استقرار سياسي وكسر العزلة.. إلى أين تقود مليارات السعودية مسار سوريا الجديد؟

"لا تزال سوريا الجديدة تبعث برسالة طمأنة للمستثمرين"
في خطوة تتجاوز أبعادها الاقتصادية المباشرة وتحمل في طياتها رسائل سياسية وإستراتيجية متعددة، أعادت السعودية رسم ملامح الانخراط العربي في الملف السوري عبر حزمة استثمارات وُصفت بأنها الأكبر منذ رفع العقوبات الأميركية عن دمشق.
ولا يُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها مجرد تحرك مالي أو تجاري، بل بصفتها مؤشرا على تحول في مقاربة الرياض للمرحلة المقبلة، وسعيا لإعادة تموضع فاعل داخل معادلة التأثير في سوريا، في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.
وتفتح هذه الاستثمارات السخية، وفق مراقبين، الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة التموضع الإقليمي تجاه "سوريا ما بعد الحرب"؛ حيث تتقاطع حسابات إعادة الإعمار مع تقديرات النفوذ السياسي وتوازنات القوى في المشرق العربي.
كما تعكس هذه الخطوة رغبة في استباق فراغات محتملة، وإعادة دمج دمشق تدريجيا في محيطها العربي عبر أدوات الاقتصاد والاستثمار، بما يمنح الرياض دورا محوريا في صياغة ملامح المرحلة المقبلة وترتيب أولوياتها.

استثمارات ضخمة
وأعلنت السعودية في 7 فبراير/ شباط 2026 حزمة استثمارات ضخمة في سوريا في قطاعات الطاقة والطيران والعقارات والاتصالات، وذلك في ظل تحرّك المملكة لتكون داعما رئيسا لسوريا الجديدة.
وقال وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح آنذاك: إن المملكة أطلقت صندوقا استثماريا في سوريا سيخصص 7.5 مليارات ريال (ملياري دولار) لتطوير مطارين في مدينة حلب على مراحل متعددة.
وأضاف الفالح أن صندوق "إيلاف" يهدف إلى تمويل مشروعات كبيرة في سوريا بمشاركة مستثمرين من القطاع الخاص السعودي.
وفي مجال الطيران المدني، وقعت شركة "طيران ناس" السعودية منخفضة التكلفة والهيئة العامة للطيران المدني السوري اتفاقا لإنشاء شركة طيران جديدة باسم "ناس سوريا".
وقالت الشركة: إن الجانب السوري سيمتلك 51 بالمئة من المشروع المشترك، فيما ستمتلك "طيران ناس" 49 بالمئة، ومن المتوقع أن تبدأ العمليات في الربع الأخير من عام 2026.
وتعد السعودية داعما رئيسا لسوريا الجديدة إلى جانب قطر وتركيا؛ حيث جمع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الرياض الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره السوري أحمد الشرع لأول مرة في منتصف مايو/ أيار 2025، وتعهد ترامب حينها برفع كامل العقوبات عن سوريا.
وقالت وكالة الأنباء السعودية (واس): إن شركة الاتصالات السعودية "إس تي سي" ستستثمر أيضا أكثر من 3 مليارات ريال (799.96 مليون دولار) من أجل "تعزيز البنية التحتية لقطاع الاتصالات وربط سوريا إقليميا ودوليا عبر شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4500 كيلومتر، إضافة إلى إنشاء مراكز بيانات ومحطات كوابل بحرية دولية".
كما وقع الجانبان مذكرة تفاهم واتفاقية تطوير مشترك مع شركة "أكوا باور" السعودية وشركة نقل المياه السعودية، لتحديد خارطة طريق للتعاون في قطاع المياه.
وقال وزير الطاقة السوري محمد البشير: إن الطرفين وضعا "خارطة طريق واضحة للتعاون في قطاع المياه، تتضمن إعداد دراسة فنية دقيقة لمشروع في غاية الأهمية يتمثل في إقامة محطة لتحلية مياه البحر، وحصاد المياه العذبة، وإيصالها إلى مناطق الاحتياج من خلال بناء ناقل وطني يمتد من الساحل السوري إلى جنوب سوريا".
وسبق ذلك توقيع دمشق والرياض، في 7 فبراير/ شباط 2026، اتفاقية بقيمة مليار دولار لتطوير شبكة الاتصالات والإنترنت في سوريا.
وكان وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار أصدر قرارا، نهاية يناير/ كانون الثاني 2026، يقضي بتشكيل مجلس الأعمال السوري السعودي.
وبحسب وكالة "رويترز"، فإن شركتين سعوديتين وثلاث شركات تتخذ من الولايات المتحدة مقرا ستشكل تحالفا لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز في شمال شرق سوريا.
وقالت الوكالة في 10 فبراير/ شباط 2026، نقلا عن مصادر مطلعة لم تسمها: إن شركات "بيكر هيوز" و"هنت إنرجي" و"أرجنت للغاز الطبيعي المسال" تعتزم إقامة مشروع للطاقة بالتعاون مع "أكوا باور" السعودية وشركة "طاقة"، وسيشمل المشروع أربعة إلى خمسة مواقع استكشافية في المنطقة الشمالية الشرقية.
وسيكون الاتفاق الأحدث في سلسلة اتفاقيات كبرى شملت مختلف قطاعات الاقتصاد السوري منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وبعد رفع أكثر العقوبات الأميركية تأثيرا في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، والمتمثل بقانون "قيصر" الذي كان يكبل الاقتصاد السوري.
وتعاني البنية التحتية للطاقة في سوريا من أضرار جسيمة خلال 14 عاما خلت، وتحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات تسعى الحكومة إلى تأمينها من الخارج.
وأكد جوناثان باس، الرئيس التنفيذي لشركة "أرجنت للغاز الطبيعي المسال"، أن الشركات تتوقع توقيع مذكرة تفاهم للمشروع خلال الأسابيع المقبلة.
وقال باس: "نحن متحمسون للغاية لتحقيق رؤى الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، ونقل البلاد من الظلام إلى النور".

تحريك الاقتصاد
تمثل أحدث الاستثمارات السعودية في سوريا أكبر إعلان من هذا النوع منذ قرار الولايات المتحدة رفع العقوبات عن دمشق في ديسمبر/ كانون الأول 2025، وهي العقوبات التي شكلت لسنوات عقبة رئيسية أمام انتعاش الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الحرب.
وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة دعم تعهدت به المملكة لسوريا الجديدة، لا سيما أن تحركات الرياض تجاه دمشق عقب سقوط نظام بشار الأسد اتسمت بالسرعة والوضوح.
ففي عام 2025، أعلنت السعودية عن استثمارات بقيمة 6.4 مليارات دولار، موزعة على 47 صفقة بمشاركة أكثر من 100 شركة سعودية تعمل في قطاعات العقارات والبنية التحتية والاتصالات.
ولا تعكس هذه الاستثمارات التي تمتد من الطاقة والطيران إلى الاتصالات والمياه، رهانا على التعافي الاقتصادي فحسب، بل تحمل دلالات أعمق تتعلق بكسر العزلة الاقتصادية التي فرضتها سنوات الحرب والعقوبات، وإعادة إدماج سوريا تدريجيا في محيطها العربي والدولي.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي السوري فراس شعبو لـ"الاستقلال": إن "الاتفاقات تحولت من مذكرات تفاهم إلى اتفاقيات محددة المدة وواضحة الالتزامات، ضمن صيغة قانونية تمنح وضوحا في الحقوق والواجبات لكلا الطرفين".
وأضاف شعبو أن أهمية المشروعات تكمن في استهدافها قطاعات حيوية، موضحا: "على سبيل المثال، تطوير مطار حلب، وحلب مدينة صناعية وتجارية بامتياز، ووجود مطار فاعل فيها سينشّط التجارة والسياحة والمعارض، ويعزز قدرة المدينة على التشغيل والإنتاج، ما يخلق فرص عمل إضافية".
وأردف أن مشاريع المياه ترتبط مباشرة بملفي الأمن الغذائي والأمن المائي، لا سيما في الجنوب السوري الذي يعاني من شح الموارد المائية. مؤكدا أن هذا النوع من المشاريع "يحمل بعدا إستراتيجيا يتجاوز البعد الخدمي إلى الاستقرار التنموي طويل الأمد".
وأشار إلى أن التركيز على البنية التحتية والطاقة والتدريب يعكس رؤية أشمل، لافتا إلى أن "انعكاسات هذه المشاريع ستظهر على الواقع الخدمي والمعيشي خلال عام أو عامين، إذا ما دخلت حيز التنفيذ الفعلي".
واستدرك شعبو قائلا: إن الأثر الحقيقي سيبقى مرهونا بسرعة الانتقال من التوقيع إلى التشغيل، مضيفا: "المهم أن تدخل هذه المشاريع مرحلة التنفيذ الفعلي، وتسهم في تشغيل اليد العاملة، وتدفع بعجلة الاقتصاد، وتبدأ دورة ضخ الأموال في السوق السورية بشكل مستدام".
وختم بالتأكيد أن هذه الخطوات تبعث برسائل طمأنة داخلية وخارجية، مفادها أن سوريا تسير في مسار تعافٍ اقتصادي تدريجي، مدعوم بغطاء عربي واستثماري واضح.

رسالة سياسية
تراهن سوريا الجديدة على حزمة مشاريع كبرى لإطلاق دورة إنتاج وتشغيل تعيد الحياة إلى قطاعات أنهكتها أكثر من عشرة أعوام من الحرب والعقوبات والتراجع الحاد في البنية التحتية.
وفي هذا السياق، تواصل دمشق توجيه رسائل طمأنة إلى المستثمرين الإقليميين والدوليين مفادها أن البلاد باتت بيئة ممكنة للاستثمار، وأن الانتقال من مرحلة مذكرات التفاهم إلى الاتفاقيات الملزمة يمثل تحولا نوعيا في مسار التعافي الاقتصادي، المرتبط بصورة وثيقة بإعادة التموضع السياسي لسوريا في الإقليم.
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، نجحت الحكومة السورية في استقطاب دعم سياسي واقتصادي لعملية التنمية، وتحفيز استثمارات خارجية في قطاعات حيوية، في مقدمتها الطاقة والبنية التحتية والنقل والاتصالات.
ومن أبرز نتائج هذا التوجه، توقيع اتفاقات وشراكات استثمارية بقيمة 6.4 مليارات دولار خلال منتدى الاستثمار السوري السعودي في الرياض في يوليو/ تموز 2025، بمشاركة عشرات الشركات.
كما كانت شركة "باور إنترناشونال" القطرية ضمن ائتلاف من أربع شركات وقّع في 29 مايو/ أيار 2025 اتفاقا ومذكرة تفاهم في قطاع الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار، تشمل تطوير أربع محطات توليد كهرباء بسعة إجمالية تقارب 4000 ميغاواط، في خطوة وُصفت بأنها حجر أساس لإعادة بناء قطاع الكهرباء.
وفي أغسطس/ آب 2025، وقّعت دمشق اتفاقات إضافية مع أكثر من شركة بقيمة تتجاوز 14 مليار دولار، شملت استثمارات في مطار دمشق الدولي ومشاريع في مجالات النقل والعقارات والخدمات.
وأمام هذه التطورات، يرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي فراس شعبو أن "هذه الاستثمارات ذات طابع سياسي بامتياز". موضحا أن أحد الوزراء السوريين نقل أن القيادة السورية تحدثت إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشأن المخاطر المحيطة بالاستثمار في سوريا، فجاء الرد بأن المملكة ترى في سوريا بيئة استثمارية صالحة.
ويضيف شعبو أن هذا الموقف "يحمل رسالة إيجابية إلى الدول الإقليمية والمجتمع الدولي، ويهدف إلى بعث الثقة وفتح نافذة لإنقاذ الاقتصاد السوري والدخول في مرحلة التعافي الفعلي".
وتابع أن الاتفاقيات السعودية تحديدا تمثّل خطوة لكسر العزلة الاقتصادية التي عاشتها سوريا، لافتا إلى أن الرياض تؤدي دور "رأس الحربة" في دفع التدفقات الخليجية نحو السوق السورية في هذه المرحلة الحساسة.
وختم بالقول: إنَّ هذه التحركات تسهم في تخفيف الصورة النمطية عن سوريا بوصفها اقتصاد مخاطر واقتصادا معزولا. مشيرا إلى أن الأثر النفسي والسياسي لهذه الاستثمارات قد يسبق أثرها المالي المباشر، لكنه لا يقل أهمية عنه في إعادة بناء الثقة داخليا وخارجيا.















