ميرتس في الخليج.. قراءة في أهداف زيارة السعودية وقطر والإمارات

ميرتس وعد السعودية والإمارات وقطر بتعاون أقوى في مجال الأسلحة
بعد جولاته الأولى إلى الحلفاء في أوروبا وأميركا الشمالية، يسعى المستشار الألماني فريدريش ميرتس الآن إلى تعزيز العلاقات مع دول هامة خارج الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي “ناتو”.
في هذا السياق، شارك ميرتس في قمم بإفريقيا وأميركا اللاتينية، كما زار الهند، وأخيرا أجرى أول جولة خليجية له مطلع فبراير/ شباط 2026.
وبحسب موقع “دويتش فيله”، يسعى ميرتس إلى الارتقاء بالعلاقات مع السعودية وقطر والإمارات إلى مستوى جديد، مع التركيز على ملفات الطاقة والأمن والاقتصاد".
ويرى الموقع أن "هذا التوجه يعكس حاجة ألمانيا إلى إعادة التموضع في ظل نظام عالمي جديد تلعب فيه سياسات القوى الكبرى دورا متزايدا".
وأردف: "الهدف هو تقليل الاعتماد على القوى العظمى مثل الصين والولايات المتحدة".
وقبيل زيارته للدول الثلاث صرح ميرتس: "سنتمكن من الحفاظ على حريتنا وأمننا وازدهارنا بشكل أفضل إذا كانت لدينا مثل هذه الشراكات".
ولفت الموقع إلى أنه "رغم اعتقاد المستشار الألماني أن هذه الدول قد لا تشارك ألمانيا جميع القيم والمصالح"، لكنها تتفق -بحسب ميرتس- على "الحاجة إلى نظام يقوم على الثقة في الاتفاقات والاحترام المتبادل".

حاجة ماسة
واستُقبل ميرتس في الرياض بتكريم عسكري في قصر اليمامة، المقر الرسمي للملك، وكان مضيفه هو ولي العهد الذي "سبق أن عُزل عن الغرب". وفق تعبير الموقع.
وتابع: "فبعد مقتل الصحفي والناقد السعودي جمال خاشقجي في 2018 في القنصلية السعودية بإسطنبول، اتهمت أجهزة الاستخبارات الأميركية ولي العهد بالمسؤولية عن الجريمة، وهو ما ينفيه ابن سلمان، مؤكدا أنه لم يكن العقل المدبر".
وأردف: "اليوم يبدو أن هذه القضية لم تعد تُلقي بظلالها الثقيلة على اللقاءات الرسمية للأمير".
واستدل على ذلك قائلا: "في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، دافع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عنه خلال زيارة إلى البيت الأبيض قائلا: إن ولي العهد "لم يكن يعلم شيئا عن الجريمة"، وهو ما يتعارض مع تقييمات الاستخبارات الأميركية".
في غضون ذلك، أفاد الموقع بأن ولي العهد محمد ابن سلمان "قاد في السنوات الأخيرة مسارا إصلاحيا معتدلا داخل السعودية، فقد سُمح للنساء بقيادة السيارات، وأُلغي إلزام ارتداء الحجاب".
"كما يسعى عبر استضافة فعاليات رياضية مثل كأس العالم لكرة القدم 2034، وتنظيم أنشطة ثقافية، والاستثمار في السياحة، إلى تحسين صورة بلاده التي ما زالت تُدار كملكية مطلقة تُطبق فيها الشريعة الإسلامية". على حد وصفه.
وخلال لقائه مع ولي العهد السعودي، شدد ميرتس على رغبته في رفع مستوى العلاقات مع الدولة الخليجية الغنية بالنفط إلى "مستوى جديد".
وبحسب الموقع، "فقد أكدت مصادر من الوفد أن المحادثات التي استمرّت ساعتين ونصف الساعة قبل وأثناء العشاء في قصر الملك بالرياض كانت (ودية وصريحة)".
وعزا الموقع ذلك إلى "تعويل ميرتس على مزيد من التعاون مع السعودية لتوسيع شبكة علاقات ألمانيا الدولية".
ووفقا له، "تركزت المباحثات بشكل أساسي على توسيع العلاقات الاقتصادية، وشملت ملفات الطاقة والبيئة والدفاع والتكنولوجيا والطب والبنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، كما ناقش الطرفان الوضع في إيران وسوريا والحرب في السودان".
في الجانب الاقتصادي، أوضح الموقع أن ميرتس "يرغب في تطوير علاقات جيدة مع دول الخليج الغنية بالنفط والغاز لتنويع سلاسل الإمداد، وهو ما أكده أيضا رئيس شركة الطاقة الألمانية يونيبر، مايكل لويس، المرافق للمستشار.
قائلا: "تسعى يونيبر لبناء وتعميق شراكات الطاقة. خيارات الغاز الطبيعي المسال الإضافية يمكن أن تساعد في تنويع إمدادات الطاقة لأوروبا وتشغيل محطات الغاز القابلة للهيدروجين بشكل موثوق بدءا من 2030".
في هذا الإطار، ووقعت وزيرة الاقتصاد الألمانية كاترينا رايشه ونظيرها السعودي عبد العزيز بن سلمان في الرياض إعلان نوايا لتعزيز التعاون في الصناعة والطاقة والابتكار.
وإلى جانب ذلك، جرى توقيع عشرة إعلانات نوايا للتعاون بين شركات ألمانية وسعودية.
وقالت الوزيرة رايشه المنتمية إلى حزب المستشار فريدريش ميرتس، المسيحي الديمقراطي: "تغطي هذه الاتفاقيات مجالات مستقبلية محورية للغاية"، موضحة أنها تشمل الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والهيدروجين، وسلاسل القيمة الصناعية، والابتكار.
في شأن آخر، توقع الموقع أن "تعود صادرات الأسلحة، التي توقفت مؤقتا بسبب مشاركة السعودية في الحرب على اليمن، إلى حالة طبيعية إلى حد كبير".
وأردف: "المملكة التي تُدار بأسلوب سلطوي مهتمة حاليا، من بين أمور أخرى، بطائرة النقل العسكري A400M".
واستطرد: "رغم بعض الإصلاحات، تبقى صفقات السلاح مع السعودية مثار جدل واسع؛ إذ ما زالت المملكة تُنتقد بسبب انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان".
في هذا الصدد، ذكر الموقع أن ميرتس أكط قبل مغادرته أنه سيتطرق إلى هذه القضية قائلا: "إننا لا نضع دول الخليج تحت الشبهة العامة. حيثما نرى مشكلات، نعالجه عبر الحوار ونتناول القضايا بصراحة".
وأشار ميرتس أيضا قبل مغادرته برلين إلى الفرص الاقتصادية الكبيرة في دول الخليج، موضحا أن "الأمر لا يقتصر على عقود للشركات الألمانية، بل يشمل أيضا إمكانية زيادة استثمارات الصناديق السيادية السعودية في ألمانيا". وأضاف: "هنا يمكن تحقيق المزيد".
وشدد ميرتس على أن الشركات الألمانية تنفذ بنجاح مشاريع بنية تحتية في أنحاء المملكة.
وقال: "شركاتنا تحقق نجاحا كبيرا في مشاريع البنية التحتية، سيمنس على سبيل المثال تساعد في بناء مترو الرياض الجديد."
كما أكد المستشار الألماني على أن "محادثات الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاقية تجارة حرة مع دول الخليج يجب أن تستعيد زخمها".

تعاون أوثق
وعقب زيارته للسعودية، انتقل المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى قطر في إطار جولته الخليجية.
وقال خلال منتدى اقتصادي في الدوحة: "تشمل الصادرات الألمانية إلى قطر بشكل أساسي الآلات والمنتجات الكيميائية، لكننا نسعى إلى المزيد ونبحث عن تعاون أوثق مع اقتصادكم وشركاتكم هنا"، وذلك بحضور رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.
وأضاف أنه "في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، والاضطرابات الجيوسياسية، والتغيرات التكنولوجية، تعتمد ألمانيا وقطر بشكل واعٍ على الحوار والتنويع والاستثمار في المستقبل".
بدوره ثمّن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني نتائج التعاون الإستراتيجي المثمر بين دولة قطر و ألمانيا.
وقال في تغريدة على منصة إكس: "نثمن في قطر نتائج تعاوننا الإستراتيجي المثمر مع الأصدقاء في ألمانيا، ونتطلع لتعزيزه المستمر ورفده بمجالات جديدة واعدة، وهذا بعض ما شملته المباحثات الموسعة اليوم مع المستشار فريدريش ميرتس، وأرحب به في الدوحة".
ويوضح الخبير المصري في شؤون الطاقة أحمد قنديل سبب أهمية الإمارة بالنسبة لألمانيا قائلا: “قطر هي أكبر مصدّر عالمي للغاز الطبيعي المسال، وألمانيا تريد تنويع وارداتها لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة وروسيا.”
إلا أن قنديل لفت "لوجود خلافات بشأن مدة عقود التوريد، فالحكومة الألمانية ترى استخدام الغاز لإنتاج الكهرباء حل مؤقت، وبالتالي لا ترغب في الالتزامات طويلة الأجل".
وتابع: "بينما تعتمد قطر على العقود طويلة الأجل؛ إذ تتطلب مشاريع إنتاج الغاز ونقله استثمارات ضخمة، وتسعى لضمان عائد الاستثمار من خلال هذه العقود الطويلة".
وأردف: "الأوروبيون، خاصة الألمان، يفضلون عقودا قصيرة الأجل".
بيئة جيدة
وقال المستشار الألماني خلال زيارته إلى أبوظبي، المحطة الثالثة في رحلته إلى المنطقة: "تحظى ألمانيا هنا بتقدير عال، أيضا؛ لأنها بيئة جيدة للاستثمار".
وأوضح أن هذا يظهر بوضوح في الأرقام، مشيرا إلى "الارتفاع الكبير في أعداد الاستثمارات، وكذلك تزايد حجم العقود في العديد من الشركات".
مضيفا أن "هذه التطورات تشجعه على المضي قدما في إصلاحات تخص شروط الاستثمار وفرص العمل في ألمانيا".
في إطار تعزيز التعاون بين بروكسل وأبوظبي، "شدد ميرتس على أن برلين يُنتظر منها أن تضطلع بدور قيادي داخل الاتحاد الأوروبي، مؤكدا أنه أبلغ شركاءه خلال المحادثات أنه يريد الوفاء بهذه التوقعات بالتعاون مع دول الاتحاد".
وأردف المستشار: "ما يبحث عنه العالم اليوم في ظل حالة عدم اليقين الكبيرة هو الاعتماد والاستمرارية حتى في العلاقات الثنائية".
وأكد: "يمكننا تقديم ذلك، نحن دولة موثوقة ومستعدة للتعاون بشكل أوسع في السياسة الاقتصادية الخارجية، بما في ذلك إمكانية عقد اتفاقية تجارية مع الإمارات العربية المتحدة".
وخلال زيارته لأبوظبي، أبرمت شركة الطاقة الألمانية "آر دبليو إي" اتفاقا مع شركة النفط الوطنية الإماراتية "أدنوك" لتوريد الغاز الطبيعي المسال (LNG)، وتنص الاتفاقية على إمكانية توريد ما يصل إلى مليون طن سنويا لمدة تصل إلى عشر سنوات".
يُذكر أن ميرتس كان قد صرح في الدوحة أن الكمية الحالية التي تستوردها ألمانيا من قطر، وتبلغ مليوني طن سنويا، ينبغي زيادتها.
وفي أبوظبي زار ميرتس أحد مواقع شركة أدنوك، ووصف ما شاهده بأنه "إشارات مشجعة" للاقتصاد الألماني. مشيرا إلى أن التعاون لا يقتصر على الطاقة بل يشمل أيضا عقودا للشركات الألمانية واستثمارات من دول الخليج في ألمانيا.

أوقفوا تجارة السلاح
من ناحية أخرى، أشار موقع "تاز" الألماني إلى أن مجموعة من منظمات السلام والجمعيات الخيرية والكنسية "انتقدت التعاون العسكري الذي أعلن عنه ميرتس خلال زيارته للسعودية وقطر والإمارات".
وقال يورغن غراسلين، المتحدث باسم حملة "أوقفوا تجارة السلاح": إن تسهيل صادرات الأسلحة إلى هذه الدول يعد "خطأ جسيما". مشيرا إلى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والنزاعات المسلحة مع الدول المجاورة وانتشار الأسلحة في مناطق صراع أخرى.
وأضاف فينتشنزو بيتراكا، عضو خدمة مجموعة العمل من أجل السلام (AGDF) ، أن “الإشارة التي تصدر عن هذه الزيارة خاطئة، فهي لا تدل على اتجاه نحو السلام والاستقرار والأمن، بل نحو التصعيد العسكري والتغاضي عن انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.”.
وبحسب التقرير، فقد "أكد بيتراكا على أن الوضع العالمي المتجه نحو المواجهة يستدعي سياسة أكثر تقييدا في تصدير الأسلحة".
في هذا السياق، أشار ميرتس إلى أن ألمانيا قد وعدت شركائها في الخليج بتعاون أقوى في مجال الأسلحة، قائلا: "هذا يصب في المصلحة المشتركة، فنحن نسعى لجعل العالم أكثر أمانا، ولن يصبح أكثر أمانا إلا إذا دافعنا عن أنفسنا".
وأضاف أن وجود "شركاء تعاون موثوقين مثل قطر والسعودية يتيح إمكانية الاعتماد على تعاون عسكري أوسع، مع التأكيد على أن كل صفقة تخضع للتقييم الفردي، وأنه تم بالفعل في الصيف الماضي تسهيل طريق تصدير المزيد من طائرات يوروفايتر إلى السعودية". وفق الموقع.
















