تحكم بالرواية.. لهذا تُبقي إسرائيل غزة في الجيل الثاني من الاتصالات

حسن عبود | منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في خطوة تعزز الفجوة الرقمية، صدقت وزارة الاتصالات الإسرائيلية في 6 يناير/كانون الثاني 2025، على إطلاق خدمة الجيل الرابع (4G) للهواتف المحمولة في شبكات الاتصالات الفلسطينية بالضفة الغربية دون قطاع غزة.

وتأتي هذه الخطوة في إطار اتفاق أُبرم عام 2022 بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية لتمكين استخدام تقنيتي 4G و5G، إلا أنّ تنفيذه تأجل سابقًا بسبب العدوان على غزة وما رافقه من توترات.

وأبرمت الاتفاقيات بين الشركات الفلسطينية المشغّلة للهاتف النقال (وأبرزها جوال وأوريدو) مع شركات إسرائيلية ودولية مثل “إريكسون”، وذلك للبدء في تنفيذ التحول نحو تقنية الجيل الرابع في الضفة الغربية والتي ستستغرق من 4 إلى 6 أشهر. 

فجوة تقنية

قرار السماح بالجيل الرابع في الضفة الغربية يُبرز الفجوة التقنية الهائلة؛ إذ حصلت هذه المنطقة عام 2018 على خدمات الجيل الثالث (3G) بعد منع إسرائيلي طويل حال دون تشغيل هذه التقنية محليًا. 

منذ ذلك الحين، شكلت تقنية 3G أول تجربة للفلسطينيين بسرعات إنترنت مقبولة نسبيًا عبر الهاتف النقال في الضفة، مما ضيّق الفارق التقني مع إسرائيل إلى حد ما.

أما الآن ومع الانتقال إلى 4G، سيقترب مستوى الخدمة في الضفة من المعايير العالمية الحديثة، لا سيما أن إسرائيل نفسها كانت قد انتقلت إلى هذه الشبكة منذ عام 2013 وبدأت أخيرًا بناء شبكات 5G فائقة السرعة داخل الأراضي المحتلة. 

في المقابل، يبقى سكان غزة عالقين في عصر اتصالات بدائي، حيث يقتصر تشغيل الهواتف المحمولة على شبكات الجيل الثاني المتقادمة. 

تتيح شبكات 2G خدمات المكالمات الصوتية والرسائل النصية القصيرة، بقدرة شبه معدومة على نقل البيانات بحجم يتجاوز 9.6 كيلوبت في الثانية. 

هذه السرعة شديدة البطء تجعل استخدام تطبيقات الإنترنت الحديثة أو مشاركة الفيديو والصور أمرًا شبه مستحيل عبر الشبكة الخلوية في غزة. 

واللافت أيضًا أن إسرائيل نفسها شرعت في إيقاف تشغيل شبكات 2G و3G القديمة داخل الأراضي المحتلة، مطالبةً المستخدمين بالحصول على أجهزة تدعم 4G فما فوق.

أي أن التقنية الوحيدة المتاحة لسكان غزة حاليًا ترى إسرائيل أنها عفا عليها الزمن وتسعى للتخلص منها. 

هذا الواقع لا ينعكس فقط على سرعة الإنترنت، بل يمتد تأثيره إلى قدرة الفلسطينيين على الوصول للمعلومات والخدمات الرقمية الحديثة، ما يرسّخ واقعًا من الحرمان التكنولوجي لقطاع غزة مقابل تقدم نسبي في الضفة الغربية.

ويرى الفلسطينيون أن حرمان غزة من التطور التكنولوجي عقوبة جماعية تهدف إلى إبقاء السكان المحاصرين منذ أكثر من عقد ونصف معزولين ومعاقبين اقتصاديًا ومعلوماتيًا. 

ولم توافق إسرائيل على تحريك ملف الجيل الرابع أخيرًا إلا بعد أن أصبح الأمر يصب في مصلحتها المباشرة مع شروعها في إغلاق شبكات 3G القديمة التي ما زال الفلسطينيون يستخدمونها.

احتكار اقتصادي 

وتعكس هذه الفجوة التقنية جانبا من تحكم إسرائيل العميق بقطاع الاتصالات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

فبموجب الواقع المفروض منذ عقود، تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية والتقنية على أطياف الترددات وشبكات الاتصال في كل من الضفة وغزة.

إذ إن أي تطوير أو تحديث للشبكات الفلسطينية – مثل إدخال 3G سابقًا أو 4G حاليًا – يحتاج إذنا وتصريحا إسرائيليا مسبقا نظرا لاحتكار إسرائيل مصادر التردد وتنسيقها. 

وقد أدى هذا التحكم إلى تأخر الفلسطينيين سنوات طويلة في اللحاق بركب التكنولوجيا. علاوة على ذلك، تستغل شركات الاتصالات الإسرائيلية هذه الهيمنة عبر التغلغل في الأسواق الفلسطينية ذاتها.

 إذ تعمل شركات إسرائيلية مزودة للخدمة الخلوية داخل المستوطنات القريبة، لكن تغطية أبراجها تمتد فعليًا لتشمل مناطق واسعة من مدن وبلدات الضفة الغربية. 

ونتيجة لذلك، يلجأ الكثير من الفلسطينيين إلى استخدام شرائح الاتصال الإسرائيلية بدلاً من شركاتهم المحلية، نظرًا لما توفره من خدمة أسرع وتكلفة أقل في كثير من الأحيان. 

هذه المنافسة غير المتكافئة أدت إلى اقتناص الشركات الإسرائيلية نحو 30 بالمئة من سوق الاتصالات الخلوية الفلسطيني بين 2013 و2015.

كما تسببت في خسائر اقتصادية جسيمة تقدر بين 436 مليونا و1.5 مليار دولار على الاقتصاد المحلي خلال نفس الفترة، وفق تقديرات البنك الدولي. 

وببساطة، تميل كفة الجودة والسعر لصالح المزود الإسرائيلي الذي يمتلك أحدث التقنيات، فيما يعاني المشغّل الفلسطيني من قيود الاحتلال التقنية وضعف البنية التحتية في طبيعة احتكارية واضحة. 

من هنا فإن الدوافع الاقتصادية المتعلقة بالحفاظ على هيمنة الشركات الإسرائيلية ومنع نزيف الأرباح نحو أي بنية تحتية فلسطينية مستقلة تعد أحد أسباب تباطؤ إسرائيل المتعمد في رفع القيود التقنية عن الفلسطينيين.

وبحكم اتفاقية أوسلو 1993 وبروتوكول باريس الاقتصادي 1994، فإن “تل أبيب” هي المتحكم بقطاع الاتصالات في فلسطين، كما تمتد خطوط الاتصالات والكابلات بين الضفة والقطاع إلى إسرائيل، كما أنها المتحكم بالكابلات الدولية.

تحكم أمني معلوماتي

لا يقتصر تأثير السيطرة الإسرائيلية على قطاع الاتصالات على الجوانب التقنية والاقتصادية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى بُعدين آخرين، الأول يتعلق الأول بالمعلومات والرواية الإعلامية والثاني سياسي أمني بحت.

فمن يملك مفاتيح الشبكات وقدرة تشغيلها أو إيقافها، يمتلك ضمنيًا القدرة على عزل الشعب الفلسطيني إعلاميًا والتحكم بتدفق المعلومات من وإلى المناطق المحتلة. 

عن هذا الأمر، يقول الصحفي الغزي ياسر محمد إن هذا التحكم الإسرائيلي “تجلّى بصورة صارخة خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة (2023 - 2025)، عندما تعرضت البنية التحتية للاتصالات هناك لقصف مكثف وانقطاع شامل”. 

وأردف لـ"الاستقلال": “في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023 شهد قطاع غزة انقطاعًا تامًا في خدمات الإنترنت والاتصالات لأول مرة بعد استهداف شبكات الاتصال وانقطاع الكهرباء والوقود”.

وواصل أن “أكثر من مليوني إنسان في غزة وجدوا أنفسهم فجأة معزولين تمامًا عن بعضهم وعن العالم الخارجي، غير قادرين على طلب المساعدة أو حتى متابعة ما يجري حولهم”. 

وتابع: “أدى هذا التعتيم الذي تكرر مرات عديدة خلال سنتي الإبادة إلى شلّ جهود الإغاثة والطوارئ، كما عجز الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان عن توثيق الانتهاكات في ظل صعوبة التواصل أو بث أي مشاهد من أرض الواقع”.

ولفت إلى أن هذه التجربة المريرة أظهرت أن التحكم الإسرائيلي بقطاع الاتصالات بات أداة إستراتيجية ليس فقط للضغط الاقتصادي، بل أيضًا للسيطرة على رواية الأحداث ومنع وصول صوت الفلسطينيين خلال الأزمات. 

وحذرت هيومن رايتس ووتش بدورها أن قطع الإنترنت والاتصالات بشكل متعمد في أوقات الحرب يوفر غطاء لارتكاب الفظائع ويُعزز مناخ الإفلات من العقاب. فالظلام الإلكتروني يحجب الأدلة والبث الحي، ما قد يسمح بارتكاب انتهاكات جسيمة بعيدًا عن أنظار العالم.

أما البعد الآخر، فهو سياسي وأمني، إذ تربط إسرائيل أي تطوير تقني في غزة بوجود إطار للتنسيق وهو أمر غائب في حالة القطاع الذي تديره حركة حماس، على عكس الضفة الغربية تحت سيطرة الرئيس محمود عباس، والتي تتعاون وتنسق أمنيا مع الاحتلال.

التقدير الآخر المعلن هو أمني بحت، إذ تدّعي إسرائيل أن منح تكنولوجيا اتصالات متقدمة لغزة قد يُسهم في تعزيز قدرات الفصائل العسكرية على التنسيق والتخطيط وتنفيذ هجمات، وفق دراسة نشرتها مايس قنديل محاضرة أولى في القانون الدولي بجامعة أوريبرو، السويد.

وقد صرّح مسؤولون إسرائيليون صراحة خلال الحرب بأن قطع الإنترنت عن غزة يهدف لمنع استخدام حماس له في اتصالاتها. 

إذ تنظر إسرائيل إلى بعض معدات الاتصالات المتطورة على أنها مواد “ثُنائية الاستخدام” قد تستغل لأغراض عسكرية مثل التحكم بالطائرات المسيّرة أو التشويش الإلكتروني، لذا تُدرج منع دخول تجهيزات الشبكات الحديثة ضمن سياسة الحصار المفروض على غزة منذ 18 سنة، بحسب الدراسة.