سنوات من الإهمال وسوء الإدارة.. لماذا يهاجر الأطباء من تونس؟

هجرة الكوادر شبه الطبية من تونس لم تعد حالات فردية متفرقة
ألقى توالي سنوات الإهمال وسوء إدارة الشأن العام في تونس بظلاله على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها القطاع الصحي، ما أسهم في تصاعد ظاهرة هجرة كوادره إلى الخارج.
وكشفت دراسة تونسية رسمية أن القطاع الطبي يشهد نزيفًا غير مسبوق، بعد مغادرة أكثر من 6 آلاف طبيب البلاد خلال أربع سنوات، وتحديدًا بين عامي 2021 و2025.
وأفادت الدراسة التي نشرها معهد الصحة والسلامة المهنية (حكومي)، الأحد 22 فبراير/شباط 2026، بأن هجرة الكوادر شبه الطبية لم تعد حالات فردية متفرقة، بل تحولت إلى نزيف حقيقي يهدد توازن المنظومة الصحية.
وأظهرت أن متوسط أعمار الممرضين والكوادر شبه الطبية المهاجرين لا يتجاوز 33.4 عامًا، وأن 84.6 بالمئة منهم يغادرون بسبب تدني الرواتب، فيما يبحث 59.6 بالمئة عن ظروف معيشية أفضل.
وبيّنت الدراسة التي أُنجزت خلال الفترة الممتدة من 15 مارس/آذار إلى 15 أبريل/نيسان 2025، أن ضعف فرص التطور المهني المستمر يدفع 57.7 بالمئة من الممرضين والكوادر شبه الطبية إلى الهجرة، بينما يغادر نحو 54 بالمئة هربًا من ظروف العمل الصعبة.
ووفق البيانات، تُعد ألمانيا الوجهة الأكثر استقطابًا للكوادر شبه الطبية التونسية بنسبة تتجاوز 40 بالمئة، تليها كندا بنسبة 28.8 بالمئة، ثم إيطاليا بنسبة 21.2 بالمئة.

تهديد جدي
وقبيل صدور الدراسة، أقرّ كاتب عام نقابة الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان الاستشفائيين الجامعيين في تونس، محمد عدنان الحنشي، بوجود تهديد جدي ينال منظومة الصحة العمومية واستمرارية الخدمات بالمستشفيات الحكومية.
وأكد الحنشي، في تصريح لإذاعة إذاعة موزاييك بتاريخ 25 يناير/كانون الثاني 2026، أن تفاقم ظاهرة هجرة الأطباء يعكس فشل السياسات الصحية في الحفاظ على الثروة البشرية للمنظومة.
وأشار إلى أن بعض الأرقام "مفزعة"، إذ تفيد دراسات بمغادرة أكثر من ألف طبيب سنويًا خلال السنوات الست الأخيرة. وأضاف أن عام 2024 وحده شهد مغادرة نحو 1450 طبيبًا إلى وجهات من بينها فرنسا وألمانيا ودول الخليج.
وأوضح أن دراسات أنجزها أطباء شبان تُظهر أن أكثر من 80 بالمئة منهم يعتزمون مغادرة البلاد، لافتًا إلى أن الظاهرة لم تعد تقتصر على حديثي التخرج، بل شملت أيضًا رؤساء أقسام وعمداء سابقين، لأسباب متعددة تستوجب المعالجة العاجلة، وفق تعبيره.
من جانبه، يرى الكاتب العام للجامعة العامة للصحة، حسن المازني، أن النزيف لا يقتصر على الأطباء فحسب، بل يمتد إلى الإطارات شبه الطبية، واصفًا الوضع بـ"المفزع".
وأضاف المازني، في حوار مع موقع تونس الرقمية بتاريخ 25 فبراير/شباط 2026، أن قائمة طالبي الشغل في المستشفيات العمومية بالنسبة للممرضين تكاد تكون صفرًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة (2024 و2025 و2026).
وأوضح أن عدد الممرضين الباحثين عن عمل كان يُقدّر بالمئات في سنوات سابقة، غير أن المستشفيات تعاني اليوم نقصًا حادًا في الإطارات، رغم طلب الوزارة فتح باب الانتداب.
وأرجع هذه الوضعية إلى الهجرة الواسعة للإطار شبه الطبي نحو دول غربية، وعلى رأسها ألمانيا، رغم تخرّج المئات من الممرضين سنويًا من الجامعات العمومية والخاصة في تونس.
وأشار إلى أن هذه الأزمة انعكست حتى على حركة النقل السنوية الهادفة إلى تقريب الأزواج أو تمكين الممرضين من العمل قرب مقار إقامتهم، إذ لا يوجد على قوائم الانتظار من يعوّض طالبي النقلة، ما يضطر الإدارة إلى تعليق بعض التنقلات تفاديًا لحدوث شغور.
وشدّد المازني على خطورة عدم الالتزام بتطبيق الفصل 69 من قانون الوظيفة العمومية، الذي ينص على ضرورة ترسيم العون لمدة لا تقل عن سنتين بالمستشفيات العمومية قبل إلحاقه خارج البلاد.
ولفت إلى تعقّد الوضع، موضحًا أن جهات أجنبية باتت تتعاقد مع طلبة في السنة الثالثة من التكوين، عبر استقطابهم وإغرائهم بالعمل، خصوصًا في ألمانيا، مع توفير دورات لتعلم اللغة الألمانية واستكمال الإجراءات القانونية الخاصة بالإلحاق والسفر.
ورأى أن العامل المادي يظل المحفز الأول للهجرة، إذ لا يتجاوز أجر الممرض في تونس نحو 550 دولارًا، وهو مبلغ لا يقارن بالأجور المعروضة في دول غربية، التي قد تصل إلى نحو 4 آلاف يورو، فضلًا عن المنح والامتيازات.
ودعا إلى إقرار القانون الأساسي للممرضين، ومراجعة الأجور والمنح، وفتح آفاق مهنية أوسع للطلبة، للحد من نزيف الهجرة المتواصل.

خلفيات سياسية
في قراءته للظاهرة، يرى المحلل السياسي التونسي نصر الدين سويلمي أن هجرة الأطر والكفاءات الطبية ليست حكرًا على تونس، بل تشهدها عديد الدول، وترتبط أساسًا بغياب نهضة حقيقية أو تنمية نوعية، ما يوسّع الفجوة بين العالم المتقدم والنامي والفقير، ويُسرّع نسق الانحدار في دول الفئة الأخيرة.
وأضاف سويلمي، في تصريح لـ"الاستقلال"، أن فشل المنظومات المتعاقبة في إحداث نهضة شاملة انعكس بدوره على القطاع الصحي، موضحًا أنه من النادر أن تتمكن دولة تعاني ضعفًا اقتصاديًا من تحقيق قفزة نوعية في قطاع واحد، خاصة في القطاعات الحساسة كالصحة.
ورأى أن أزمة هجرة الكفاءات الطبية تعمّقت في ظل المنظومة الحالية بقيادة قيس سعيد، ما فاقم الأزمة وأظهر حجمها، مشيرًا إلى أن وسائل إعلام دولية تناولت ما وصفها بـ"الفاجعة" التي تعيشها المنظومة الصحية في تونس.
ولفت إلى أن المنظومات السياسية السابقة أبقت على النزيف في القطاع الصحي الذي كان يتعمق تدريجيًا بفعل السياق الدولي والعولمة والتفاوت الذي تستغله الدول الغنية، إلى جانب عوامل أخرى. وأضاف أنه رغم بعض المحاولات الإصلاحية آنذاك، فإنها لم تنجح في إيقاف النزيف، وإن كان يسير بوتيرة أبطأ مقارنة بالمرحلة الحالية التي وصفها بأنها تشهد تسارعًا كبيرًا في وتيرة الانهيار.
وأكد أن من بين أسباب هذا الوضع غياب الاختصاص والكفاءات في إدارة الشأن الصحي وغيره من القطاعات، ما أفرز حالة من الارتباك والعشوائية في إدارة الملفات.
وأضاف أن رئيس الدولة يتبنى مقاربة شمولية للتدخل في مختلف المجالات، من الرياضة إلى العمل النقابي والهيئات، مع قناعة بامتلاكه حلولًا شاملة، ويرى أن هذا التمشي يفتقر إلى الواقعية وإلى أدوات التنفيذ الفعلي.
وتابع سويلمي أن ضعف الحاضنة الفكرية والمؤسساتية المحيطة بالسلطة الحالية حال دون إنتاج أفكار إصلاحية قادرة على معالجة الأزمات، بما في ذلك أزمة هجرة الكفاءات الطبية.
وخلص إلى أن استمرار هذا المسار ينذر بمزيد من التراجع في مختلف القطاعات، مرجحًا تواصل نزيف الكفاءات في المدى المنظور، مع ما قد يخلّفه ذلك من تداعيات خطيرة على البلاد.

مبادرة برلمانية
دفعت موجة هجرة الأطباء والكفاءات العلمية من تونس عدداً من النواب إلى طرح مبادرة تشريعية منتصف عام 2025، تقضي بفرض تعويضات مالية على الكفاءات التي تغادر البلاد بنسبة تصل إلى 50 بالمئة من تكلفة تعليمهم.
ووفق المقترح الذي تقدم به رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والشباب والرياضة في مجلس النواب، فخر الدين فضلون، فإن هذه التعويضات تُسدّد على أقساط تمتد لخمس سنوات ضمن عقد يُبرم مع المشغّل الأجنبي.
وتهدف المبادرة، بحسب أصحابها، إلى الحد من نزيف هجرة الأطباء والمهندسين، وتخفيف الأعباء المالية التي تتحملها الدولة، إضافة إلى توفير موارد مالية جديدة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد.
ويستثني المقترح الخريجين الذين يقررون العودة إلى تونس قبل انتهاء مدة الخمس سنوات، شريطة الالتزام بالعمل داخل البلاد لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات.
ولم يكن هذا الطرح جديدًا بالكامل، إذ يمثل امتدادًا لتوجه متنامٍ لدى بعض الأطراف السياسية التي ترى في الكفاءات المتخرجة من المنظومة التعليمية التونسية "رصيدًا وطنيًا" يمكن تقييد حركته تحت شعار "الوفاء للوطن".
ورغم ما قُدم بوصفه فكرة لـ"رد الجميل"، فإن المشروع أثار منذ الإعلان عنه جدلاً واسعًا وانتقادات تتعلق بمدى جدواه التطبيقية، فضلًا عن إشكالاته القانونية والأخلاقية، والتساؤل حول واقعيته وإمكانية تنفيذه فعليًا.

















