"عودة بعد قمع"... هل تحسم الجماعة الإسلامية انتخابات بنغلاديش؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

من المقرر أن تشهد بنغلاديش انتخابات عامة في 12 فبراير/شباط 2026، هي الأولى بعد احتجاجات الطلبة التي أطاحت برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة، عام 2024.

وتأتي هذه الانتخابات في مشهد سياسي يتسم بالاستقطاب الحاد؛ حيث يتصدر “الحزب الوطني البنغلاديشي” المشهد من جهة، بينما يقف في الجهة الأخرى تحالف يضم حزب "الجماعة الإسلامية" و"حزب المواطنين الوطني".

وفي هذا السياق، سلط موقع "المراقب" الصيني الضوء على الجماعة الإسلامية التي سبق أن حُظرت بسبب دعمها لباكستان خلال حرب الاستقلال عام 1971، ثم تعرضت لعملية إقصاء ممنهجة استمرت 15 عاما في عهد حسينة.

ووفقا له، "تعود الجماعة اليوم إلى الساحة السياسية بفضل شبكتها التنظيمية القوية على مستوى القواعد الشعبية والطلاب، ما مكّنها من استعادة قدرتها على الحشد بسرعة".

وفي بلد يحتل المرتبة الثامنة عالميا من حيث عدد السكان، والرابعة من حيث عدد المسلمين، فإن نتائج هذه الانتخابات قد تؤدي إلى "تحولات دقيقة في السياسة الخارجية لبنغلاديش".

تحول جذري

واستهل الموقع تقريره مشيرا إلى الشعبية التي تحظى بها الجماعة قائلا: "عبد الرزاق، البالغ من العمر 45 عاما، موظف بنك في منطقة فاريدبور (مقاطعة رئيسة تقع جنوب وسط بنغلاديش ضمن إقليم دكا)، يرى لأول مرة في حياته أن الحزب الذي يؤيده قد يصل إلى السلطة فعلا كزعيم للائتلاف الحاكم".

وبحسب الموقع، "يشارك عبد الرزاق في الحملة الانتخابية للجماعة في مسقط رأسه، ويقول: إن الناخبين الذين تواصل معهم أكدوا بالإجماع أنهم سيصوتون لها".

ومع قيام الحكومة الانتقالية بقيادة محمد يونس، مؤسس "بنك الفقراء" والحائز على جائزة نوبل للسلام، بحظر حزب الشيخة حسينة، حزب رابطة عوامي، أصبحت الانتخابات المقبلة مضمار مواجهة ثنائية حادة.

ويتنافس "الحزب الوطني" الذي يتصدر نسب التأييد، في مواجهة التحالف الانتخابي الذي يضم الجماعة الإسلامية و"حزب المواطنين الوطني" الذي أسسه قادة طلاب شاركوا في احتجاجات 2024.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أظهر استطلاع أجراه "المعهد الجمهوري الدولي" أن نسبة تأييد الحزب الوطني بلغت 33 بالمئة، بينما حصلت الجماعة الإسلامية على 29 بالمئة.

وفي يناير/ كانون الثاني 2026، نشرت مجموعة من المؤسسات البحثية المرموقة داخل بنغلاديش، بينها شركة ناراتيف، ومؤسسة بروجكشن بي دي، والمعهد الدولي للقانون والدبلوماسية، ومؤسسة جاغورون، نتائج استطلاع مشترك أظهر تقدما طفيفا للحزب الوطني بنسبة 34.7 بالمئة مقابل 33.6 بالمئة للجماعة الإسلامية.

وبحسب التقرير، "فإنه إذا تمكن التحالف الذي تقوده الجماعة الإسلامية من الفوز، فسيكون ذلك تحولا دراماتيكيا في مسيرة الحزب".

وعزا ذلك قائلا: "ففي عهد حسينة الذي امتد 15 عاما، تعرضت الجماعة الإسلامية لقمع شديد وحظر كامل، حيث أُعدم أو سُجن قادتها البارزون، فيما اختفى آلاف من أعضائها أو قتلوا أثناء الاحتجاز".

عودة بعد قمع

وتناول التقرير الصيني تاريخ الجماعة الإسلامية في بنغلاديش مختصرا تجربتها بجملة "عودة بعد قمع".

وقال عبد الرازق: "الظروف تغيرت، وبات الناس يتعاطفون مع ما تعرضت له الجماعة ويثقون في نزاهتها، وهو ما يدفعهم إلى التصويت لصالحها".

فيما قال نائب رئيس الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، سيد عبد الله محمد طاهر: إن "الشعب فقد ثقته في الحزبين التقليديين، رابطة عوامي والحزب الوطني، بعد 55 عاما من تداول السلطة بينهما، وهو يتطلع إلى قوة سياسية جديدة قادرة على إدارة البلاد".

وعلق الموقع: “في هذا السياق، وفي ظل الفراغ السياسي الذي خلفه حظر رابطة عوامي؛ تحركت الجماعة بسرعة لتضع نفسها في موقع المنافس الرئيس للحزب الوطني”.

وتابع: "وقد عززت الانتخابات الطلابية الأخيرة هذا الزخم، حيث حقق تنظيمها الطلابي، الاتحاد الطلابي الإسلامي (إسلامي شاترا شبير)، فوزا في عدد من الجامعات الكبرى".

وتعكس هذه الأرقام قدرة الحزب على الحشد والتنظيم، فبحسب طاهر يقدر عدد أنصار الجماعة بنحو 20 مليون شخص، بينهم ربع مليون عضو من الرجال والنساء مسجلين رسميا يعرفون باسم (ركن).

ولفت الموقع إلى أن "الأحزاب الناشئة، مثل حزب المواطنين الوطني، تسعى إلى الاستفادة من شعبية الجماعة في الانتخابات المقبلة".

وأضاف طاهر أن “انتشار الجماعة على مستوى البلاد يفسر قدرتها على الصمود رغم عقود من التهميش”، مؤكدا أن "الاهتمام الشعبي بها يتزايد يوما بعد يوم".

وقال: "إذا استمر هذا الاتجاه، فنحن واثقون من قدرتنا على الفوز بأغلبية المقاعد".

قوة معتدلة 

مع ذلك، تبرز تحديات تواجه الجماعة الإسلامية في طريقها إلى السلطة، فبحسب التقرير، "أثار صعود الجماعة نقاشا واسعا حول ما إذا كانت بنغلاديش مستعدة لحكم تقوده قوة ذات توجه إسلامي".

ووفقا له، "أعرب بعض المراقبين عن قلقهم من أن يسعى الحزب، في حال وصوله لمقاعد الحكم، إلى تطبيق الشريعة، أو إلى فرض قيود على حقوق النساء وحرياتهن".

واستدرك: "غير أن قيادات الحزب نفت هذه المخاوف، مؤكدة أنها ستدير شؤون البلاد وفقا للدستور العلماني، وستلتزم بأجندة إصلاحية واضحة".

وفي هذا الإطار، قال نائب رئيس الجماعة طاهر: "عندما نتولى الحكم، سنلتزم بتنفيذ الإصلاحات التي جرى التوافق عليها، وكل المجالات التي تتطلب سن قوانين جديدة، مثل ضمان الحكم الرشيد ومكافحة الفساد، سنخضعها للدراسة والتقييم قبل إقرارها".

كما رفض طاهر تصنيف الجماعة بوصفها "تيارا محافظا"، مؤكدا أنها تمثل "قوة إسلامية معتدلة" تسعى إلى إدارة الدولة عبر إصلاحات دستورية، لا من خلال فرض أيديولوجيا بعينها بالقوة.

وأشار أيضا إلى أن "تحالف الحزب مع حزب المواطنين الوطني الذي أسسه قادة احتجاجات الطلاب عام 2024، ومع الحزب الديمقراطي الليبرالي بقيادة بطل حرب 1971 أُولي أحمد، يهدف إلى الجمع بين روح عام 1971" وروح حركة 2024، في تعبير عن انتقال بين الأجيال، لا عن تبني نهج أيديولوجي متشدد".

وفي تأكيد عن نهجها المعتدل، لفت التقرير إلى أن الجماعة الإسلامية "تعمل على توسيع قاعدتها خارج الإطار التقليدي للناخبين المسلمين".

فقد رشحت، للمرة الأولى في تاريخها، مرشحا من الطائفة الهندوسية، هو كريشنا ناندي من مدينة خولنا، كما جعلت الدفاع عن حقوق الأقليات أحد محاور حملتها الانتخابية.

الأمر الذي عده الموقع "محاولة لاستقطاب الناخبين غير المسلمين الذين يشكلون نحو 10 بالمئة من سكان البلاد، وغالبيتهم من الهندوس".

من جانبه، قال المحلل الجيوسياسي في جامعة ولاية جورجيا الأميركية، آصف بن علي: "هناك جزء من الناخبين ببنغلاديش باتوا أكثر تدينا مما كانوا عليه في السابق، إلا أنهم لا يزالون يتبنون مقاربة براغماتية في السياسة، ويفضلون السياسيين المحترفين على رجال الدين في إدارة الشأن العام".

وأضاف ابن علي أن "هناك شريحة لا يستهان بها من المجتمع تميل تدريجيا نحو الأيديولوجية السياسية الإسلامية، لكن ذلك لا يعني أن الشعب البنغلاديشي مستعد لتسليم البلاد لقيادة إسلامية محافظة".

وتابع: "لا تزال قوى الوسط ويسار الوسط تحتل موقعا مهما، وستقاوم أي محاولة لإعادة تشكيل الدولة وفقا لرؤية إسلامية صارمة".

بدوره، قال توماس كين، كبير مستشاري شؤون بنغلاديش وميانمار في مجموعة الأزمات الدولية: إن "مفتاح اختراق الجماعة الإسلامية للمشهد السياسي لا يكمن في استثمار هويتها الدينية لكسب الأصوات، بل في بناء صورة حزب أكثر نزاهة وانضباطا، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للناخبين المحبطين من الحزب الوطني وحزب رابطة عوامي".

وأضاف: "من الواضح أن الجماعة الإسلامية مرشحة لتحقيق أفضل نتائجها في الانتخابات المقبلة، لكنني أشك في قدرتها على الفوز، إذ لم تحصل في تاريخها على أكثر من 20 مقعدا، ولم تتجاوز نسبة أصواتها 12 بالمئة".

اختبار حاسم

في ضوء هذه المعطيات، قدر التقرير أن "الانتخابات المقبلة، وما ستسفر عنه مشاركة الجماعة الإسلامية؛ تجعل هذا الاستحقاق بمثابة اختبار حاسم لمستقبل العلاقات بين بنغلاديش ودول الجوار، خاصة الهند وباكستان".

ويرى كين أن "سقوط حكومة حسينة، وتدهور العلاقات بين دكا ونيودلهي، يجعلان من مهمة أي حكومة تقودها الجماعة الإسلامية في إصلاح العلاقات مع الهند مهمة أكثر تعقيدا مقارنة بحكومة يقودها الحزب الوطني".

وأضاف: "تأمل الهند أن تسهم هذه الانتخابات في إعادة إطلاق العلاقات الثنائية، غير أن وصول الجماعة الإسلامية إلى الحكم سيجعل هذا المسار أكثر صعوبة مما لو تولى الحزب الوطني السلطة".

فبحسب رأيه، "فإن البيئة السياسية الداخلية في البلدين تعرقل التعاون بين الجماعة الإسلامية وحزب بهاراتيا جاناتا، وهو الحزب الذي يقوده رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ويتبنى توجها قائما على هيمنة الأغلبية الهندوسية".

كما أشار كين إلى أن "قضايا الهجرة، وأمن الحدود، وتقاسم المياه، ستظل مصادر توتر مستمرة بين البلدين، بغض النظر عن الحزب الحاكم في دكا".

في المقابل، أشار الموقع إلى أنه "منذ الإطاحة بحسينة في أغسطس/آب 2024، بدأت بنغلاديش خطوات لإعادة ترميم علاقاتها مع باكستان، شملت استئناف الاتصالات الدبلوماسية، وبحث توسيع مجالات التجارة والربط البري والجوي، واستئناف الزيارات المتبادلة لكبار المسؤولين بعد سنوات من الفتور".

من جانبه، رأى أستاذ الدراسات في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن، البروفيسور خان، أن "نتيجة الانتخابات ستتحدد بناء على البرامج والوعود المتعلقة بإدارة الدولة، أكثر من ارتباطها بالصراعات الأيديولوجية".

وقال: "جوهر هذه الانتخابات لا يتمثل في صراع بين الإسلاميين والعلمانيين، ولا بين اليسار واليمين، بل في التنافس بين مَن يحملون رؤى إصلاحية وأولئك الذين يحاولون الحفاظ على الوضع القائم".

وختم خان بالتأكيد على أن "التحالف القادر على طرح برنامج إصلاحي مقنع، مع الحفاظ على الاستقرار، هو الذي سيفوز".