في ظل تصاعد التحديات الأمنية والخدمية.. ما مستقبل الحكومة الجديدة في اليمن؟

يعلق الشارع اليمني آماله على أن تكون هذه التشكيلة بمثابة "حكومة الإنقاذ"
مصطفى كمال
في خطوة تهدف إلى إعادة ترتيب المؤسسة التنفيذية وإطلاق بارقة أمل لدى الشعب اليمني المثقل بالأزمات، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، القرار الجمهوري رقم «3» لسنة 2026 الذي قضى بتشكيل حكومة جديدة برئاسة شائع الزنداني الذي احتفظ أيضا بحقيبة وزارة الخارجية.
ويأتي هذا التشكيل في إطار مساعي المجلس الرئاسي لضخ دماء جديدة في مؤسسات الدولة وإعادة ترتيب أولويات العمل الحكومي. ولا يقتصر هذا التغيير على مجرد تبديل الأسماء، بل يضع أمام الحكومة ملفات ثقيلة ومهمة تتصدرها الأزمة المعيشية، استقرار العملة، وتفعيل مؤسسات الدولة في المحافظات كافة.
ويعلق الشارع اليمني آماله على أن تكون هذه التشكيلة بمثابة "حكومة الإنقاذ" القادرة على تجاوز الانقسامات الداخلية، وتعزيز حضور الدولة، ورفع كفاءة الأداء الحكومي في مواجهة التحديات الراهنة.
تتألف الحكومة الجديدة من 35 وزيرًا، منهم 20 وزيرا من المحافظات الجنوبية، و15 من المحافظات الشمالية، في توزيع يعكس تعقيدات المشهد السياسي القائم ومساعي استيعاب مختلف القوى، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على استمرار إشكالية تضخم الجهاز التنفيذي.
وعلى صعيد التركيبة السياسية، تؤكد التشكيلة هيمنة منطق المحاصصة الحزبية والتسويات السياسية على تشكيل الحكومات، حيث حاز حزب المؤتمر الشعبي العام على ست حقائب وزارية، مقابل ثلاثة وزراء للتجمع اليمني للإصلاح، وأربعة للحزب الاشتراكي بينهم وزير دولة، فيما نال التنظيم الوحدوي الناصري حقيبة وزارية واحدة.
وحصل المجلس الانتقالي الجنوبي على خمسة وزراء، بينهم وزير دولة هو محافظ عدن، في حين ضمّت الحكومة ستة وزراء محسوبين على التكنوقراط، وخمسة وزراء لمجلس حضرموت القبلي، بينهم وزير دولة.
وتعكس عملية التشكيل طبيعة التوازنات داخل مجلس القيادة الرئاسي؛ حيث غلب منطق التسوية واحتواء الخلافات على منطق بناء حكومة ذات برنامج إصلاحي واضح.
ويبدو أن الهدف الأساسي من تشكيل الحكومة هو الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك السياسي والمؤسسي ومنع الفراغ، بدلا من معالجة الإشكاليات البنيوية المرتبطة بتوزيع الصلاحيات وآليات الحكم.

السياق السياسي
يمثل إعلان الحكومة الجديدة نقطة تحول جوهرية في هيكلية السلطة الشرعية؛ حيث لم يكن التشكيل مجرد تعديل وزاري روتيني، بل جاء نتيجة مخاض سياسي وعسكري معقد أعاد صياغة موازين القوى في المناطق المحررة.
وقد جاء التشكيل بعد نحو ثلاثة أسابيع من المشاورات المكثفة التي جرت في العاصمة الرياض، وهدفت إلى تخفيف حدة الاحتقان بين المكونات المنضوية تحت مظلة الشرعية.
وعلى الصعيد المحلي، يعكس التشكيل الحكومي رغبة مجلس القيادة الرئاسي في إنهاء حالة "التآكل المؤسسي" التي عانت منها الحكومة السابقة، حيث برزت عدة معطيات سياسية فارقة، إذ سبق التشكيل قرارات إستراتيجية بتعيين أعضاء جدد في المجلس الرئاسي (مثل الفريق محمود الصبيحي وسالم الخنبشي) لسد الفراغات وتوسيع قاعدة التمثيل.
وتزامنت ولادة الحكومة مع إجراءات أدت إلى تراجع نفوذ "المجلس الانتقالي الجنوبي" ككيان سلطوي مستقل في عدن، ودمجه الفعلي ضمن أطر الدولة بعد توترات عسكرية وسياسية حادة سبقت الإعلان.
كما أُعلنت الحكومة عقب سلسلة من التحولات الميدانية التي منحت الشرعية تفوقا نسبيا في المحافظات الجنوبية والشرقية، فقد استعاد السيطرة الكاملة على محافظتي حضرموت والمهرة، وعمل على تثبيت الأمن في العاصمة المؤقتة عدن.
بالإضافة إلى ذلك، تم تفعيل اللجنة العسكرية العليا لدمج التشكيلات المسلحة تحت غرفة عمليات موحدة، ما وفّر بيئة آمنة نسبياً لعودة الحكومة وممارسة مهامها من الداخل.
وفي البعد الإقليمي، لعبت المملكة العربية السعودية دورا محوريا في هندسة التوافق والظروف المحيطة، عكست توجهًا سعودياً لبناء الاستقرار الاقتصادي، تمثّل في تقديم حزمة دعم مالي بنحو ثلاثة مليارات دولار لتغطية الالتزامات المالية والرواتب، مما وفر "شبكة أمان" للحكومة الجديدة.
ووفقاً لوكالة رويترز، فإن السعودية تستخدم رصيدها من النفوذ السياسي الإستراتيجي وتضخ مليارات الدولارات في محاولة لإحكام السيطرة على اليمن بعد إخراج الإمارات منه في العام الماضي، في إشارة إلى أن الرياض تعيد ترسيخ مكانتها الإقليمية بعدما ظلت لسنوات تعطي الأولوية لأجندتها الداخلية.
وأشار مسؤولون يمنيون إلى أن الرياض تسعى إلى تسجيل قصة نجاح في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المدعومة من المملكة والمعترف بها دولياً، وفي هذا السياق تضغط باتجاه إنهاء الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين للتركيز على استحقاقات السلام أو المواجهة الشاملة.
وجاء تشكيل الحكومة بالتزامن مع مرحلة خفض تصعيد نسبي مع جماعة الحوثي، في ظل مسارات تفاوض غير مباشرة، وإعادة تموضع لبعض الفاعلين الإقليميين، ما انعكس على طبيعة الحكومة، التي صُممت لتكون حكومة إدارة مرحلة، قادرة على التكيف مع معادلة التهدئة، وتجنب خطوات قد تُربك المسارات السياسية القائمة.
أما على الصعيد الدولي، فقد جاء التشكيل في ظل تراجع نسبي في الزخم الدولي تجاه الملف اليمني، واقتصار الاهتمام الخارجي على قضايا محددة، أبرزها أمن الملاحة الدولية، ومنع تمدد الجماعات المتطرفة واحتواء الكارثة الإنسانية.
وأدّى ذلك إلى قبول دولي ضمني بتشكيل حكومة "وظيفية"، دون ممارسة ضغوط جدية باتجاه تبني برنامج إصلاحي شامل أو تقديم دعم اقتصادي واسع.
ويأتي تشكيل الحكومة الجديدة في ظل تعثر حوار الرياض بين المكونات الجنوبية، وتزامنا مع تصاعد الحراك الشعبي الذي يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي، والذي صعّد من تحركاته الميدانية عبر فعاليات مناهضة لمجلس القيادة الرئاسي وللدور السعودي الذي يتهمه بالتواطؤ مع ترتيبات سياسية لا تلبي تطلعات الجنوبيين.
وفي هذا السياق، نقل مسؤول جنوبي أن الرياض أبلغت الأطراف الجنوبية بأن مستقبل الجنوب شأن داخلي، غير أن أي تحولات جوهرية ستظل مؤجلة إلى ما بعد حسم ملف جماعة الحوثي.
ويجرى هذا التصعيد الانفصالي في ظل غياب لافت لرئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي عن المشهد العام، بالتزامن مع تداول شائعات عن مقتله إثر غارات سعودية استهدفت اجتماعًا ومخازن أسلحة للانتقالي في محافظة الضالع مطلع يناير الماضي.
وفي خضم ردود الفعل المتباينة على التشكيل الحكومي الجديد، عبّر حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع عن اعتراضهما الشديد على الآليات التي اعتمدها مجلس القيادة الرئاسي، معتبرين أنها تمثل امتدادا لنهج سياسي تقليدي لم يُحدث أي اختراق حقيقي في مسار الأزمة اليمنية.
وانتقد المكونان ما وصفاه باللجوء إلى معالجات شكلية وحلول مؤقتة تفتقر إلى رؤية وطنية شاملة لمعالجة القضايا الجوهرية، مجددين تمسكهما بمشروع الحكم الذاتي لحضرموت بوصفه خيارا إستراتيجيًا لتحقيق الاستقرار وضمان الحقوق السياسية والاقتصادية لأبناء المحافظة.
في المقابل، دعا حزب التجمع اليمني للإصلاح، عبر ممثله في مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبدالله العليمي، القوى السياسية والمجتمعية والإعلامية إلى الاصطفاف الوطني ودعم حكومة الكفاءات لإنجاح مهامها في مواجهة التحديات الراهنة.
وأكد أن الحكومة تنطلق بدعم سعودي، وبإرادة وطنية وبرنامج أولويات عاجل يركز على تحسين الأوضاع الأمنية والخدمية والتنموية في المحافظات المحررة، وتعزيز الاستقرار، والوفاء بالالتزامات الأساسية، وفي مقدمتها انتظام صرف الرواتب، ورعاية أسر الشهداء والجرحى، وتمكين السلطات المحلية، بما يسهم في تثبيت الجبهة الداخلية واستكمال مسار استعادة الدولة وبسط سيادتها.

تحديات جديدة
يرى مراقبون أن التشكيل الحكومي الجديد مثّل "نقطة ارتكاز" لإنهاء التباينات الحادة، خاصة بعد دمج فصائل سياسية وعسكرية فاعلة ضمن هيكلية الدولة، مما قلص مساحة المناورة للقوى الموازية التي كانت تعيق أداء الحكومات السابقة من داخل العاصمة المؤقتة عدن.
وتواجه حكومة الزنداني اختبارا حقيقيا أمام الشارع اليمني في عدة ملفات من أبرزها:
- ملف الخدمات: يتصدر الملف المعيشي قائمة الأولويات، ويتفق المحللون على أن نجاح هذه الحكومة لن يُقاس ببرامجها النظرية، بل بقدرتها على تحويل الدعم الإقليمي إلى تحسن ملموس في قطاع الخدمات، خاصة الكهرباء والمياه، وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي.
- ملف المجلس الانتقالي: يتعامل المجلس الانتقالي الجنوبي مع الحكومة الجديدة بمنهج براغماتي يجمع بين الاستمرار في الشراكة داخل مؤسسات السلطة المعترف بها دولياً (مشارك بخمسة وزراء)، والحفاظ على أجندته السياسية الخاصة. واحتواء المجلس سياسيا وعسكريا سيمثل حجر الزاوية في استقرار الجنوب واستعادة عافيته والتوجه نحو بناء الدولة.
ملف الحوثي: قدرة الحكومة على التعامل مع التهديدات الحوثية للملاحة الدولية، وتأمين الموانئ اليمنية، وتوحيد الجهود الوطنية صوب الحوثيين ودفعهم نحو الداخل، وفرض المزيد من الحصار السياسي والعسكري عليهم، سيمثل نجاحاً كبيراً لها في ملف المفاوضات والحل السياسي للأزمة اليمنية. أما فشلها في ذلك، فسيقلص من فترة بقائها.
في المجمل، تتحرك الحكومة اليمنية الجديدة داخل بيئة سياسية شديدة التعقيد، تتسم بتعدد الولاءات، وتباين الأولويات، وارتهان جزء كبير من استقرارها للدعم السعودي.الحكومة الجديدة وفق مراقبين، لم تكن نتاج لحظة تعافٍ سياسي بقدر ما كانت انعكاسا لاختلالات المرحلة الانتقالية وتعقيداتها. إنها حكومة أُنجزت بمنطق إدارة التوازنات لا حسمها، واحتواء الصراعات لا تفكيكها، ما يجعل وظيفتها الأساسية محصورة في منع الانهيار وتثبيت الحد الأدنى من الاستقرار، لا في إنتاج مسار وطني جديد.
ويرى خبراء أن الدعم الإقليمي رغم أنه يوفر لهذه الحكومة الجديدة هامش حركة مؤقتا، فإن غياب مشروع سياسي جامع، واستمرار تعدد مراكز القوى، يبقيان مستقبلها مرهونا بتطورات الصراع الأوسع، لا بقدرتها الذاتية على التحول إلى أداة حقيقية لاستعادة الدولة وإنهاء الأزمة اليمنية.
المصادر
- قرار جمهوري بتشكيل الحكومة وتسمية أعضائها
- السعودية تستخدم المال والنفوذ لفرض السيطرة في اليمن بعد إخراج الإمارات
- السعودية تقدم دعماً جديداً إلى اليمن بـ 1.9 مليار ريال
- إعلان مقتل عيدروس الزبيدي في الغارات حسب تصريحات محمد النعماني في لقاء خاص مع قناة عدن
- عناصر الانتقالي بسيئون يحرقون صور القيادة السعودية والأعلام الوطنية
- حلف قبائل حضرموت والجامع ينتقدان آليات تشكيل الحكومة الجديدة
- عبدالله العليمي يدعو إلى الاصطفاف الوطني لإنجاح مهام الحكومة الجديدة في مواجهة كافة التحديات














