حكومة اليمن الجديدة… اختبار الإنجاز أم إعادة تدوير الأزمات؟

حكومة الزنداني جاءت على ضوء إنهاء نفوذ المجلس الانتقالي في اليمن
في ثالث حكومة تُشكّلها السلطة الشرعية اليمنية خلال ثلاثة أعوام، برزت تساؤلات ملحّة بشأن ما يميّز الحكومة الجديدة عن سابقاتها، ومدى قدرتها على الصمود لأكثر من عام واحد، خلافًا للحكومات السابقة، إضافة إلى التحديات الأبرز التي تواجهها لإحداث تغيير ملموس في الواقع اليمني على مختلف الصعد.
وفي 6 فبراير/ شباط 2026، أعلن مجلس القيادة الرئاسي في اليمن تشكيل حكومة جديدة مكوّنة من 35 وزيرًا، برئاسة شائع الزنداني، الذي احتفظ بحقيبة وزارة الخارجية والمغتربين، وذلك عقب استقالة الحكومة السابقة برئاسة سالم بن بريك، التي لم تُكمل سوى ثمانية أشهر من عمرها.
وأعلن الزنداني، في تدوينة عبر منصة "إكس" بتاريخ 6 فبراير، أن أولويات الحكومة في المرحلة المقبلة ستنصب على تحسين الأوضاع المعيشية والخدمية للمواطنين، ومكافحة الفساد، وتطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز الشراكات مع الأشقاء والأصدقاء، بما يُسهم في إنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، وترسيخ الاستقرار.
وثمّن الزنداني ما وصفه بـ"الدعم السخي والكريم من الأشقاء في السعودية"، مشيدًا بمواقفهم الثابتة تجاه اليمن، وإسنادهم المستمر للحكومة اليمنية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والإنسانية والتنموية، وحرصهم على دعم تطلعات الشعب اليمني نحو السلام والتنمية والازدهار.
وبشأن أسباب تشكيل حكومة جديدة، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني ياسين التميمي: إن الضرورة التي فرضت هذا التشكيل تعود إلى التحول في الواقع الميداني؛ حيث كانت هناك هيمنة وسطوة للمشروع الانفصالي دفعت البلاد إلى مأزق كبير، وكادت تقوض الكيان القانوني للجمهورية اليمنية.
وأوضح التميمي في حديثه مع “الاستقلال” أن هذا الواقع استدعى تنفيذ عمل عسكري جرى خلاله تقويض النفوذ العسكري والسياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي. لافتًا إلى أن عددًا من وزراء الحكومة السابقة أعلنوا انحيازهم للمشروع الانفصالي، وهو ما جعل إعادة تعيين وزراء بدلًا منهم أمرًا حتميًا.
وأشار إلى أن تكليف شائع الزنداني برئاسة الحكومة يعود أيضًا إلى كونه ينحدر من محافظة الضالع التي ينتمي إليها عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي المنحل. ويرى أن ذلك قد يكون هدفه إحداث نوع من الترضية وسحب البساط من حالة الاستنفار الجهوي.
وأضاف أن هذه الخطوة تسهم في طمأنة الشارع بأن النفوذ لم يُلغَ بالكامل، وإنما جرى ترشيده وإعادة تموضعه داخل إطار الدولة اليمنية، بعد أن كان يمارس على حساب نفوذ الدولة وكيانها القانوني.
ولفت التميمي إلى أن الحكومة السابقة كانت مضغوطة بعدد الوزراء، في حين جاءت الحكومة الحالية موسّعة بدرجة أكبر، استجابة لمقتضيات الترضية والتمثيل الجهوي. مشيرًا إلى أنها ضمَّت وزراء يتمتعون بخبرة ومسؤولية سياسية إلى جانب كفاءات تكنوقراطية، فضلًا عن وزراء محسوبين على الحصة السعودية، احتفظ بعضهم بمواقعهم.
وأعرب عن اعتقاده بأن التشكيلة الجديدة تبدو أفضل مقارنة بسابقاتها. مؤكدًا أن وزراء المجلس الانتقالي لم يعودوا يشكّلون "ثلثًا معطلًا" داخل الحكومة كما في السابق، بل أصبحوا حصة سياسية ذات طابع جهوي، ومنحازين للشرعية، بعد أن كانوا معينين وفق رؤية المجلس الانتقالي ورئيسه.
وعن التحديات التي تواجه حكومة شائع الزنداني، رأى التميمي أن أبرزها يتمثل في قدرتها على استنفار الموارد الوطنية وإعادة استثمارها، وتوحيد مؤسسات الدولة اليمنية في كيان واحد، سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا، إلى جانب مدى استعدادها للتعامل مع استحقاق الانقلاب الحوثي.
وأضاف أن التحدي الاقتصادي يفرض استمرار الالتزام السعودي بتقديم الدعم المالي والنقدي بالمستوى نفسه، فضلًا عن ضرورة إطلاق يد الحكومة في توظيف مواردها السيادية من النفط والغاز لمعالجة الأزمات الاقتصادية.
وشدَّد التميمي على أن التحدي الأكثر أهمية يتمثل في استعادة القرار السياسي والسيادي والأمني والعسكري. ويرى أن الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي يعانيان خللًا جوهريًا يتمثل في عدم السيطرة الكاملة على القرار السيادي، الذي ما يزال، بحسب وصفه، في عهدة المملكة العربية السعودية.
ورأى أن المطلوب اليوم هو انتقال الدعم السعودي للشرعية من مستوى الدعم التكتيكي إلى دعم التمكين، بما يسمح للسلطة الشرعية في أداء دورها على الأرض بكفاءة، ويمنحها في الوقت ذاته قدرًا كافيًا من الاستقلالية السياسية والعسكرية للتعامل مع التحدي الحوثي، وهو ما يستدعي استقلال القرار وتوفر الموارد.
وخلص التميمي إلى أنه في حال توافرت هذه الشروط، فإن السلطة الشرعية ستكون قادرة على مواجهة الحوثيين، ويرى أن الفرصة مواتية لعدة أسباب، في مقدمتها التأييد الشعبي لإنهاء هذا الخطر، وتراجع الفيتوات الخارجية التي كانت تعيق حسم الملف الحوثي، فضلًا عن ثقل السعودية القادر على توفير مظلة سياسية وإقليمية ودولية لخوض معركة من هذا النوع.

رسالة معاكسة
في المقابل، يرى الكاتب اليمني علي أحمد الديلمي أن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة جاء محمّلا بخطاب التغيير وضخ دماء جديدة، عبر تقديم بعض الوجوه على أنها تكنوقراط، غير أن هذا الوصف – برأيه – بدا شكليًا أكثر منه جوهريًا.
وأوضح الديلمي، في مقال نشرته صحيفة النداء اليمنية في 7 فبراير/ شباط 20206، أن معظم الأسماء التي جرى تعيينها إما موالية لأحزاب سياسية، أو محسوبة على مكونات نافذة، أو مرتبطة بتقديرات مناطقية وعلاقات شخصية، ما جعل مفهوم “الكفاءة المستقلة” مجرد غطاء لغوي لا يعكس حقيقة ما جرى على أرض الواقع.
وأشار إلى أن غياب التفاعل الشعبي مع تشكيل الحكومة لم يكن من فراغ؛ إذ إن اليمنيين الذين أنهكتهم الحرب وتداعيات الأزمات المعيشية، فقدوا ثقتهم منذ وقت طويل بأي تشكيل حكومي لا يستند إلى معايير واضحة للمحاسبة والفاعلية.
ورأى أن ذلك يعكس شعورًا عامًا بأن ما جرى لا يعدو كونه إعادة تدوير لذات الوجوه والسياسات التي أخفقت في إدارة الدولة والتخفيف من معاناة المواطنين.
وأضاف أن بقاء عدد من الوزراء المرتبطة أسماؤهم بالفشل والفساد في مواقعهم، من دون أي مساءلة أو تقييم جاد للأداء، عزز هذا الانطباع السلبي. موضحًا أن التغيير، بدلًا من أن يكون مدخلًا لاستعادة الحد الأدنى من الثقة، حمل رسالة معاكسة مفادها أن الإخفاق لا يترتب عليه ثمن، وأن المناصب لا تزال تُدار بمنطق الحصص والنفوذ، لا بمنطق المسؤولية والنتائج.
ولفت الديلمي إلى أن المحاصصة السياسية التي حكمت تشكيل الحكومات المتعاقبة في اليمن ما تزال العائق الأكبر أمام أي إصلاح حقيقي؛ إذ أقصت الكفاءات الوطنية المستقلة غير المنتمية للأحزاب أو شبكات المصالح، وحرمت الدولة من طاقات قادرة على إحداث فارق ملموس في الأداء العام.
كما أسهمت، بحسب قوله، في ترسيخ ثقافة الولاء على حساب المهنية، وجعلت الحكومة انعكاسًا لتوازنات ضيقة، لا لتطلعات شعب يتطلع إلى دولة عادلة وفاعلة.
وفي ظل هذا الواقع، يرى الكاتب أن المواطن اليمني لم يلمس أي تغيير حقيقي في حياته اليومية؛ فلا تحسن في الخدمات، ولا انفراج في الأوضاع الاقتصادية، ولا استعادة فعلية لدور مؤسسات الدولة.
وختم سفير اليمن السابق لدى بيروت بالقول: إن تشكيل الحكومات لم يعد حدثًا يستحق المتابعة أو الرهان لدى كثير من اليمنيين، بل بات فصلًا مكررًا في مسلسل أزمة طويلة، عنوانها غياب الرؤية واستمرار إدارة البلاد بالأدوات ذاتها التي أوصلتها إلى هذا المأزق العميق.

وفي السياق ذاته، قال الكاتب والمحلل السياسي هاني البيض: إن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة شائع الزنداني يُعد استحقاقًا دستوريًا مهمًا، غير أن قيمته الحقيقية لا تُقاس بعدد الحقائب الوزارية أو بتوازنات التوافقات السياسية، بقدر ما تُقاس بقدرتها على تحقيق الأهداف، وإنجاز المهام، وتقديم نتائج ملموسة تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
وأضاف البيض، في تعليق نشره على منصة “إكس” في 7 فبراير/ شباط، أن المرحلة الراهنة في اليمن تتطلب الانتقال من منطق إدارة التوازنات المرحلية والحسابات الضيقة، إلى منطق الدولة القائم على الحسم المؤسسي، وتحديد الأولويات، وربط المسؤولية بالإنجاز، وترسيخ مبدأي التقييم والمحاسبة.
وأشار إلى أن الظروف الحالية لا تحتمل حكومات تُبنى على الأسماء أو تضخم الهياكل، بقدر ما تحتاج إلى حكومة ذات برامج واضحة، وأداء مسؤول، وقدرة حقيقية على الاستجابة لتحديات الواقع اليومي.
وبحسب البيض، فإن تشكيل حكومة بهذا الحجم، ووجود وزراء بلا حقائب، قد يعكس تغليب التقديرات التوافقية على وضوح الرؤى والأولويات، وعلى القدرة الفعلية على إحداث التغيير وتحقيق الإنجاز المنشود.
وبيّن الدبلوماسي اليمني السابق أن التجارب الناجحة تؤكد أن حكومات الكفاءات تُبنى على برامج محددة ومهام واضحة، وتُحاسب على النتائج، في حين أن حكومات المحاصصة تُنشأ غالبًا لإرضاء التوازنات السياسية، وتكتفي بإدارة الأزمات أو ترحيلها بدل معالجتها من جذورها.
وخلص إلى أن إدارة الحكومات، وفق منطق الدولة، يجب أن تقوم على البرامج والمهام والنتائج، لا على التوازنات الشكلية، ويرى أن التشكيلة الحالية تبدو أقرب إلى إدارة المرحلة وتخفيف أزماتها، أكثر من كونها حكومة حسم وتغيير، وهو ما يعكس استمرار هيمنة التقديرات التوافقية مقابل استجابة محدودة لحجم التحديات والانهيار الذي تمر به البلاد.
















