لماذا ألغي الصومال اتفاقياته مع الإمارات؟ وما علاقة اليمن والبحر الأحمر؟

خالد كريزم | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لم يعد تدهور العلاقات بين مقديشو وأبوظبي مجرّد خلافٍ تقني حول إدارة الموانئ أو برامج التدريب العسكري، بل تحوّل خلال الأيام الأخيرة إلى مواجهة سياسية مفتوحة تتقدّمها كلمة واحدة: السيادة.

ففي 12 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت الحكومة الصومالية إلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع دولة الإمارات، بما في ذلك اتفاقيات الموانئ والتعاون الدفاعي والأمني، متهمةً أبوظبي بالسعي إلى تقويض سيادة البلاد ووحدتها واستقلال قرارها السياسي.

وأكّدت الحكومة الفيدرالية الصومالية، عقب اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، أن القرار يستند إلى “تقارير موثوقة وأدلة دامغة” بشأن ممارسات وصفتها بـ“الخبيثة”، تمسّ سيادة الصومال ووحدة أراضيه واستقلاله السياسي. وشمل الإلغاء جميع الاتفاقيات المتصلة بموانئ بربرة وبوصاصو وكسمايو.

وجاء هذا القرار في لحظة تتقاطع فيها ملفات شائكة ومعقّدة، أبرزها النفوذ الإماراتي المتنامي داخل الأقاليم الصومالية، والعلاقة المتوترة مع إقليم “أرض الصومال” الانفصالي، إلى جانب حادثة تهريب زعيم انفصالي يمني عبر الأراضي الصومالية.

وفي خلفية المشهد، تلوح تباينات إقليمية متصاعدة بين أبوظبي والرياض، ما يجعل الخطوة الصومالية جزءًا من سياق إقليمي أوسع يتجاوز حدود الخلاف الثنائي.

السيادة أولا

لم يأتِ الانفجار في العلاقات من فراغ، فمنذ عام 2014، انخرطت الإمارات في ملفات متعددة داخل الصومال، شملت تدريب قوات أمنية، وتمويل رواتب آلاف الجنود، والمساهمة في إنشاء مراكز تدريب، إلى جانب تشييد مستشفى خيري في العاصمة مقديشو.

غير أن الخط البياني للعلاقة بدأ يشهد تراجعًا واضحًا بدءا من عام 2017، حين رفضت مقديشو الانخراط في الاستقطاب الخليجي، والتزمت الحياد في أزمة الخليج، مفضّلة الحفاظ على توازن علاقاتها الخارجية بدل الانصياع للضغوط الإماراتية والسعودية بقطع العلاقات مع قطر.

وبلغ التوتر ذروته في أبريل/نيسان 2018، عندما صادرت السلطات الصومالية مبلغ 9.6 ملايين دولار نقدًا من طائرة إماراتية في مطار مقديشو، وسط تساؤلات رسمية وشعبية حول وجهة استخدام هذه الأموال وأطرها القانونية.

وردّت الإمارات حينها بأن المبلغ كان مخصصًا لدفع رواتب جنود صوماليين، قبل أن تصعّد الموقف بإعلان إنهاء برنامجها التدريبي في الصومال وإغلاق مستشفى الشيخ زايد في العاصمة. مثّلت هذه الخطوة لحظة تحوّل مفصلية؛ إذ انتقل النفوذ الإماراتي من مسار التعاون المباشر مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو إلى مسارات موازية عبر الأقاليم شبه المستقلة والانفصالية.

فقد واصلت أبوظبي دعم وتدريب قوة الشرطة البحرية في ولاية بونتلاند شمال شرقي الصومال، والتي تتخذ من مدينة بوصاصو مقرًا لها.

كما وسّعت نفوذها في إقليم أرض الصومال الانفصالي عبر بناء قاعدة عسكرية، وإطلاق مشاريع استثمارية واسعة، أبرزها عقد منح شركة موانئ دبي العالمية امتياز تطوير وتشغيل ميناء بربرة لمدة 30 عامًا، باستثمارات بلغت 442 مليون دولار.

ومن منظور الحكومة الفيدرالية في مقديشو، تجاوزت هذه الاتفاقيات صلاحيات الدولة المركزية وتعاملت مع كيان انفصالي خارج الشرعية الدستورية. وبناء على ذلك، حذّرت الحكومة الصومالية شركة موانئ دبي العالمية عام 2018 من الاستمرار في أي تعاقدات لا تمر عبرها، وعدت هذه الخطوات مساسًا مباشرًا بوحدة البلاد.

كما ندّدت مقديشو باتفاق إنشاء القاعدة العسكرية الإماراتية في بربرة، ووصفتها بأنها “انتهاك صارخ للقانون الدولي”، ملوّحة باتخاذ إجراءات قانونية للدفاع عن سيادتها ووحدتها الوطنية.

وعزّز تعامل الإمارات مع إقليم أرض الصومال كشريك اقتصادي وأمني قناعة الحكومة الصومالية بأن أبوظبي تشجّع مسار انفصال هذا الإقليم، الذي أعلن “استقلاله” عن الصومال عام 1991 من دون أي اعتراف دولي.

وتصاعدت هذه المخاوف في ديسمبر/كانون الأول 2025، بعدما نقل تقرير لموقع “أكسيوس” الأميركي عن مسؤولين إسرائيليين أن اعتراف تل أبيب أخيرا بـ“استقلال” أرض الصومال يُعد “إنجازًا دبلوماسيًا جرى تسهيله عبر أبوظبي”.

وفي هذا السياق، يؤكد الباحث الإريتري والمتخصص في شؤون القرن الإفريقي عبد القادر محمد علي أن أحد أبرز أسباب إنهاء الاتفاقيات “يعود إلى الدور الذي لعبته الإمارات داخل الصومال”.

وقال علي في تصريح لـ“الاستقلال”: إن اتفاقيات الإمارات مع الولايات الفيدرالية التي تنافس سلطة مقديشو، إلى جانب دورها في دعم فكرة انفصال أرض الصومال عبر استثمارات ضخمة، شكّلت مساسًا مباشرًا بسيادة الدولة الصومالية، ودفعها في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرار الإلغاء.

تطورات الإقليم

ولا يفصل الباحث الإريتري عبد القادر محمد علي بين التطورات الجارية في الصومال وما يشهده الإقليم في المرحلة الراهنة، مرجّحًا وجود دعم سعودي لقرار مقديشو قد يصل إلى مستوى الضغط السياسي المباشر، وذلك في سياق ما وصفه بـ“حملة سعودية لتصفية الوجود الإماراتي في جنوب البحر الأحمر”.

ويأتي هذا التقدير في ظل اتهامات متصاعدة للإمارات بدعم مليشيات الدعم السريع في السودان، في وقت تدعم فيه السعودية الجيش السوداني النظامي في الحرب الدائرة هناك، وهو ما أسهم في ترسيخ سردية صومالية ترى أن أبوظبي تدير نفوذها الإقليمي عبر فاعلين محليين خارج إطار الدولة المركزية.

كما يتقاطع القرار الصومالي مع خطوة مشابهة اتخذتها الحكومة الشرعية اليمنية، تمثلت في إعلانها مطلع يناير/كانون الثاني 2026 إلغاء جميع الاتفاقيات الموقعة مع الإمارات، ودعوتها إلى إخراج كامل قواتها من البلاد، وهي خطوة حظيت بتأييد سعودي لافت.

وبدأ التوتر يتصاعد داخل معسكر الشرعية في اليمن، عقب سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، المدعوم إماراتيًا، على محافظات واسعة في شرق وجنوب البلاد أواخر عام 2025، لا سيما حضرموت والمهرة الغنيتين بالموارد النفطية.

واتخذ رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، خطوة إضافية تمثلت في إصداره إعلانًا دستوريًا من طرف واحد مطلع يناير/كانون الثاني، قضى بإطلاق “مرحلة انتقالية” لمدة عامين تنتهي بإجراء استفتاء لتقرير مصير جنوب اليمن.

وعد المجلس الرئاسي اليمني هذه الخطوات انقلابًا وتمردًا صريحًا على الشرعية، ما دفعه إلى إعلان إقالة الزبيدي، وإصدار مرسوم بإحالته إلى النائب العام، تمهيدًا لمحاكمته بتهمة “الخيانة العظمى” وقيادة تمرد مسلح يهدد كيان الدولة ووحدتها.

وفي الأثناء، كانت السعودية تتحرك ميدانيًا؛ إذ شنت غارة جوية على ميناء المكلا في 30 ديسمبر/كانون الأول، بهدف منع وصول شحنة أسلحة إماراتية إلى القوات الانفصالية، قبل أن توجه إنذارًا بخروج القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة، وهو ما أعقبه إعلان أبوظبي سحب ما تبقى من عناصرها لتجنب التصعيد.

وأكدت وكالة “بلومبيرغ” الأميركية أن “التحرك الصومالي جاء بعد ضغوط مارسها مسؤولون سعوديون على حكومة مقديشو لتقليص علاقاتها مع الإمارات”. وذلك نقلًا عن دبلوماسيين إقليميين تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما.

ويشير الباحث عبد القادر محمد علي إلى سبب آخر وصفه بـ“الشكلي” في توتير العلاقة بين الإمارات والصومال، يتمثل في تسهيل أبوظبي تهريب عيدروس الزبيدي من اليمن عبر الأراضي الصومالية، وهو ما كشفه التحالف العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن، وأكدته لاحقًا وكالة الهجرة والجنسية في جمهورية الصومال.

وبحسب الرواية السعودية، غادر الزبيدي مدينة عدن على متن قارب متجهًا إلى ميناء بربرة في إقليم أرض الصومال، قبل أن يستقل طائرة نقلته إلى مقديشو، ثم غادرها على متن طائرة عسكرية إماراتية هبطت في أحد المطارات العسكرية بأبوظبي.

وعدت السلطات الصومالية هذه العملية انتهاكًا صارخًا لسيادة البلاد، وأعلنت فتح تحقيق رسمي في قضية نقل “فارّ من وجه العدالة” عبر الأجواء والمطارات الصومالية.

تطورات متسارعة

في ظل هذه التطورات المتسارعة، يلوح تساؤل جوهري في الأفق: هل انتهى الحضور العسكري والاقتصادي الإماراتي في الصومال إلى غير رجعة، بعد إعلان مقديشو إلغاء جميع الاتفاقيات الموقعة مع أبوظبي؟

يرى الباحث الإريتري والمتخصص في شؤون القرن الإفريقي عبد القادر محمد علي أن من المبكر الجزم بذلك. موضحًا أن “الصومال دولة فيدرالية تتكوّن من ولايات تتمتع بصلاحيات واسعة، تكاد توازي صلاحيات دول مستقلة، وعلى رأسها إقليم أرض الصومال الذي يعد نفسه دولة قائمة بذاتها ويرفض أصلًا التعاطي مع قرارات الحكومة الفيدرالية في مقديشو”.

وفي هذا السياق، قال خضر حسين عبدي، وزير رئاسة أرض الصومال: “أحلام الصومال لن تغير شيئًا… الإمارات باقية، مهما قالت الإدارة الضعيفة في مقديشو”.

كما رأت سلطات ولاية بونتلاند (شمال شرقي الصومال)، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي وتستضيف قاعدة عسكرية إماراتية، أن قرار الحكومة الفيدرالية بإلغاء الاتفاقيات مع الإمارات “باطل ولا أثر له” ضمن حدود الولاية.

وأكدت بونتلاند استمرار شراكتها الأمنية والتنموية مع أبوظبي، لا سيما في مشروع تطوير ميناء بوصاصو الذي تديره شركة موانئ دبي العالمية.

وبدورها، انتقدت ولاية جوبالاند (جنوب غربي البلاد)، التي تخضع بدورها لحكم شبه ذاتي، القرار الصادر عن مقديشو، بالنظر إلى علاقاتها الوثيقة مع الإمارات. مؤكدة أن “اتفاقيات الأمن والتنمية القائمة ستظل سارية”.

وتعكس هذه المواقف حجم الانقسام الداخلي داخل الصومال، كما تُبرز الصعوبات التي تواجه الحكومة الفيدرالية في فرض قراراتها على كامل التراب الصومالي، بما يضع سيادتها موضع اختبار فعلي.

ويقول عبد القادر محمد علي: “إذا امتلكت مقديشو أدوات فعلية تمكّنها من إجبار هذه الولايات على الانصياع لقرارها، فقد نشهد حينها خروج الإمارات من الصومال، باستثناء أرض الصومال التي تعد نفسها دولة مستقلة”.

وتوقع الباحث أن يتحول ملف الوجود الإماراتي إلى عامل إضافي لتغذية الصراعات الداخلية بين الحكومة المركزية في مقديشو والولايات الفيدرالية الرافضة لتطبيق قراراتها.

وفي حال التخلي النهائي عن الاتفاقيات والدعم الإماراتي، نقلت وكالة رويترز البريطانية عن مسؤولين صوماليين، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما، أن الصومال قد يتجه إلى البحث عن بدائل تمويلية وعسكرية، عبر تعزيز شراكته مع قطر أو السعودية بدلا من الإمارات.

وعلى خلاف تقديرات عبد القادر محمد علي، يرى الباحث المستقل المقيم في تركيا إيبوزر ديميرجي، أن مقديشو، رغم افتقارها حاليًا إلى القدرة العسكرية اللازمة لفرض قراراتها بالقوة، لا تزال تحتفظ بنفوذ قانوني وقضائي مهم يمكّنها من تعليق أو الطعن في الاستثمارات الإماراتية المرتبطة بأصول استراتيجية، مثل ميناءي بوصاصو وبربرة.

وقال ديميرجي لصحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية: “على الرغم من أن ميناء بربرة يُدار من قبل سلطات أرض الصومال وتشغله الإمارات، وهو ما يحد من قدرة الحكومة الاتحادية على تعليق الأنشطة فيه من جانب واحد، فإن مقديشو لا تزال تمتلك أدوات قانونية يمكن توظيفها بشأن هذه الأصول”.

وأضافت الصحيفة أن “الرئيس حسن شيخ محمود لم يقطع العلاقات الدبلوماسية رسميًا مع الإمارات، وربما يحاول التعبير عن موقفه من خلال الإجراءات الأخيرة، إلا أن أبوظبي لا تميل إلى هذا النوع من الغموض؛ إذ تفضّل أن يكون شركاؤها إما متحالفين معها بالكامل أو في موقع المواجهة الواضحة”.

من جانبه، رجّح الباحث البارز في كلية لندن للاقتصاد خليف عبد الله، أن تتجه الإمارات إلى قطع تمويلها عن حكومة مقديشو، والعمل على دعم شخصيات معارضة، وتشجيع مسار تشكيل حكومة موازية مع اقتراب انتهاء ولاية الرئيس الحالي في مايو/أيار المقبل.

وأضاف عبد الله، وفق ما نقلت الصحيفة، أن “عملية الانتقال لن تكون سلسة على الأرجح”، في ظل تشابك الصراعات الداخلية والتجاذبات الإقليمية المتصاعدة.