صفقات بمليارات الدولارات ورسائل سياسية.. ماذا وراء جولة فانس في القوقاز؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أكدت مجلة أميركية أن زيارة نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، إلى جنوب القوقاز “جاءت في الوقت المناسب”، مشيرة إلى أنها الأعلى مستوى لتلك المنطقة، منذ زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، إلى جورجيا عام 2009.

جاء ذلك في تقرير نشرته مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت"، للباحث أرتين دير سيمونيان، حيث قال: إن "زيارة فانس إلى أرمينيا وأذربيجان أظهرت أن واشنطن لا تتجاهلهما، بل تضطلع بدور فاعل في عملية تطبيع العلاقات بينهما".

صفقات عديدة

وتضمنت زيارة فانس إلى أرمينيا، في 9 فبراير/شباط 2026، إعلانا عن حصول يريفان على أنظمة دفاعية أميركية بقيمة 11 مليون دولار، في سابقة هي الأولى من نوعها، لا سيما طائرة (V-BAT) غير المأهولة المخصّصة لمهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع من شركة (Shield AI).

كما أُعلن عن انطلاق المرحلة الثانية من مشروع الحاسوب الفائق في مجال الذكاء الاصطناعي تقوده شركة (Firebird) وهي شركة أميركية متخصصة في البنية التحتية والحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، وذلك بعد حصولها على ترخيص أميركي لبيع وتسليم 41 ألف وحدة إضافية من معالجات الرسوميات (NVIDIA GB300).

إضافة إلى ذلك، وقّع نائب الرئيس ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بيانا مشتركا بشأن استكمال المفاوضات حول "اتفاقية 123"، التي تضع إطارا قانونيا ملزما للتعاون النووي السلمي بين الولايات المتحدة والدول الشريكة.

وبرزت الولايات المتحدة بوصفها أحد أبرز المرشحين لاستبدال محطة الطاقة النووية الأرمينية القديمة، التي تعود إلى الحقبة السوفييتية، بمفاعلات نووية صغيرة نمطية، ويُمهّد هذا الاتفاق الطريق لاتخاذ قرار يصب في مصلحة واشنطن، بحسب المجلة.

ووفقا لفانس، قد تشمل الصفقات المحتملة "ما يصل إلى 5 مليارات دولار" في اتفاق أولي، "إضافة إلى 4 مليارات دولار أخرى في دعم طويل الأمد عبر عقود الوقود والصيانة".

في اليوم التالي، وخلال وجوده في أذربيجان، وقّع فانس والرئيس إلهام علييف ميثاق شراكة إستراتيجية بين واشنطن وباكو يشمل قضايا الترابط الإقليمي، والاستثمار الاقتصادي، والأمن والدفاع.

وأشار نائب الرئيس إلى أن الولايات المتحدة تعتزم "إرسال بعض الزوارق الجديدة إلى أذربيجان" للمساعدة في حماية مياهها الإقليمية.

وتأتي زيارة فانس بعد نحو ستة أشهر من استضافة الرئيس دونالد ترامب، لكل من باشينيان وعلييف في البيت الأبيض خلال قمة تاريخية عُقدت في أغسطس/آب 2025.

وأسفرت تلك القمة عن توقيع مذكرات تفاهم أميركية مع كل من الوفدين الزائرين، كما وقّع وزيرا خارجية أرمينيا وأذربيجان بالأحرف الأولى على النص المتفق عليه مسبقا لاتفاق السلام والتطبيع بين البلدين.

وفي واشنطن، أصدر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ووزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، في يناير/كانون الثاني 2026، بيانا مشتركا بشأن "إطار تنفيذ TRIPP" (مسار ترامب للسلام والازدهار الدوليين)، الذي يضع الخطوط العريضة للجوانب الفنية والتنظيمية للممر التجاري المزمع إنشاؤه لربط أذربيجان بتركيا عبر جنوب أرمينيا.

وينصّ الإطار على مدة أولية تمتد 49 عاما لشركة التطوير المشتركة، التي ستتولى إنشاء البنية التحتية للنقل والتجارة والطاقة والاتصالات للممر الجديد، وستحتفظ الولايات المتحدة بحصة مسيطرة تبلغ 74 بالمئة، فيما تمتلك أرمينيا النسبة المتبقية البالغة 26 بالمئة.

رؤية إستراتيجية

كما ركّزت زيارة حديثة إلى أرمينيا أجرتها شركة (AECOM) وهي شركة أميركية للاستشارات الهندسية، على إطلاق دراسة جدوى لمشروع "مسار ترامب"؛ "دعما للنمو الاقتصادي طويل الأمد لأرمينيا وتعزيز الترابط والاندماج الإقليمي". بحسب ما أفادت به السفارة الأميركية في يريفان.

وبحسب المجلة، فمنذ الإعلان عنه في أغسطس، أعاد المشروع تنشيط علاقات واشنطن مع المنطقة ومصالحها فيها، واستمرت هذه المحادثات خلال زيارة فانس للمنطقة.

وأضافت: "من وجهة نظر واشنطن، يندرج مشروع مسار (ترامب) ضمن رؤية إستراتيجية أوسع لجنوب قوقاز مترابط يمكن أن يشكّل شريانا إستراتيجيا، برعاية أميركية، يربط آسيا الوسطى بتركيا وأوروبا".

وهو ما يُرجَّح أن يجعله ممرا حيويا لتدفقات التجارة والطاقة عبر أوراسيا، مع تجنّب المرور عبر الأراضي الروسية أو الإيرانية، وفق المجلة.

وقد بدأت هذه الاتفاقات تؤتي بعض ثمارها في المنطقة، فمنذ أن أضفى لقاء أغسطس بصمة الرئيس ترامب الشخصية على مسار السلام، تراجعت احتمالات تجدد الحرب، أو حتى اندلاع مواجهات عنيفة، بين أرمينيا وأذربيجان.

وتدرك كل من يريفان وباكو أن بلديهما مرشحان لجني مكاسب اقتصادية وسياسية كبيرة من مشروع "مسار ترامب"، فضلا عن أن إغضاب واشنطن لن يكون خيارا حكيما من الناحية الإستراتيجية. بحسب المجلة الأميركية.

وقالت: إن "الشحنات الأخيرة التي نُقلت من أذربيجان إلى أرمينيا عبر جورجيا، وإن كانت في معظمها ذات طابع رمزي، تمثل اختراقا متواضعا قد يفضي إلى مكاسب أكبر مستقبلا إذا سُمح بوصول مباشر ومتبادل إلى شبكات البنية التحتية لدى كل طرف".

وأضافت: "كما أن إعادة فتح الحدود بين أرمينيا وتركيا، المغلقة منذ عام 1993، ستشكل خطوة مهمة نحو توسيع الترابط الإقليمي".

روسيا وإيران

وتابعت: "لأكثر من ثلاثين عاما، ظلّ جنوب القوقاز منطقة بالاسم أكثر منه بالواقع؛ إذ افتقر إلى مستوى التكامل القادر على دفع عجلة الازدهار والمساعدة في الحد من انعدام الأمن".

وسيكون من الضروري -وفق المجلة- إعادة إدماج جورجيا التي كانت يوما راية الحضور الأميركي في جنوب القوقاز، في البنية الاقتصادية الإقليمية الناشئة لضمان نجاحها على المدى الطويل.

وترى مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" أن الزيارة الأخيرة لوفد جورجي إلى واشنطن تبعث بإشارة مشجعة إلى احتمال استعادة تبليسي وواشنطن علاقات براغماتية.

"كما شكّل الاجتماع الثلاثي الذي عُقد عام 2025 في العاصمة تبليسي بين نواب وزراء خارجية أرمينيا وأذربيجان وجورجيا تطورا إيجابيا، وينبغي البناء عليه على مستوى وزراء الخارجية"، وفق المجلة.

وقالت: "عموما، ورغم تهيئة الظروف المواتية قبل عودة ترامب إلى السلطة في يناير 2025، فقد نجحت إدارته في نهاية المطاف حيث فشلت الإدارات السابقة".

"وسيكون تحويل تلك النجاحات السابقة إلى سياسة أميركية مستقرة وطويلة الأمد في جنوب القوقاز أمرا بالغ الأهمية، ولا يقل أهمية عن ذلك ضمان ألا يؤدي انخراط أميركا في هذه المنطقة الحساسة إلى مزيد من زعزعة الاستقرار"، وفق توصية "ريسبونسبل ستيتكرافت".

وأكدت أنه ما من شك في أن الطريق سيواجه العديد من العقبات الخارجية التي يجب التعامل معها بحذر، وأبرزها المصالح الروسية والإيرانية في جنوب القوقاز، والمخاوف المتعلقة بمشروع "مسار ترامب" تحديدا.

وأشارت إلى أنه "على عكس بعض المخاوف من أن واشنطن تستعد "لمنح" روسيا نفوذا في جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي السابق، يبدو أن الولايات المتحدة تُظهر بدلا من ذلك أنها ستحترم الخطوط الحمراء الأمنية للقوى العظمى الأخرى دون التخلي عن مصالحها الاقتصادية والسياسية".

وكما كتب أحد الكتّاب الروس: "هناك خيبة أمل، وانزعاج، وشعور بالعجز (في موسكو)؛ لأن مكانة روسيا تراجعت بشكل ملحوظ في هذه المنطقة تحديدا... في السنوات الأخيرة".

وأوضحت المجلة أنه "بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنها تمشي بالفعل على خيط دقيق، وسيعتمد نجاحها على حنكة سياسية رشيدة لم تألفها إلى حد كبير النخبة الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة".

وختمت بالإشارة إلى أن "زيارة فانس إلى أرمينيا وأذربيجان تبعث برسالة قوية مفادها أن واشنطن تولي جنوب القوقاز والمنطقة الأوسع أهمية متجددة، قد تستمر لسنوات مقبلة".