"نجح في تحقيق المستحيل".. كيف فكك أنور إبراهيم فخاخ ترامب؟

“ترامب يفضّل العلاقات الخالية من الأعباء”
استعرضت مجلة أميركية ما سمته “طريقة تفكيك ماليزيا فخاخ” الرئيس دونالد ترامب. مشيرة إلى أن وجود رؤية مشتركة للعالم وعلاقة شخصية جيدة، وعدم كونها حليفا للولايات المتحدة، قد أحدث فرقا كبيرا.
جاء ذلك في مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي” لأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جنوب كاليفورنيا، ديريك غروسمان، قال فيه: إن "ماليزيا نجحت على ما يبدو في تحقيق ما يبدو مستحيلا".
توتر شامل
وذكر غروسمان أنه "منذ عودته إلى منصبه، جعل ترامب، بلا شك، السياسة الخارجية الأميركية أكثر نفعية وضبابية مما كانت عليه في ظل جميع الإدارات السابقة، بما في ذلك ولايته الأولى".
وأضاف "لا يقتصر هذا على توتر العلاقات بين واشنطن وأوروبا والأميركيتين فحسب، بل يمتد ليشمل منطقة المحيطين الهندي والهادئ؛ حيث لا يزال حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها يعانون من تداعيات سلوك ترامب المتقلب".
وخير مثال على ذلك كوريا الجنوبية التي ظنت أنها توصلت إلى اتفاق لخفض الرسوم الجمركية المتبادلة من 25 إلى 20 بالمئة، لتفاجأ فيما بعد بقرار ترامب إعادة فرض رسوم بنسبة 25 بالمئة لاعتقاده أن سيول لا تتحرك بالسرعة الكافية لتنفيذ الاتفاق الأصلي.
وتابع: "ببساطة، ما يسميه ترامب (صفقات) ليس في الغالب سوى اتفاقيات شفهية لا أكثر، وهي عرضة للتغيير الفوري، تبعا لمزاجه والحسابات السياسية الآنية، وبالتالي، لا يمكن ولا ينبغي الوثوق بأي (صفقة) تُبرمها أي دولة مع الولايات المتحدة".
لهذا السبب فشلت محاولات العديد من دول المحيطين الهندي والهادئ لاسترضائه. وفق المقال.
وأردف: "لنأخذ الهند مثالا، فبعد زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي الرسمية إلى البيت الأبيض في فبراير/شباط 2025، فرض ترامب رسوما جمركية أعلى من المتوقع، تشمل رسوما إضافية كان الهدف منها ظاهريا معاقبة نيودلهي على استيراد النفط الروسي".
"لكن الأرجح أنها جاءت نتيجة غضبه من مودي لأنه لم يصدّق ترامب في أوهامه بأنه كان السبب في إبرام سلام بين الهند وباكستان عقب حربهما التي استمرت أربعة أيام عام 2025".
ثم ماطل ترامب في توقيع اتفاقية تجارة حرة ثنائية قبل أن يوافق أخيرا على صفقة مجحفة للغاية بحق الهند، كما انتقد نيودلهي واصفا اقتصادها بـ"الميت"، وأعاد العلاقات الأميركية مع باكستان. وفق غروسمان.
اليابان مثال آخر -وفق المقال- فبعد أن أبلغت واشنطن حليفتها المعاهدة لسنوات بضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي والاستعداد للمساعدة في نزاع عسكري محتمل مع الصين بشأن تايوان، طلب ترامب من رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، أواخر 2025، تخفيف حدة تصريحاتها العلنية حول ضرورة حماية اليابان لتايوان.
وفي ظل الحكومة اليابانية الحالية، من المتوقع أن يصل الإنفاق الدفاعي إلى 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول مارس/آذار 2026، أي قبل عامين من الموعد المقرر.
ويرجع ذلك جزئيا إلى محاولة استرضاء ترامب، لكن لم يكن هناك رد فعل يُذكر من واشنطن، علاوة على ذلك، بلغت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على البضائع اليابانية 15 بالمئة، وهو مستوى مرتفع للغاية بالنسبة لحليف قديم.
وقال غروسمان: إن "قائمة حلفاء الولايات المتحدة وشركائها المتضررين في المنطقة طويلة، يمكن بسهولة إضافة كمبوديا وإندونيسيا والفلبين وسنغافورة وتايوان وتايلاند وفيتنام، وربما غيرها".

نجاح ماليزيا
واستدرك: "لكن هناك دولة واحدة، هي ماليزيا، نجحت على ما يبدو في تحقيق ما بدا مستحيلا. فقد حافظت، حتى الآن على الأقل، على علاقات ودية ومثمرة نسبيا مع الولايات المتحدة دون استرضاء ترامب بالتنازل عن مبادئها الأساسية".
وهذه قصة قد تكون قابلة للتطبيق على نطاق أوسع خلال السنوات الثلاث المقبلة. بحسب تقييمه.
وتابع: "صحيح أن ماليزيا لم تبدأ على نحو جيد، فبعد أن شنت حماس هجومها على إسرائيل عام 2023، وردت الأخيرة بغزو قطاع غزة وقصفه، أعلن رئيس الوزراء الماليزي، أنور إبراهيم، دعمه العلني لحماس".
واستطرد: "لم يكن ترامب قد أدى اليمين بعد، لكن بالنظر إلى موقفه المؤيد لإسرائيل، بدا من المعقول توقع أن تكون العلاقات مع كوالالمبور متوترة".
واستدرك: "غير أنه ما إن تسلم ترامب السلطة، حتى تمكنت ماليزيا من التفاوض على فرض رسوم جمركية منخفضة نسبيا على منتجاتها بلغت 19 بالمئة، وهي النسبة نفسها المفروضة على كمبوديا وإندونيسيا والفلبين وتايلاند، لكنها أقل من تلك المفروضة على عدد من جيرانها في جنوب شرق آسيا".
كما سعت ماليزيا سريعا إلى تجاوز أي خلافات سياسية تتعلق بالشرق الأوسط، والتركيز بدلا من ذلك على رئاستها لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) عام 2025.
وزار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ماليزيا صيف 2025، لكنه لم يمكث فيها سوى 36 ساعة، وقال أنور مازحا أمام روبيو: “هل يمكنني مصادرة جواز سفره؟”
وبحسب المقال، فإنه رغم قصر زيارة روبيو وافتقارها للجدوى، فإنها أرست الأساس لحضور ترامب قمة آسيان في كوالالمبور خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025".
ويبدو أن ما جذب ترامب لم يكن مضمون القمة بقدر ما كان فرصة الظهور تحت الأضواء وتعزيز حظوظه في نيل جائزة نوبل للسلام التي يطمح إليها، وفق غروسمان.
وفي خطوة إضافية لكسب نقاط لدى ترامب، سمح إبراهيم لترامب بترؤس مراسم توقيع اتفاق سلام بين كمبوديا وتايلاند.
وخلال القمة، بدا أن أنور يسعى أيضا إلى بناء علاقة شخصية؛ إذ أشار إلى سنوات سجنه التي قاربت 9 سنوات قائلا مازحا: "كنت في السجن، وترامب كاد أن يدخله". وبالطبع، استمتع ترامب بذلك كله. بحسب غروسمان.
وأضاف أن "الأكثر أهمية موافقة ماليزيا -إلى جانب كمبوديا وتايلاند- على توقيع اتفاق جديد يمنح الولايات المتحدة وصولا أوسع إلى المعادن الحيوية في البلاد".
وأحد الثوابت في الولاية الثانية لترامب هو هوسه بتأمين إمدادات المعادن الحيوية لإبقائها بعيدا عن أيدي الصين.
وبالمثل، حاولت باكستان استمالة ترامب الذي يبدي اهتماما أيضا بأستراليا وإندونيسيا، وحتى بميانمار التي تعصف بها الحرب، للغرض ذاته.

استنساخ صعب
وأوضح المقال أن "من العوامل الأخرى التي تصب في مصلحة ماليزيا عند التعامل مع ترامب أنها تحمل توقعات منه كحليف، فهي شريك وليست حليفا، وهذا فارق مهم".
"فجميع حلفاء الولايات المتحدة الستة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ -أستراليا، واليابان، ونيوزيلندا، والفلبين، وكوريا الجنوبية، وتايلاند- يتوقعون بطبيعة الحال المزيد من الولايات المتحدة نظرا للالتزامات الرسمية المتضمنة في تحالفاتهم".
ولكن نظرا لتركيز ولاية ترامب الثانية بلا هوادة على سياسة خارجية تقوم على مبدأ "أميركا أولا"، جعل الحلفاء عموما يبدون تذمرا من تراجع انخراط واشنطن وتعاونها.
أما ماليزيا، فلا تكاد تكون لديها أي توقعات من الولايات المتحدة في هذا الشأن.
ومع مرور الوقت، أثبت ترامب أنه يفضّل جدا العلاقات الخالية من الأعباء، على التحالفات التي تصاحبها التزامات، ما يجعل ماليزيا في وضع مريح للغاية إزاء الطبيعة الحالية لعلاقاتها الثنائية. بحسب المقال.
وأضاف: "أخيرا، تستفيد ماليزيا أيضا من تقاسمها رؤية عالمية متوافقة على نحو عام مع ترامب وإدارته".
“فكما ورد في إستراتيجية الأمن القومي الجديدة وإستراتيجية الدفاع الوطني، ينظر ترامب إلى العالم بمنظور هرمي حاد”. يؤكد غروسمان.
وأوضح "هناك دول قوية ودول ضعيفة، والنظام الدولي ينتقل من ترتيب أحادي القطب إلى ترتيب متعدد الأقطاب تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين بوصفهما قوتين متنافستين".
وقال غروسمان: إن “ ترامب يفضل أن يتعايش الطرفان في نظام جديد يقوم على امتلاك كل منهما مجال نفوذه الخاص”.
وأشار إلى أن "لدى كوالالمبور خلافاتها الخاصة مع بكين، لا سيما بشأن نزاعات السيادة في بحر الصين الجنوبي، لكنها في الوقت ذاته تثمّن العلاقات الجيدة مع الصين وتسعى إلى تنميتها".
ولفت إلى أن "ماليزيا، شأنها شأن معظم دول جنوب شرق آسيا، تحرص على البقاء غير منحازة لتفادي استفزاز أي من القوتين الكبريين بلا داع".
وذكر أن "ترامب أظهر نفورا واضحا من معاداة خصم بصورة قاطعة، سواء كان الصين أو روسيا، قد يرغب يوما ما في إقامة علاقة ودية معه، وهو ما زاد من تقارب ماليزيا معه".
ومع ذلك، يرى غروسمان أنه "ينبغي التعامل مع كل هذا بحذر؛ فترامب بطبيعته غير قابل للتنبؤ، وقد ينفجر في أي لحظة لأي سبب كان، ودون سابق إنذار".
ومع هذا، أكد أن ماليزيا أظهرت، على الأقل حتى الآن، أن من الممكن ليس فقط الدخول في دائرة رضا ترامب، بل والبقاء فيها، حتى مع معارضة بعض أفعاله، مثل إنشائه مجلس السلام".
وتابع: "ليس من الواضح دائما لماذا أخفق الآخرون في التعامل مع ترامب، لكن عادة، يكون واحد أو أكثر من هذه العوامل -الانسجام الشخصي مع ترامب، وتقديم منجزات سياسية ملموسة، وغياب تحالف مثقل بالالتزامات، وتقاسم رؤية عالمية- غائبا، ما يخلق احتكاكا مع البيت الأبيض".
وتقدم ماليزيا -بحسب المقال- نموذجا إرشاديا مفيدا، ورغم أنه ليس سهل الاستنساخ، لا سيما بالنسبة لمن تربطهم بالولايات المتحدة علاقة تحالف، فإنه يشير إلى أن إدارة العلاقة مع ترامب قد تكون أقل ارتباطا بتقديم تنازلات صريحة، وأكثر ارتباطا بالضبط الدقيق للمواقف.
وختم بالقول: "بالنسبة للدول الراغبة والقادرة على خوض هذه اللعبة، أظهرت ماليزيا أنه من الممكن ليس فقط النجاة في عهد ترامب، بل وربما حتى الازدهار في ظله".













