهود شراء الأراضي عبر شركات مسجَّلة، أما الآن فقد أزيلت هذه القيود.
ثانيا، الإفصاح عن سجلات الملكية؛ إذ قررت حكومة بنيامين نتنياهو نشرها للعامة بعد أن كانت خاضعة للسرية لعقود، مما يمكّن أي شخص من معرفة مالكي الأراضي والوصول إليهم.
هذا القرار يسهِّل على المستوطنين تحديد أصحاب الأراضي الفلسطينيين والضغط عليهم لبيعها وتهديدهم أو ابتزازهم أو ملاحقتهم من قبل عصابات السماسرة.
ثالثا، إحياء لجنة شراء الأراضي، وهي جهاز حكومي إسرائيلي متوقف منذ نحو عشرين سنة. وقد تقرّر استئناف عملها لتمكين سلطات الاحتلال من "شراء الأراضي بشكل استباقي" لضمان احتياطيات للتوسع الاستيطاني".
رابعا، توسيع نطاق إنفاذ القوانين إلى مناطق (أ) و(ب) التي يفترض أنها تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية بحسب اتفاق أوسلو للسلام 1993.
إذ منح الكابينت الجيش والإدارة المدنية صلاحيات تنفيذية في تلك المناطق، بحجة معالجة مخالفة القوانين البيئية وسرقة المياه وتخريب المواقع الأثرية.
موقع آي 24 نيوز أوضح أن هذه الخطوة تعني أن سلطات الاحتلال تستطيع هدم منازل فلسطينية ومصادرة أراضٍ في مناطق السلطة.
خامسا، نقل صلاحيات التخطيط ومنح التراخيص في الحي اليهودي بالخليل والحرم الإبراهيمي من بلدية هذه المدينة، التابعة للسلطة الفلسطينية، إلى مؤسسات إسرائيلية.
وفقا لتقرير يديعوت أحرونوت، فإن أي تغيير في البناء اليهودي كان يحتاج سابقا موافقة البلدية الفلسطينية والإدارة المدنية الإسرائيلية معا، أما الآن فيتم بموافقة جيش الاحتلال فقط، وهو قرار يعد فعليا خرقا لبروتوكول الخليل الموقع عام 1997.
وأخيرا، قرر الكابينت إقامة سلطة محلية في الحرم الإبراهيمي وقبر راحيل في بيت لحم، مما يخلق إدارة إسرائيلية منفصلة للمناطق المقدسة الواقعة ضمن حدود بلديات فلسطينية، ما يعني ضمّا فعليا لهذه المناطق.

ما الأهداف؟
رغم وصف حكومة الاحتلال الخطوات بأنها "تسهيل للإجراءات" و"تطبيع للحياة"، فإن التصريحات الرسمية وقراءات الباحثين تشير إلى أهداف أعمق.
تفاخر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بأنّ هذه الإجراءات تنهي عصر ما أسماه "القوانين الأردنية العنصرية". مؤكدا أن هذه التطورات “تدفن فكرة الدولة الفلسطينية”. موضحاً أن المستوطنين لن يكونوا بعد اليوم مواطنين من الدرجة الثانية، وأن الحكومة "تعمق قبضتنا على كل أنحاء أرض إسرائيل". وفق تعبيره.
فيما قال وزير الجيش يسرائيل كاتس: إن القرارات "تعبر عن سياسة واضحة – تعزيز قبضة إسرائيل على الضفة الغربية، وتعزيز الاستيطان، وضمان مستقبلنا".
وبالنظر إلى الخطط الحكومية طويلة المدى، فإن الخطوات الحالية تشكل جزءا من سياسة الضم الزاحف. ففي أوائل عام 2026، رصدت مؤسسة السلام الآن الإسرائيلية أن حكومة نتنياهو تحاول إضعاف السلطة الفلسطينية وتهيئة الأجواء لضم المناطق المصنفة (أ) و(ب).
تقرير لـ FMEP (مؤسسة السلام للشرق الأوسط) حول مشاريع القوانين في الكنيست (البرلمان) ذكر أن مشروع إنشاء "هيئة تراث يهودا والسامرة" يسمح بشراء الأراضي ومصادرتها بدعوى الحفاظ على الآثار؛ وإذا تم تمريره سيُدخل القانون الإسرائيلي على الأراضي، وهو خطوة نحو الضم.
وهذا يتماشى مع القرارات الحالية التي توسّع صلاحيات ما تسمى الإدارة المدنية الإسرائيلية وتُخضع المزيد من الأراضي للقانون الإسرائيلي.
وخلال الأعوام الأخيرة، شرعت حكومة الاحتلال في تقنين بؤر استيطانية غير قانونية، وإضفاء الشرعية على أكثر من خمسين ألف وحدة استيطانية. كما تعمل على إنشاء وحدات إدارية مستقلة للمستوطنين، مثل مجلس إدارة المنطقة C، وإعطاء سموتريتش سلطات غير مسبوقة في الإدارة المدنية.
صحيفة يديعوت أحرونوت أشارت إلى أن الوزراء يطمحون لتطبيق هذه الإجراءات قبيل الانتخابات العامة (3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026) لإرضاء القاعدة الاستيطانية المتطرفة التي تمثل جزءا أساسيا من الائتلاف.
بدورها، رحبت منظمة "ريغافيم" الاستيطانية بالقرارات الأخيرة، وعدتها رسالة واضحة بأن "الصهيونية تُقاس بالأفعال وليس بالتصريحات".
وقالت المنظمة: إن الإجراءات تتيح للمستوطنين “تطوير مناطق جديدة” ودعت إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة لإحكام السيطرة، ما يعكس الدعم اليميني المتشدد في إسرائيل لهذه السياسات.
في المقابل، عدّ مجلس يشع (مجلس المستوطنات) القرار يوما تاريخيا للاستيطان، مبينا أنه أهم قرار منذ 60 عاماً. وفق تعبيره.
واحتفت الصحافة الإسرائيلية اليمينية بالقرارات، فقد قالت قناة "كان" الرسمية: إن الكابينت "ألغى القانون الأردني الظالم"، وأن المستوطنين سيتمكنون من شراء الأراضي كما يفعلون في المدن داخل إسرائيل، وفق تعبيرها.
ووصفت صحيفة يديعوت أحرونوت القرارات بأنها تغييرات عميقة في أنظمة التسجيل العقاري “تمنح الدولة القدرة على هدم المباني الفلسطينية في مناطق (أ)”، مبينة أن هذه الخطوات تمثل "تحللاً" من اتفاق الخليل.

غياب المحاسبة
وفي مقابل الاحتفاء الإسرائيلي بهذه القرارات، تعدّ هذه الإجراءات كارثية بالنسبة للفلسطينيين؛ إذ إن السماح للمستوطنين بشراء أراضٍ فلسطينية يعني أن الأراضي الخاصة المعرضة للسرقة أو للمضايقات القانونية باتت أكثر عرضة للبيع القسري. وفق صحيفة يديعوت أحرونوت.
فتح سجل الملكية يسهل تحديد هوية المالكين، مما يعرضهم للضغوط، والعنف، والتهديد لبيع أراضيهم. كما أن نقل صلاحيات التخطيط إلى سلطات الاحتلال سيجعل المستوطنين يتحكمون بكل ما يتعلق بالبناء في الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي.
وهذا بدوره سيؤدي إلى زيادة المصادقة على مشاريع التوسع الاستيطاني، ورفض طلبات البناء الفلسطينية، ما يعرّض الفلسطينيين لمزيد من هدم المنازل.
كما أن التوسع في مناطق (أ) و(ب) يتيح لجيش الاحتلال التهام المزيد من الأراضي الفلسطينية وطرد السكان بحجج حماية المواقع البيئية والأثرية. وفق وكالة وفا الفلسطينية الرسمية.
إضافة إلى ذلك، فإن إحياء لجنة شراء الأراضي يفتح الباب لتدخّل إسرائيل المباشر في شراء أراضٍ فلسطينية، ما سيزيد من الاستيلاء عليها ويمس بقدرة الفلسطينيين على الحفاظ عليها.
وأيضا، فإن إقامة سلطات بلدية إسرائيلية داخل أراضٍ فلسطينية، من شأنه تعزيز الوجود الإداري الإسرائيلي وفصل هذه المناطق عن المؤسسات الفلسطينية.
وأشارت صحيفة هآرتس إلى أن توسيع سلطات الإنفاذ إلى مناطق (أ) و(ب) يشكل تحديا لاتفاقيات أوسلو، ويتيح لإسرائيل ملاحقة الفلسطينيين في مناطق يفترض أنها تحت إدارة السلطة الفلسطينية.
وقالت وزارة الخارجية الفلسطينية: إن القرارات الإسرائيلية بمثابة ضم فعلي للأراضي الفلسطينية، ضمن “المحاولات الإسرائيلية المستميتة لفرض أمر واقع؛ من خلال الاستيطان الاستعماري وتغيير الواقع القانوني ومكانة الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس”.
وأمام تعاظم الاستيطان، لا يخرج الموقف الدولي عن نطاق الإدانة ودعوة إسرائيل إلى التراجع عن خطواتها دون أي تفعيل لآليات محاسبة أو فرض عقوبات.
ويقول محمد عماد، مدير الشؤون القانونية والسياسات في منظمة سكاي لاين الدولية لحقوق الإنسان: إن “الموقف الدولي مما يحدث بالضفة الغربية من تسارع في وتيرة الاستيطان ليس جديدا”.
وألمح في حديثه مع "الاستقلال" إلى أنه لم يعد يُرتجى أي موقف من المجتمع الدولي بعد صمته المهين تجاه ما حل بقطاع غزة من جرائم إسرائيلية على مدار سنتين.
وتابع أنه لا يُنتظر موقف “ممن لا يعمل على تطبيق قواعد القانون الدولي التي تنص على حماية حقوق الإنسان، ولا يردع آلة القتل الإسرائيلية، ولا يفعل آليات الحماية الدولية الجنائية التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية لاهاي وجنيف وغيرها من قواعد القانون الدولي”.
وأشار المختص القانوني إلى أنه بعد الحرب على غزة “أدركنا تماما أن المجتمع الدولي اتخذ قرارا بالاصطفاف إلى جانب إسرائيل ولو ضمنياً، وتمثل ذلك في صمته أمام المجازر الشنيعة في القطاع وما يجرى بالضفة اليوم”.
وواصل القول: “كان تبرير إسرائيل أن ما يحدث في غزة بسبب المقاومة، لكن في الضفة لا يوجد أي حراك يذكر، ومع ذلك فهي مستمرة في عنجهيتها وغطرستها وانتهاك قواعد القانون الدولي دون محاسبة، لذلك هي ليست بحاجة إلى مبرر”.
وتابع عماد: “أصبح واضحا أن المجتمع الدولي لا يريد اتخاذ أي إجراءات قانونية حقيقية، وأصبح مسيسا ومصطفا باتجاه الرواية الأميركية، باستثناء إسبانيا ودول أميركا اللاتينية وغيرها”.
وأكد أن “منظومة الحماية الدولية مجرد حبر على ورق، فهي لا تملك أي آلية تفعيل أو حماية أو مساءلة. المجتمع الدولي يغض الطرف عما يجري في الأراضي الفلسطينية ويشارك إسرائيل بصمته غير المبرر تجاه انتهاكاتها وجرائمها”.
المصادر
- Security cabinet okays deepened Israeli control of West Bank; Hamas urges ‘escalation’
- הקבינט המדיני-ביטחוני אישר שורת החלטות שנועדו להעמיק את הסיפוח ביו"ש
- רגע לפני טיסת נתניהו: הקבינט אישר שורת החלטות דרמטיות להעמקת הסיפוח ביו"ש
- Israel to Expand Law Enforcement in Palestinian-controlled West Bank Areas, Defying Oslo Accords
- Settlement & Annexation Report: February 6, 2026
- Security Cabinet approves measures expanding Israeli control in West Bank














